من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السلام

يُعرّف اقتصاد الحرب على أنه مجموعة من التدابير التي تتخذها دولة ما أو مجموعة دول لتحويل اقتصادها نحو خدمة الإنتاج الحربي، بحيث يتم توفير الموارد الاقتصادية لضمان استمرارية حالة العنف. يشمل ذلك تقنين السلع والمنتجات، واتباع سياسات التجنيد الإجباري أو الخدمة الوطنية، ورفع نسبة الضرائب وإعادة توزيع الموارد، وغير ذلك مما تقوم به الدولة من إعادة نظر في نشاطها الاقتصادي، وإجراء التعديلات اللازمة باتباع خطة تهدف لخدمة المجهود الحربي ككل.

IMG_0010 50في سوريا قبل الثورة قد لا تكون المنظومة الاقتصادية معقدة، فالجميع يعرف اقتصار دائرة الاقتصاد على المرور بعدد معين من الأسماء، واحتوائها على أنماط محددة من الإنتاج، وهذا ربما سهّل على النظام التحكم منذ بداية الثورة بمفاصل حياة المواطن السوري، بدءاً من رغيف الخبز وقطرة النفط، وانتهاءً بالرواتب والأجور، في تجيير واضح لمصحلته العسكرية، مع الاحتفاظ بمركزية القرار الاقتصادي وتصفية من يخالفه من الصناعيين والتجار والاستيلاء على ممتلكاتهم.

أمّا في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، فهناك لا مركزية فاقعة وحال من عدم الاستقرار، دفع المدنيين باتجاه الاستكانة لمصدر الرزق الوحيد المتمثل بالسلة الغذائية، وأوجد بين عشية وضحاها العديد من تجار الحرب الذين يتجاوزون بصيغة تشبه أو ربما تتجاوز ما يفعله النظام بكل المتاح بأموال المساعدات، والسلاح، والآثار، وتزوير المستندات والأوراق الثبوتية، وكل ما تبقى من بنية تحتية قادمة. ناهيك عن استيلاء بعض الفصائل بالقوة على الثروات الأساسية كالنفط والغاز. كل ذلك في ظل فوضى السيادة وغياب القانون والحوكمة واختلاف الانتماء والرؤى بين بقعة سورية محررة وأخرى، وما للحصار في بعض المناطق من سلطة خانقة.

قد يجوز لنا القول إن المعارضة الممثلة بمؤسسات رسمية لم تتبنَّ خلال أربع سنوات، كفترة طويلة نسبياً، نظاماً أو نمطاً اقتصادياً على الأقل، وإن بأبسط الصيغ، فلا زراعة، وإن محلية، وعلى نطاقات ضيقة (إلا في تجارب قليلة معدودة وبمبادرات أهلية)، ولا محاولات للظهور كسلطة بإمكانها السيطرة على المعابر الحدودية كمصدر للدخل، ولا رؤى لمشاريع إنتاجية. فكل فصيل اليوم، ومن كل الانتماءات، يبحث عن مصدر يضمن له البقاء، مصدر يتحفظ على ملكيته والتحكم بإدارة إنفاقه.

كل ذلك يحيلنا لطرح الأسئلة على أنفسنا أولاً وعلى المحيط الممتد حولنا، بدءاً منا كأفراد يمكننا تبادل الأفكار، انتقالاً إلى ممثلي السلطة، وصولاً إلى ما يمكن اعتبارها جهات مممولة ذات سلطة اقتصادية، لخلق مناخ اقتصادي جديد يمكن التحرك ضمنه في هذه الظروف الاستثنائية لسوريا والسوريين والتحول إلى اقتصاد سلام.

بهذه التساؤلات والمقدمات، استقبل منتدى المعرفة وحرية التعبير الذي تنظمه مجلة “ضوضاء”، بمشاركة مجلة “سيدة سوريا”، في جلسته السادسة عشر في مدينة غازي عنتاب بتركيا، الفيزيائية والاقتصادية والباحثة في العلوم السياسية والمساهمة في تأسيس التحالف المدني “تماس”، ريم تركماني، للحديث عن اقتصاد الحرب السائد في البلاد ومآلاته، وسبل الانتقال إلى اقتصاد السلام.

