سمير عيطة: الحرب لا تصنع الحرية وإيقافها هو الأهم

سمير عيطة: الحرب لا تصنع الحرية وإيقافها هو الأهم

مجيد محمد

في ظل التشرذم الذي تعاني منه المعارضة السورية بعد مضي أكثر من ثلاث سنوات على ثورة الحرية والكرامة، بدأت الأصوات المنادية بوحدة الصف المعارض، تعلو وتأخذ اتجاهات أكثر جديّة، لخلق واقع سياسي جديد، يتعاطى مع الظروف الموضوعية والذاتية الراهنة بخطاب يتصف بقدر من المعقولية والواقعية، في ظل انسداد أفق الحل العسكري، وازدياد معاناة المهجرين والنازحين داخل البلاد وخارجها. من هنا، حاول “منتدى المعرفة وحرية التعبير” في جلسته الثانية عشرة في مدينة عنتاب التركية، الوقوف بشكل أكثر عمقاً مع خطاب طيفٍ من المعارضة السورية، والذي وصف منذ البدايات أنه ضد كل ما هو عسكري ورافضٍ لكل الدعوات التي انصبت في سياق تسليح المعارضة، وعسكرة الثورة أو الاستعانة بالخارج، فاستقبل المفكر السوري “الدكتور سمير عيطة، رئيس تحرير النشرة العربية من لوموند ديبلوماتيك، ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب،ورئيس مجلس إدارة موقع مفهوم”، للإجابة على تساؤلات كبيرة، منها، ما الذي يمكن فعله في مسعى للم الشمل السوري وتوحيد الجهود؟ ما هو المشترك الذي يمكن الوقوف عليه ليعتمد أساساً يبنى عليه موقف يوحّد الجميع، وينهي هذه النيران التي تحرق كل شيء؟ وما الذي سنستند عليه لنبني أو نبحث عن سوريا تتجاوز محنتها، وتعيش استقراراً ينتظره الجميع؟.
يبدأ سمير عيطة حديثه عن المشهد السوري العام، بسرد تساؤلات جوهرية أربعة، وفيما يتعلق بالمدخل الأول يقول “عيطة”: “لم تعش شعوب كثيرة ما يعيشه السوريون، ولذلك من الواجب أن تتم مقاربة الواقع اليوم، بواقع اليوم، وليس بالواقع في بداية الثورة، حيث يمكننا الحديث عن وجودها، أي الثورة، أو عدم وجودها. ولكن كل من يتناول الثورة السورية انطلاقاً من منظور الأمس، يسقط على الناس اليوم آمال وأفاق غير موجودة، وفيها نوع من الخداع للناس. ففي سوريا انطلقت ثورة حقيقة، والكثير من علماء الاقتصاد والاجتماع قالوا، إن سوريا أحق أن يكون فيها ثورة من تونس ومصر، ولكن للأسف نقلت هذه الثورة لتكون حرباً كبيرة. ولا يزال البعض يتفاجؤون بهذه المقارنة، ورغم مشاركتنا في جهود توحيد المعارضة، كانت الحرب تحضّر لها منذ ذلك الوقت، بداية في ريف حلب ومن ثم إلى داخل حلب، وبات الوضع اليوم، أننا نعيش حرباً شاملة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، فيما لا يزال بالإمكان الحديث عن ثورة في المناطق التي تخضع لسيطرة النظام، حيث المعتقلون والمعارضون لبطش النظام هناك”.
