الشِّيب

(الشّيب مات وتدبرت الرخوة من بعدو)، هكذا ختم الشيخ طرودي الحديث، نهض من مكانه في صدر المضافة مجرجرا” ستّينه بتثاقل، اتجه إلى الركن المحاذي لباب المقعد الحجري المرتفع، حيث تغفو الدّلال النحاسية اللامعة طافحة بالقهوة، مترفة بعبق الذكريات. ألقى بثخن عصاه إلى جانبه واستند بكامل جذعه على وسائد الصوف المطرّزة ومع ارتفاع قدميه عن الأرض بدا كأنه يرتفع إلى عالم آخر …فيما الذكريات تحوم في فضاء رأسه الرحب وهو يحاول طرد ظباء النعاس عن وجهه وآخر الظباء تعبر بوابة المضافة وتغامر في الصمت الذي وخز المكان فعبق بالزفرات وامتلأ بالرنين السحري لحبات المسابح.

فوق بقعة صماء متلاصقة من الحجر، تتكوم/ الرخوة /، نثارا” من بيوت حجرية متشابهة، تحوم حول دار الشيخ طرودي التي جثمت فوق /علوة المنادي / فاردة أجنحتها للريح، وللعيون القادمة من المدينة البعيدة مثل منارة.

   _ الحياة تغيّرت يا شيخ طرودي، الحكومة بدها شيب إلها مش للرخوة. قطع أبو راشد حبل الحيرة والصمت، رفع رأسه المثقل بالوقت، أضاف:

   _ ولاّ أني غلطان ؟؟؟؟                                                                                

من يذكر الشّيب تتراءى له صورة رجل بنصف قامة، يلمع في عينيه المدوّرتين مزيج من الدهاء والمعرفة، رقيق البنية، يتحرك بنزق، حاضر دائما” كالخوف، يعرف أكثر من الله، وحتى أكثر من الحكومة ..، وحين مات انقطع الحبل السري الذي شدّ /الرخوة/ إلى أمها المدينة .

لم تكن /الرخوة/ لتستيقظ من نومها لولا تلك البرقيّة التي حملتها رياح المدينة في مساء شتوي كالح:

/حضرة الشيخ أبو نسيب طرودي الراشد المحترم/:

نطلب إليكم نحن قائمقام محافظة الخربة أن توافونا إلى دار المحافظة للتباحث في أمور تتعلق بأمور الدولة وأمن الخلايق، راجين منكم التفضل باصطحاب ما يتوفر لديكم من وثائق تتعلق بعدد أنفس بلدتكم الكريمة.

 

قائمقام الخربة

غرقت الرخوة في ضباب الأسئلة، وحزّت المدينة غلالة نومها الوادع، فظل لحمها الطري مكشوفاً على قارعة التكهّن.

لملمت القرية أبناءها تحت جناحيها، خبأتهم في قلبها، كما يتوجّس الطير من المجهول، تشاور الكبار في المضافة الأم، نبشوا ذاكرتهم الغافية، فعبقت رائحة البارود اللاذعة، وسالت في شعابها ذكريات الموت وأنين الفقد.

استجارت النسوة بالشّيب، تهامسن في الأمسيات بحذر: (ما بحلّها غير رزالتو).

وفي الدروب الترابية جلست العجائز يتسامرن في انتظار العائدين من

حصاد رحم الأرض، يخدش القلق سكينة أماسيهنّ الناعمة، وورود الصباح التي تلمّهنّ بين الجدران الطينيّة، يتبادلن حليب الرخوة ولبنها. بينما الحيرة تتسرب عبر مسامات هدوئهنّ فيتبعثر رماد الحزن الذي قضمنه منذ سنواتٍ مضت.

طوي البرقيّة مرةً أخرى. دسّها في جيبه الداخلي وقد أوعزت عيناه لسلمان والركوة تستقرّ في يده، تفرغ سائل روحها الأسود في الفناجين، تطوف على الحضور وكأنها تستجيب لنداء حلوقهم التي تبخّر الماء في بطونها فافترسها الجفاف.

حين أورق الصبح فوق دروب الرخوة.. كان الشيخ طرودي يلتفّ بعباءةٍ من صمتٍ مهيب هابطاً الطريق إلى الخربة وقد ازدحمت رأسه بأسماء كثيرة وهو ينتقي مختار الرخوة الجديد.                    

2006

ضوضاء 19 تحميل32ثوب غوايتها

تلك الليلة، أتمّت ثوب غوايتها ، همسها يتغلغل كالسحر في سنيّه الذابلة، يستسلم لارتعاش يتمدد في روحه :

   – اشتقتلَّك …..

همست عبر جهازها الخلويّ والليل ينتصف ….

رشف الأستاذ نبيه حروفها، وأسلم قلبه لشرانق صوتها لتلفَّه برنين الرغبة.

   _ عن جدّ ؟!!!! .. عيديها بعد مرّة إذا عن جدّ.

   – حبيبي.. بكره الساعة عشرة .. لا تنسى.. أوكي ؟؟

روحه فقاعة رقيقة يتلألا الضوء على سطحها، تمسُّها اللذة فتسيل على حيطان الغرفة، تلفُّها بغلالة من نشوة، جسده على بوَّابات النوم والصبح يبدو بعيداً كنجمة.

   _ حبي.. شو صار معك ؟؟ بعدك نايم ؟؟

   – صباح النور .. اشتقتلّك كثير .. يللا… نازل فوراً .

في قاعة المحاضرات تتكئ بمرفقها على المقعد، تستسلم لحديثه البارد حول كرَّاستها، تخبِّئ زفراتها مفسحة له الوقت ليتملَّى الجزء المكشوف من نهديها، وحين تلتقي نظراتهما تطلق ابتسامة ملساء .

عدَّ النقود هابطاً درج المصرف، دسَّها في جيبه، أشار لسيارة أجرة.. قال:

   – حديقة العشاق من فضلك ………..

 

7/6/2007

أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.