بدأت تركماني حديثها بمقاربةٍ اعتماداً على مبدأ فيزيائي عام يقول: “بتفتت الكبير إلى أجزاء صغيرة مماثلة له”، مشيرة أن “الذي حدث في سوريا كان مماثلاً تماماً، فالنظام يتفكك إلى أنظمة أصغر منه، وهذا شأن المعارضة أيضاً، والمقاربة هنا قائمة على مقارنة الأحوال أيام حكم النظام والآن”، مضيفة أن “اقتصاد الحرب القائم على تحشيد الدولة لجهودها، هو من نوع الحروب القديمة. التي كانت تؤدي إلى بناء الدول، أما الآن فالحروب هي عملية أعقد بكثير، عملية تتزواج فيها العوامل الداخلية والخارجية، والحديث هنا عن الحرب وليس عن الثورة، في ضوء عدم إهمال أو إغفال أيّة عوامل أخرى. كما أن الحرب في سوريا، حسب التصنيف الدولي، هي حرب جديدة، تقوم على شراكة معقدة بين الفاعلين، وتمثل هذه الشراكة في المصلحة بين هؤلاء والتي تكمن في استمرار الحرب، لأنهم يحصلون على المكاسب بسبب استمرار الأزمة وليس بسبب انتهائها، ولذلك أصبحت المصلحة المشتركة بين الجميع في استمرار الحرب، لا في توقفها“.

تمضي تركماني في توصيف الحالة بالقول: “حتى النظام لم يعد قادراً على الاستمرار في حل السلام، ولذلك فهو يمانع الوصول إلى حالة السلام، واقتصاد الحرب في ظل الظروف الجديدة، هي أكثر من كونها حرباً داخلية، وتعمل على عامل الهوية، وتتحول من صراع من أجل الحقوق إلى طلب للسلطة باسم الهوية. وهذا النموذج مكرر كما حدث في البوسنة مثلاً. كما تتضمن الحرب الجديدة استخدام استراتيجيات اقتصادية لإضعاف الآخرين، وإذا عدنا إلى جذور الصراع السوري، فالأكيد أن الصراع سياسي، لكن هناك مشكلة اقتصادية اجتماعية أيضاً، خاصة في المناطق المهشمة، لأن السياسيات النيوليبرالية التي اعتمدها النظام أدت إلى تهميش عدد كبير من المواطنين، وهذا ظهر أثناء رفع الدعم الحكومي عن المازوت مثلاً. فإذا قارنا النتائج الآن بين مطالب الحرية والكرامة وما آلت إليه الأمور، فسنراها تتعمق في الجذور الاقتصادية والاجتماعية، لذلك نتحدث عن أزمة معقدة جداً، والأمور لا تسير في اتجاه الاستقرار أو تحسن الوضع الاقتصادي، ولذلك فإن الأزمة المعقدة تحتاج بموازاة ذلك حلاً معقداً“.

تذكر تركماني في حديثها “إن العامل الاقتصادي يجب أن يكون جزءاً كبيراً من أي حل مفترض، ولا أعتقد أن يكون هناك حل بدون اهتمام بالعامل الاقتصادي، فالتقديرات تشير إلى أن الاقتصاد الوطني السوري يخسر يومياً 150 مليون دولار، وهذه خسارة كبيرة. فإذا حاولنا حل الصراع في سوريا، وفقاً لتقديرات مراكز بحوث ودراسات، فإننا نوفر أربع دولارات تصرف في حالة الحرب، مقابل دولار واحد في حالة السلام“.

أما فيما يتعلق بالظروف المهيئة لاقتصاد الحرب، فترى تركماني إن اقتصاد الحرب “لا يستطيع أن ينمو ويتكاثر بوجود اقتصاد رسمي، ولذلك فإن العقوبات الاقتصادية التي فرضت على الاقتصاد الرسمي والتي أثرت على الاقتصاد في سوريا وتسببب في العامين 2011 و2012 بخسارة (23 %) من الناتج المحلي الإجمالي، مهدت الطريق لظهور اقتصاد الحرب. لأن التعاملات أمست كلها في السوق السوداء، وهذا يوفر الأرضية الملائمة لظهور اقتصاد الحرب. فمثلاً الحكومة لم تعد قادرة على استخدام قطاع المواصلات بسبب العقوبات على وزارة النقل، فقام النظام بترخيص شركات جديدة من المقربين منه، ومنحهم البنية التحتية للدولة، فبدأ هؤلاء بتسير قطاع النقل وبجني الأرباح، التي كانت تعود في المحصلة إلى خزينة النظام أيضاً“.

العامل الثاني لظهور اقتصاد الحرب حسب تركماني، “هو انهيار الاقتصاد وارتفاع معدل البطالة، وهذا ما يجعل قسماً كبيراً من المواطنين مهيئين للدخول في دائرة اقتصاد الحرب، لأنهم يبحثون عن بدائل عن الاقتصاد الرسمي المنهار، وهذه البدائل يتم تحويرها، بحيث تكون معتمدة على حالة الأزمة والحرب. حتى إن المساعدات الإغاثية أمست مرتبطة بالحرب وبالأزمة أيضاً، ولم تعد جزءاً من الحل“.