يكمل “عيطة” تصوراته بسرد تفاصيل المحور الثاني، حول القصف الأمريكي الخليجي على سوريا”، والذي لا يمكن وصفه إلا عدواناً على سوريا وخرقاً للسيادة، شخصياً لا أقبل أن تعتدي أي دولة أخرى، أو تقصف سوريا وهذا أمر مبدئي، فالحرب لن تنهي حرباً قائمة، بل العكس، هذه الحرب تفتح مجالاً للتعاطف مع داعش، وما يمكن توقعه مما يحصل اليوم مثير للتعجب، المعارضة اليوم باتت يتيمة لا تعرف إلى أين تؤخذ، فهناك مشروع تقسيم، والدول تدفع باتجاه مصالحها الخاصة، عن طريق تقسيم البلاد إلى قسمين، بدلاً من خروجها من سوريا بدون أيّة مكاسب تذكر، وأنا أرفض هذا المشروع المطروح جملة وتفصيلاً رغم صعوبة إيقافه، فليس العراق وحده من لا يملك إمكانية أن يملأ لاعب مكان آخر داخل صراعه المحلي، فليس من المعقول جلب الجيش العراقي المعبأ طائفياً، وقوات البيشمركة المعبأة قومياً لملء الفراغ في أماكن سيطرة داعش، لأن الأخيرة نتجت عن خلل اجتماعي داخلي في كلا البلدين، أقصد سوريا والعراق. إضافة إلى أخطاء المعارضة السورية، فلا يمكن تصور أن تنجز المعارضة البديل الذي يحل محل داعش، تنظيماً وقوة وتعاملاً مع الناس، وإذا لم يُنتج هذا البديل خلال الأشهر القليلة القادمة شيئاً مميزاً على مستوى الائتلاف والحكومة المؤقتة، ولم يتم التعامل مع القضية بجدية، ولم تتحسن الأوضاع في المناطق التي تعمل فيها الحكومة المؤقتة، فسوف ينتصر بشار الأسد، وهذه هي المعركة الحقيقية، والتي تأتي على مستوى كيفية تأسيس شيء يخدم بلداً، ويخلق نوعاً من الاستقرار ، بدلاً من الفوضى القائمة في المناطق المحررة، إضافة إلى حل معضلة الصلاحيات بين الائتلاف والحكومة. والحساسية حول كيفية خدمة الناس، دون أن تتحول إلى مشروع لتقسيم البلاد، وهذه تحتاج الدراية الكاملة بتفاصيل الصراع، وتوازنات القوى الفاعلة فيه”.
من جهتها قالت الناشطة والمعتقلة السابقة هنادة الرفاعي “إن عيطة صاحب اللاءات الثلاث، يؤكد على ضرورة التفكير بكيفية وقف الحرب في المرحلة الراهنة، وتوجه البلاد نحو مشروعٍ للتقسيم والذي نرفضه جميعاً، ونحن نؤكد على الأمل بطفرة، قد تغيّر المسار الحالي الذي تسير فيه البلاد نحو الهاوية، ويجب التحسس لمدى الخطورة التي وصلت إليها الأوضاع، من تشتت المعارضة الخارجية وفقدان الثقة بها، وضرورة إشراك الشباب الذين بدأوا الثورة، في قيادتها”.
يتابع عيطة حديثه عن محوره الثالث، لوصف الصراع السوري الراهن، “الحرب لا تصنع الحرية، فالحرب لها قوانينها وسياقها وتداخلاتها ومنطق المال والسلاح والسيطرة، والحرب من الممكن لها أن تؤسس للحرية عندما يرتبط السياسي بالعسكري، لكن ما يجري في سوريا يؤكد أنه ليس هناك علاقة بين الاثنين، هناك محاولات للربط، ولكني لا أجد أية معركة خاضتها قوى المعارضة المسلحة لسبب سياسي، وبتنسيق بين قيادة سياسية والقيادات العسكرية، والدليل على ذلك، الاختلافات التي كنا نشهدها كلما فتحت جبهة جديدة، وهنا يجب أن نستفيد من تجربة قريبة منا، إن ما ساهم بنجاح الثورة الفلسطينية هو ربط السياسي بالعسكري ، إلى جانب نجاح القيادة السياسية لحركة فتح، بأن تحتوي في إطار منظمة التحرير الفلسطينية أكثر التنظيمات اختلافاً عنها في إطار واحد، فإذا لم يستطع الائتلاف أن يحتوي كل أطياف المعارضة، فكيف سيحتوي كل أطياف المجتمع السوري، كما أن الحرب لا تصنع حرية إذا لم تكن أساساً لمشروع سياسي، وبما أنها ليست أساساً لمشروع سياسي سوري، فإن أهم شيء الآن، هو إيقاف الحرب، حتى بدون وجود حل سياسي واضح، إذ ليس هناك سياسة في الحرب دون الربط بين السياسي والعسكري، والأهم هو إيجاد طريقة لإيقاف الحرب”.
