قبل “بصرى الشام” وبعدها.. درعا والسويداء تقاومان سياسات النظام التحريضية

بعد سلسلة من المعارك العنيفة، التي شهدتها مدينة بصرى الشام في محافظة درعا، أعلنت فصائل من الجيش الحر وكتائب إسلامية في نهاية الشهر الفائت، السيطرة الكاملة على المدينة. والواقع أن عملية السيطرة تلك، كبدت الطرفين خسائر كبيرة، لا سيما من جانب قوات النظام والميليشيات التابعة لها. في حين مثلت السيطرة على بصرى الشام أهمية بالغة، باعتبارها آخر معاقل النظام في المنطقة وخزان بشري لقواته، حيث استقدم النظام عدداً كبيراً من عناصر ميليشيا “حزب الله” اللبناني، بهدف تحويل المدينة لمنطقة أمنية، وذات “نفوذ عسكري، تكون مركزاً لإنطلاق عملياته” على ريف درعا.

وتقع مدينة بصرى الشام في الجنوب الشرقي من محافظة درعا، تبعد عن مركز المحافظة نحو 40 كيلومتراً، كما تبعد عن مدينة دمشق 141 كيلومتراً، إضافة لموقعها الهام؛ كونها حلقة الوصل بين محافظتي درعا والسويداء. وبحسب ناشطين محليين، واصل النظام العمل على إثارة النزاع بين مكونات المنطقة، كما قام بتجنيد عدد كبير من شبان المدينة في قوات اللجان الشعبية، واغراهم عبر منحهم صلاحيات واسعة للقيام باعتقال المدنيين واهانتهم ونهبهم، وفق للناشطين.

النظام ومحاولة التحريض بين المكونات

وبالعودة إلى معركة بصرى الشام، يلفتنا في هذه المعركة إعلان مليليشيا “جيش الدفاع الوطني”، الموالية للنظام في درعا، بأن “أحد الأسباب الرئيسية لسقوط مدينة بصرى الشام بيد المسلحين”، كان عدم مؤازرة “جيش الدفاع الوطني” من محافظة السويداء لهم. وذكرت”الدفاع الوطني” في درعا، خلال بيان على صفحته في موقع “فيسبوك”، أنهم، وفي المرحلة الحاسمة من المعركة، طلبوا من السويداء أن تمدهم بـنحو 250 عنصراً، إلا أن رد “الدفاع الوطني” في السويداء كان :”لن نرسل أبناءنا إلى هناك”.

والواقع لم يتوقف النظام، وبهدف التعويض عن فشله العسكري، عن التحريض بين المكونات في درعا والسويداء، بهدف خلق اقتتال بينها، مستغلا وقوع اشتباكات عند قريتي (بكا وذيبين)، ذات الغالبية الدرزية في ريف السويداء. كما عمد النظام على نشر شائعات تفيد بأن الفصائل في درعا ستقتحم السويداء، وأوعز لمناصريه شن حملة تخوين ضد المعارضين من أبناء السويداء.

1_242“مشايخ الكرامة” في قريتي بكا وذيبين

في الأثناء، توجه وفد من “مشايخ الكرامة”، إلى قريتي بكا وذيبين، بعد زيارة ضريح “سلطان باشا الأطرش” في بلدة القريا، بمناسبة الذكرى السنوية لوفاته، والتقى هناك وفداً آخر قادماً من مدينة بصرى الشام. وقالت مصادر لـ”ضوضاء”، إن الشيخ “أبو فهد وحيد البلعوس”، ترأس وفد المشايخ، وأكد على رفض المشايخ ما وصفه بـ”سلاح الفتنة والولاءات”، وقال: “سلاحنا الحق هو موقفنا السوري الجامع”، وأضاف: “السويداء قلعة لكل السوريين بكل أطيافهم ومشاربهم”.

وعلق الشيخ “البلعوس” على الأحداث الأخيرة التي شهدتها مدينة بصرى الشام، معتبراً أن “أهل السهل والجبل يد واحدة، ولم يعتد أحد على بكا وذيبين”، كما رفض أن يقاتل أي من أبناء السويداء خارج أراضي المحافظة، قائلاً: “لن نسمح لأحد منا بالاعتداء على أحد”. كذلك طالب الشيخ أهالي ووجهاء درعا، بالتحرك فيما يخص مختطفي السويداء، وذلك “كإثبات حسن نواياهم السورية الأصيلة بالأفعال”.

الجبهة الجنوبية: السويداء خارج الصراع

وسبق أن علقت “غرفة الإعلام العسكري”، التابعة لتشكيل “الجبهة الجنوبية”، على التطورات في المنطقة عبر بيان توجهت فيه إلى أهالي السويداء، قائلة إن النظام السوري، ومن “يحتل أرضنا من قوات إيرانية ولبنانية وغيرها، لم يقدموا لنا ولكم إلا الويلات، ولم يستثن النظام أية فئة من فئات الشعب في حربه ضد التغيير، إذ أتقن لعبة العنف وتأليب الطوائف السورية على بعضها”. وأوضح البيان أن “الثوار أطلقوا (معركة القادسية)، لتحرير مدينة بصرى الشام من ميليشيات النظام والاحتلال، وفي بداية المعركة قامت كتائب الثوار بالالتفاف لشرق مدينة بصرى لقطع طريق الأمداد على العدو”.