وتضيف تركماني أن “النظام تحول للتخطيط لنفسه بدلاً من التخطيط لكل سوريا، وفي موازاة ذلك لم تظهر جهة أخرى قادرة على القيام بهذه المهمة، وبالتالي لم تعد هناك أيّة جهة تتولى مصلحة البلاد. إضافة إلى انهيار البنى القانونية وعدم انضباط الحدود. كل هذه الأسباب وضعتنا في مركز يسبق الصومال على مؤشر التنمية في العالم العربي، في حين كانت سوريا تحتل مركزاً بعد السعودية مباشرة على المؤشر نفسه في العام 2011. وهذا قد يؤدي بعد مدة أن تمسي الصوملة طموحاً للسوريين. وغياب هذه التخطيط العام، أدى أيضاً إلى ارتفاع حاد في مؤشر الفقر المدقع، فيما ارتفع معدل البطالة إلى نحو 80 بالمائة وبلغت نسبة الانقطاع عن المدارس أكثر من 40 بالمائة“.IMG_9954 50

وفي السياق، لفت الإعلامي محمد ملّاك إلى أن “حركات التحرر الوطني في أربعينيات القرن الماضي وحتى ستينياته، أنتجت نمطاً موحداً من الأشخاص، ومن آليات الحكم. وكان للإرادة الخارجية دورٌ كبير فيه، وأن هذه الصيغة لا تزال مستمرة ومتقدمة علينا. ولكن العولمة والنمط الخماسي الذي طرحه سمير أمين والمتمثل في (أسحلة الدمار الشامل واستخراج الثروات الباطينة واحتكار التكنولوجيا والمال والإعلام المعولمين)، ساهم كثيراً في ما يحدث داخل البلاد، إذ لا تزال هناك ريعية والنظام يفهم هذه اللعبة لأنه جزءٌ منها. فهو يسعى لتدمير البنية التحتية، ويمارس النمط المافيوي في حكم البلاد، إلى جانب غرقه في عملية التلزيم في تعامله مع ميليشياته، فالنظام خارج عن أي شرعية أو نمط محدد من القوانين، ولا يزال في حالة الربح ولم يدخل مرحلة الهدر بعد“.

وترى تركماني أن “اقتصاد الحرب تحديداً، يتميز باللامركزية، كما إنه لا يُمركز الاقتصاد أيضاً، ويصاحبه ارتفاع في نسبة البطالة، ويحتاج إلى وجود أيادي خارجية لتطويره وتغذيته، كما يمتاز بالدينامية وإنتاج أشكال تساعده على الاستمرار حتى في حال غياب باقي العوامل المؤدية إلى الحرب. وفي اقتصاد الحرب يحاول الناس تغيير آليات حياتهم بشكل يضمن بقاءهم على قيد الحياة، فهناك من يتاجر بالأمبيرات الكهربائية وبعضهم يعمل بالتهريب والبعض يعتمد على المساعدات وغيرها من أوجه التجارة في ظل ظروف الحرب. ويعتبر الاقتصاد الأسود من أخطر أنواع الاقتصادات المنتشرة في ظروف الحرب، ومنها الاختطاف مقابل الفدية وتهريب البشر والأعضاء وتزوير الوثائق الثبوتية وتجارة الآثار، كل هذه الأعمال تقف خلفها شبكات منظمة، بعضها موجود في الداخل وبعضها في الخارج“.

والأخطر، حسب الاقتصادية الباحثة في العلوم السياسية، أن “الصراع السوري تميّز عن غيره من الصراعات في دول العالم، بوجود حالات الحصار. فمثلاً، الغوطة الشرقية محاصرة من كل الجهات، باستثناء معبر مخيم الوافدين ومعبر حرستا إلى حي برزة رغم قصره (30) متر فقط، إذ يعتبر معبر مخيم الوافدين كمعبر حدودي. توجد بين مناطق سيطرة القوتين على جانبي المعبر، منطقة حرة، تتربح منها شبكة من التجار والقوى العسكرية من جانب النظام والفصائل هناك، وهذا المعبر أدى إلى حدوث صراعات بين الفصائل بسبب العوائد الكبيرة التي تنتج عن عمليات مرور البضائع وحتى السلاح، والتي تمر بعلم كامل من النظام. وما يثير التساؤل هو عدم سماح النظام بدخول المساعدات الإغاثية إلى الغوطة الشرقية، إلا أن الجواب بسيط، إذ إن دخول تلك المساعدات سيؤدي إلى إغراق المنطقة بالبضائع، ما سيؤدي بالتالي إلى انخفاض الأسعار، وتراجع عائدية البضائع التي تدخل من مناطق سيطرة النظام إلى مناطق سيطرة الفصائل“.