وهنا يعقب المعارض السوري فؤاد إيليا على حديث عيطة بالقول: “صحيح أن الحرب لا تصنع الحرية، ولكن الحرب من أجل الحرية تصنع الحرية. والمقاربة التي ذكرها عيطة عن منظمة التحرير ليست صحيحة. وكل الذي أراد سوقه من خلال مناقشة الحرب، من أجل الحرية وعدم ارتباط العسكري بالسياسي، هو للوصول إلى فكرة تقضي بإيقاف الحرب حتى من دون الوصول إلى حل سياسي، ما يدفعني للقول بالمثل الشعبي، ((وكأنك يا أبو زيد ما غزيت))، اين الديمقراطية التي ينشدها الشعب؟ اين الحرية التي طالب بها الشباب الذي استشهد؟ ثم من الذي بدأ الحرب، هل هم الشباب السلمي وهم يتعرضون للقتل والاعتقال والموت في زنازين النظام وباعترافه؟ هل الثورة هي التي استخدمت الأسلحة المحرمة دولياً. إنه الهروب من محاسبة نظام دموي بحجة ايقاف الحرب، وهو برأي خدمة مجانية لنظام أوغل في دم شعبه، وأسقط سيادة الدولة وفتح المجال واسعاً لكل الإرهاب لأن يعيث قتلاً وتدميراً. لست أدري ماذا يمكن أن يخدم شعار إيقاف الحرب الآن، وبعد كل هذا العدد من الشهداء الذين سقطوا”؟.
ولخلق هذه الآلية والطريقة المناسبة، يردف عيطة في الحديث عن هذه الحيثية المهمة “الوضع في سوريا وتركيبة القوى باتت معروفة، وكذلك تركيبة المصالح الخارجية أصبحت واضحة، فهناك استثمار من دول خليجية على سوريا، وهناك استثمار من تركيا ومن إيران، ولن يقبل أحد الخروج من اللعبة السورية بدون إيرادات، هذا ليس أمراً جديداً، وهذه المعادلة أكبر من حجم البلاد، وحين قمنا بصياغة العهد الوطني في حلبون، انتقدني نشطاء ثوريون وقالوا، “إن الثورة تكون ثورة عندما تبحث عن نظام بديل”، يجب عدم الاكتفاء بإسقاط النظام القائم، فالثورة الفرنسية لم تسمَ ثورة مباشرة، لأن الثوار الفرنسيين احتربوا فيما بينهم، وجاء بعدها نابليون الديكتاتور، وهي سميت فقط ثورة لإنتاجها ورقة إعلان حقوق الإنسان والمواطنة، والتي جاءت كحدث في ظروف خاصة، ومثّلت الأثر النبيل الوحيد للثورة الفرنسية. هذه كانت وجهة نظرنا من أجل وضع عهدٍ وطني، فالثورة عندما تنطلق لا يمكن التحكم بها، لأنها تبدأ من الشباب، لذلك حاولنا الربط بين الرعيل الأول من السياسيين، وبين الشباب، وبين السياسي والعسكري، وكان الفشل هو المصير، وهذا ما دفعنا للتركيز على الخروج بالعهد الوطني في حلبون حينها”.
يتابع “عيطة”: “شخصياً، حافظت مؤخراً على علاقات مع دولتين فقط هما أمريكا وروسيا، وقلت لهما، أنتما البلدان الأكثر قرباً من سوريا من حيث التنوع الديني والعرقي والثقافي، وإذا زالت سوريا من الوجود فستزول أمريكا وروسيا بعدها، لأنه لن يبقى هناك مثال في الشرق، عن دولة متعددة الأديان والأعراق تعيش هوية قومية بالرغم من تعددها، ذاكرتنا الجمعية من الصعب محوها، وهي محفوظة، لا يمكن إلغاؤها، ولا يتوجب ذلك لأنها ليست إرثاً سورياً فحسب بل إرث للإنسانية”.
