التراث السّوري في حالة خراب

تسببت الحرب في سوريا بمقتل أكثر من 200 ألف شخص. وتُظهر الصور أنها تدّمر أيضاً المباني التاريخية والمواقع المصنفة من قبل اليونسكو الـ ـUNESCO..:

كان هنالك وقت عندما كان الناس يعيشون ويعملون في شوارع هادئة، تصطف على جانبيها الأشجار، حيث يذهبون للتسوق في الأسواق القديمة، ويصّلون داخل المساجد الجميلة العامّرة.

لم يبق من كل هذا سوى الخراب. الحرب لم تُهلك فقط أجيالاً من السوريين، بل إنها تمحي كل ما يحيط بهم، بما في ذلك مواقع يعود تاريخها إلى الأيام الأولى من الحضارة، تمزقها حرب تقترب من سنتها الرابعة، ويبدو أن إيقافها مستحيل، بينما ترى سوريا تراثها ذو الخمسة آلاف عام يختفي يوماً بعد يومٍ تحت الأنقاض.

على شبكة الإنترنت، تشاهد مقاطع فيديو صادمة جداً صورها إعلاميون وناشطون، تُظهر مراراً وتكراراً الدّمار الهائل للمدن والقرى، فيما الصور التي قليل من الناس يشاهدونها، هي التي نادراً ماتكشف الضرر خارج ساحة المعركة، وذلك في الكنائس القديمة، والقلاع الصليبية، أو الآثار الأخرى، التي صمدت آلاف السنين أمام عمليات التطهير، والتي تتحول إلى رماد في حرب لا هوادة فيها.

ستّة مواقع مسجلة في التراث العالمي

3مسجد حلب الكبيركلفت الحرب في سوريا حياة أكثر من 130 ألف شخص، واضطر ملايين السوريين للجوء إلى بلدان مجاورة، وملايين نزحوا داخل البلاد. ما أدّى إلى توقف الاقتصاد والصناعة عن العمل لفترة طويلة. والأمل أيضاً بات يَتَضاءل يوماً بعد يوم.

سوريا لديها ستة مواقع مسجلة في التراث العالمي، تعود إلى ما قبل ألفي عام وجميع هذه المواقع تضررت بسبب المعارك. الصور التي التقطت قبل المعارك تظهر لنا سوريا كما بدت في كتب التاريخ لعقود من الزمن. بلدٌ كان الناس فيه يذهبون إلى السوق، ويلتقون في باحات المساجد. بينما الصور التي يتم التقاطها اليوم، تُظهر الأضرار الهائلة في جميع أنحاء البلاد، وتُظهر أيضاً دمار الروح والهوية السوريتين.

في حلب، واحدٌ من أقدم الأسواق المغطاة في العالم، في حالة خراب. كانت متاهة أزقة حلب الحجرية مسرحاً لبعض أشرس المعارك خلال الأشهر الـ(18) الماضية. فيما لم ترحم عمليات القصف الجوي من قبل النظام والقتال المباشر على الأرض هذا التراث الوطني. وأولئك الذين ما زالوا يجرؤون على الوقوف فوق الأنقاض للنظر إلى القلعة القديمة في وسط المدينة، يمكنهم رؤية الدمار الذي لحق بالعديد من جدرانها.

الحياة توقفت

على بُعد مئات الكيلومترات نحو غرب ثالث أكبر مدينة في البلاد (حمص)، واحدة من قلاع القرون الوسطى الأكثر شهرة في العالم «قلعة الحصن»، التي عانت أيضاً الكثير من ويلات الحرب، نراها متأثرةً بالقصف المباشر ومدمرة جزئياً.

في حمص المدينة الوضع أكثر إيلاماً، حيث شوارع سكنيّة و عدد قليل من السيارات المتوقفة في ظلّ أشجار «الكينا»، تمّ تدميرها تماماً. لتتوقف الحياة في هذا الجزء من المدينة، كما هو الحال في معظم المناطق الداخلية. التي نرى فيها مثلاً أنقاض دبابة في وسط الشارع، والمئذنة القديمة بجوارها، قد دُمرت وتحولت إلى غبار.

تلك الصور التُقطت بالقرب من حماة، ولكن يُمكن أيضاً توضيح مدى الضرر الذي تعرضت له أجزاء من العاصمة دمشق، ومدن وقرى أخرى مثل إدلب و درعا، حيث مهد الثورة السورية، والتي تحولت إلى نزاع مسلح فيما بعد.

في أيار من عام 2012، كتبت «إيما كونليف» وهي طالبة الدكتوراه في جامعة «دورهام» البريطانية، وعضو الشبكة الدولية للتراث العالمي، تقريراً عن تدمير المواقع السورية المصنفة، ذكرت فيه ثراء الحضارات التي انبثقت منها سوريا الحالية، ذاكرةً أنه حتى المواقع البعيدة عن القتال كانت عرضة للنهب، «فالعديد من حضارات العصر البرونزي وضعت بصماتها في سوريا، خاصة البابليين، والآشوريين، والحثيين».

تشرح «كونليف»، أن العديد من شعوب الحضارات قاموا باختيار مدن سورية كعواصم لهم. ثمّ أتت

جامع خالد بن الوليد ترجمة مهاالحروب الصليبية الأوروبية، التي تركت بعض القلاع التي اعتُبرت من القلاع الأكثر إثارة للإعجاب عبر التاريخ، بعدها أتت الإمبراطورية العثمانية، وتعايشت جميع هذه الثقافات، لتُعطِ الحياة شيئاً جديداً وفريداً من نوعه في العالم».

تؤكد «كونليف» أن التراث السوري مهدد أكثر من أي وقت مضى، وتقول: «إن المواقع الأثرية السورية غالباً ما تكون في الخطوط الأمامية، وتعاني أضرار جسيمة، بسبب انعدام الأمن والصعوبات الاقتصادية المتزايدة. حتى المواقع البعيدة عن المعارك معرضة للنهب، وهذا لا يحّرم منها السوريون فقط، بل يحّرم العالم كله من تراث غنيّ، ومصدر للإلهام بقدر ماهو مصدر للدّخل».

فيما تعتبر أنه بسبب صعوبة الوصول إلى البلاد، يتم توثيق الدمار عبر صور الأقمار الصناعية.

مدير المشاريع العالمية لصندوق التراث العالمي «دان طومسون»، يُقدر أن «جميع المواقع المصنفة في البلاد قد تضررت، بما في ذلك المدن المصنفة من قبل منظمة اليونسكو، كما أن العديد من المباني تم إتلافها، وهي إمّا مدمرة أو منهوبة على نطاق واسع، بسبب القذائف والرصاص وآلات الحرب المثبتة في المواقع، بالإضافة للنهب، فهذه هي الأسباب الرئيسية للدمار. مع ذلك، بقدر ما نأسف على الجزء الذي تمّ تخريبه، بقدر ما نعلم، أنه لم يتم اتخاذ أي إجراء ملموس ضد هذا الخراب الذي يحدث اليوم».

http://www.courrierinternational.com/article/2014/02/04/le-patrimoine-syrien-en-ruine؟page=all

ليلى كريم


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.