وفي هذه النقطة أيضاً، تضيف تركماني أن “حالة الحصار تكررت في حمص القديمة، إذ كانت هناك قوات النظام والميليشيات التابعة لها وأجهزة المخابرات المسيطرة على قطاعات ومداخل حمص القديمة، ما سمح لها بالتحكم بأسعار السلع أو البضائع التي كانت تهرب إلى داخل المنطقة المحاصرة، في حين كانت هناك مناطق أخرى تحت سيطرة المعارضة، أعلنت فيها الفصائل عن معارك لفك الحصار عن حمص القديمة، بدون إطلاق رصاصة واحدة خارج جدران مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك لاستغلال حالة الحصار للحصول على التمويل والدعم“.

أما الإيجابي، وفق الباحثة السورية، فهو أننا “إذا نظرنا إلى أي نقطة أو منطقة أخرى أفرغت من كل مصادرها، كدرعا التي لم تعد فيها الزراعة ممكنة، بسبب فقدان السماد والبذار وغيرها، ونتيجة لذلك فإن فرصة العيش الوحيدة في درعا الآن هي في الانتساب إلى الجيش الحر. لذلك ليس كل من ينضم إلى الجيش الحر الآن تدفعه أسباب سياسية، وإنما هناك أسباب اقتصادية. وداعش (تنظيم الدولة الإسلامية) جنّد آلاف الشباب السوريين بهذه الطريقة، وكان أذكى من الجميع، إذ وضع نوعين من البيعة، هما بيعة الخلافة وبيعة الحرب، والأخيرة تعني أن الشخص يحارب مع التنظيم مقابل مردود مالي بدون أن يلتزم بأدبيات التنظيم. والجيد أن المنضمين إلى الحرب لأسباب اقتصادية من السهل إخراجهم من دائرة الحرب التي انضموا إليها، أكثر من الأشخاص المنضمين إليها لأسباب أيديولوجية. ولذلك فإن أحد المفاتيح التحويلية هي تأمين فرص اقتصادية ومشاريع تشغيلية تتطلب الاستقرار وليس الحرب، لدفع الناس إلى طلب السلام والبحث عنه عبر منح اجتماعية اقتصادية متكاملة لحماية المواطنين“.

وذكرت تركماني أنه “خلال سنوات الأزمة، لم نحرز أي ربحٍ سياسي حتى الآن، لأيّة جهة، لذلك يجب أن تكون هناك رافعة اقتصادية في كل المستويات، من تأمين مشاريع ضخمة إلى الاستثمار في مشاريع صغيرة وإدخال المعونات إلى المناطق المحاصرة، لأن الأخيرة تساعد على كسر اقتصاد الحرب عبر إغراق المناطق المحاصرة بالسلع والبضائع، إلى جانب تمكين القطاع الخاص عن طريق إيجاد بدائل رسمية، وأهم مطلب هو وجود اتفاق يمهد لحل سياسي ووجود مفهوم للدولة، لأن غياب الدولة يصعّب الحل السياسي، إضافة إلى ضرورة تغيير دوافع الفاعلين في ديمومة حالة الحرب“.

وختمت تركماني مشاركتها في منتدى المعرفة وحرية التعبير بالحديث عن سياسات المانحين “التي قد تؤدي بالأمور إلى الحرب أو السلام، بسبب غياب الحوكمة في مناطق النزاع وآليات طرق التعامل مع المعونات. لذلك لا بد من تغيير سياسات المانحين، بدلاً من الاستمرار في الاستجابة لوضع السوريين على أساس حالة الطوارئ، التي تنسحب على الحالة الطبية أيضاً، إذ أن هناك نحو 150 ألف سوري قضوا خلال السنوات الثلاث الأولى من عمر الأزمة، بسبب عدم قدرتهم على الوصول إلى مراكز صحية أو عدم حصولهم على خدمات صحية، بالتالي لا يجب الاستمرار في هذا المنحى“.

صبا الحكيم، عضو المجلس الوطني السوري وإحدى مؤسسات منظمة حرائر سوريا، عقبت على حديث تركماني بالقول: “نحن بحاجة إلى توسيع معرفتنا في هذا المجال، ولكن حديث الدكتورة تركماني نظري، رغم اعتمادها على دراسات وإحصائيات وبحوث، وأرى أن هذا أمرٌ طبيعي ونتيجة ثانوية لانهيار الاقتصاد الوطني. ولكنها لم تقدم بدائل ملموسة، ورغم مناشدتها الحفاظ على اقتصاد البلاد وعدم الإسهام في تدميره، إلا إن هذا الاقتصاد يزيد من معاناة الناس ويستخدم في غير وظيفته”، وفق تعبيرها.

مجيد محمد


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.