وأضافت الغرفة أنه “لم ولن تسعى قوات الثورة الى دخول مناطق السويداء، ولكن كان المطلوب قطع الامداد من قريتي بكا وذيبين، وما الاشتباكات التي حصلت إلا رد فعل على بعض الذين حاولوا الاصطياد بالماء العكر”. وأوضح الناطق باسم “الجبهة الجنوبية”، عصام الريس، أن البيان جاء للتأكيد على موقف الجبهة من محافظة السويداء، وأنها “خارج الصراع”، مؤكداً عدم صحة “ما يشاع عن نية الجيش الحر الاعتداء عليها”. وأضاف الريس لـ “ضوضاء”، أنه “ما من خلافات أو مناوشات مع أهالي السويداء، خاصة أنهم رفضوا تجنيد أبنائهم في خدمة النظام”، مؤكداً أن الهدنة بين “أهالي السويداء والجيش الحر قائمة، وأنهم على تواصل مع مشايخ المحافظة منذ البداية”.

ويتابع بيان “الجبهة الجنوبية”، الموجه إلى أهالي السويداء، بالقول: “انتم رجال العهد، ونحن للعهد وافون، لن نخلف معكم وعداً، ولن نتراجع عن اتفاقنا معكم، ولن نتراجع عن عهدنا، الذي قطعناه لانفسنا قبل أن نقطعه لكم.. إن طريق الثورة تتجه نحو دمشق، ولا تمر من السويداء، التي نعرف أن فيها رجالاً، وأنها قادرة على تحرير نفسها حين تزف الساعة”.

مجلس لطائفة الموحدين يدعو للاعتماد على العقل والتنبه للمؤامرات

في السياق ذاته، أعرب “المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز” في لبنان، عن أمله في أن يعتمد “أبناء الطائفة” في سوريا على العقل في تعاملهم مع جيرانهم بدرعا والقنيطرة، داعياً إلى “التنبه للمؤامرات التي تحيق بهم من كل حدب وصوب”. ودعا المجلس، في رسالة إلى “أبناء الطائفة” بسوريا، إلى “التصرف بمنتهى العقل والحكمة…، وأن يكونوا متيقظين لخطورة الدسائس التي تحاك لهم عبر بدع تهدف إلى توريطهم في قتال عبثي ضد أهلهم وإخوانهم أبناء وطنهم سوريا”.

1427130045742130700وأكد المجلس “ثقته المطلقة بأن الموحدين الدروز في سوريا لن يكونوا إلا كما كانوا مدافعين عن أرضهم ووجودهم (…) لن يسمحوا لأحد، أيا كان، باستخدامهم في مآرب لا تخدم سوريا ولا تخدمهم ولا تمت بصلة لهويتهم العربية الإسلامية…”. كما نبه إلى أن هناك “تسميات تطلق على بعض المجموعات المشبوهة، لن تنجح في جر السوريين الموحدين لصراع قاتل يدور في غير ساحة قتال العدو الصهيوني، وهم لذلك السَّبب، يجب أن يعملوا على إخراج سوريا منه…”.

وكانت اشتباكات دارت بين “حركة المثنى” الإسلامية ” و”فرقة شباب السنة” في ريف درعا بعد اتهام وجهته الحركة إلى “شباب السنة” بمنعها من توسيع القتال اتجاه محافظة السويداء، والاستحواذ على الآليات والأسلحة التي استولي عليها في بصرى الشام، عقب السيطرة عليها من قبل فصائل مقاتلة مؤخراً. وفي تعليقه على التطورات، قال المتحدث باسم “حركة المثنى”، المعروف بلقب “أبو شيماء، في تصريح لـ”ضوضاء”، إن الحركة تحتجز 10 مقاتلين من الفرقة، في حين ليس لهم محتجزون لدى الفرقة. وأكد المتحدث توقف الاشتباكات بين الجانبين، وتم تشكيل محكمة مشتركة “تضم شرعيين اثنين من الطرفين، وذلك للوقوف على الخلافات التي نشبت بين الفصيلين مؤخراً”.

أهالي درعا يطلبون مساندة السويداء

ولمئات السنين بقيت العلاقات بين أهالي درعا والسويداء جيدة. وعليه أصدر نحو 400 شخصية اجتماعية وفنية من أبناء درعا، وسوريا، بياناً طالبوا فيه أهالي السويداء “بعدم الانجرار لمخططات النظام السوري وعدم الوقوف معه، ودعوهم أيضاً لمساعدتهم في التصدي للاحتلال الإيراني”، وفقاً للبيان. ومن بين الموقعين فنانون سوريون من درعا والقنيطرة كالفنان عبد الحكيم قطيفان ومازن ناطور ونوار بلبل إضافة لناشطين حقوقيين وصحافيين. واعتبر البيان أن أهالي درعا “قاموا بثورة لكل السوريين”، كما اعتبر أن العلاقات بين درعا والسويداء “قوية جداً ويجب عدم المساس بها”، ودعا كذلك إلى “وحدة كل مكونات حوران جبلها وسهلها”.

أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.