والحل هنا حسب “عيطة” يتمثل في “وقف الحرب بأقل الشروط سوءاً، حتى تعود السياسة عن طريق وقف الآلية، ووقف التشنج بين الطرفين والفوضى القائمة، ولكن كيف، هناك عدة طرق لكيفية السير إلى الأمام، منها، ما يقول لنوحّد المعارضة أولاً، ولكن هذا صعبٌ جداً في هكذا ظرف، فإن لم نكن قادرين على التوحد في العام 2012، فلن نكون قادرين على ذلك الآن، خاصة مع الضربة الأمريكية والتي قسمت الموالاة والمعارضة، وقمست كذلك أعضاء كل حزب، سواء داخل هيئة التنسيق أو الائتلاف، وبات من الصعب إيجاد كيان جديد، ولذلك، لابد من الحوار والتواصل وزيادة الربط بين العسكري والسياسي، التواصل بين مختلف الأطياف السياسية، ورغم ذلك أيضاً، لن يكون بإمكاننا الوصول إلى مؤتمر وطني عام، يشكل جسم معارض كما تمنينا قبل مؤتمر جنيف، وهذه ليست الأولوية الآن، لابدّ من العمل على وقف الحرب بطرق جديدة”.
في المحور الرابع، يجد “عيطة” أن من الواجب وجود “تصورٌ سياسي لما بعد الحرب، يكون بمثابة العملية السياسية، التي ستؤدي بعد إعادة تنشيط السياسة إلى المؤتمر الوطني، ويجب تصور الآلية انطلاقاً من وقف إطلاق النار للوصول إلى المؤتمر الوطني، ولابد من وجود معارضة وموالاة في أحسن الأحوال للتأسيس، وخلق التفاعلات داخل الجهتين للوصول إلى شيء أنضج من الوضع الحالي. وهنا يجب أن نشير إلى أن هذه الآلية، يجب أن تنطلق من الخطأ الأساسي الذي أدى إلى الثورة، وهو مركزية الدولة بشكل كبير جداً، فمثلاً، كان لابد من تدخل وزير الصحة في دمشق، حتى يبنى مستوصف أو مشفى في رأس العين أو القامشلي، وهذه كانت إحدى أوجه مركزية الدولة الصارمة، لذلك يجب بناء المؤسسات من خلال الشؤون الذاتية التي بدأت مع الثورة، حيث تشكلت المجالس المحلية وبدأ الناس بإدارة مناطقهم بعيداً عن الارتباط بالدولة المركزية، في ظل غياب قدرة الدولة على خدمة المناطق، وهذا الأمر كان ضرورياً لضبط ما سيحصل في مرحلة وقف إطلاق النار، فاللامركزية في المناطق المحررة مهمة في هذه المرحلة، والمسؤولية هنا ستكون كبيرة جداً، من حيث تأمين احتياجات الناس، وهذا يحتاج إلى الكثير من الحنكة والصبر في التعامل مع هذه المعضلة، وتلك المجالس ستتحمل هذه المسؤولية، لذلك يجب أن يخلق التصور بين وقف إطلاق النار ، والمشروع السياسي الوطني والذي سيقرر شكل الدستور، ويوازن بين الديمقراطيين والإسلاميين، وعلى الجانبين أن يتحملوا كل الآراء، وهنا ستكون الصراعات محتدمة بين المعارضة والتي تحمل في شكلها الجوهري لامعقولية كبيرة، والمعيار يجب أن يكون اعتماداً على التمثيل الديمقراطي، وهذه الفترة السياسية ستكون مهمة لتأطير السياسة في خدمة الناس، ولن تتفق أطياف المعارضة بدون المشروع الوطني السياسي السوري، والذي لابدّ أن يكون جامعاً لكل السوريين، أو على الأقل، أن يكون حيادياً وعلى مسافة واحدة من كل مكونات السوريين”.

أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.