العمل النقابي العالمي/ الجزء الثاني

تاريخ العمل النقابي من مرحلة ما بعد الحرب إلى تسعينيات القرن الفائت (1990)

تعد ولادة الاتحاد العالمي للنقابات ثمرةً من ثمرات التحالف الذي قام بين المعادين للفاشية خلال الحرب العالمية الثانية. وفي العام 1945، كان الاتحاد يجمع كافة النقابات في العالم، باستثناء النقابات المسيحية، التي كانت تفضل إعادة إحياء الاتحاد العالمي للنقابيين المسيحيين، وكذلك باستثناء اتحاد النقابات الأميركي الذي كان يرفض أي تحالف مع الشيوعية. وفي وسط التوترات المتصاعدة، استفاد برنامج الانتعاش الأوروبي والمعروف باسم «مخطط مارشال» أسوةً بجورج مارشال وزير الخارجية الأميركي، ليزيد من حدة التوتر والقطيعة بين الأطراف المختلفة، إلى درجة أنه أصبح من الصعب تفادي الانقسام والتمزق، مما أدّى إلى انضمام جميع النقابات في الاتحاد العالمي إلى سياسات حكوماتها وبالتالي لم يعد هناك إمكانية لردئ الشرخ الحاصل إلاّ من خلال عقد اجتماع عام، عشية الحرب، ذو طابع سياسي-نقابي.

وقد أسفر هذا الاجتماع، في شهر كانون الأول من العام 1949، عن تأسيس الاتحاد العالمي للنقابات العمالية الحرة، ليصبح بذلك مجتمع المنظمات العالمية النقابية محكوماً بالصراع القائم بين هاتين المنظمتين العالمتين والذي دام قرابة النصف قرن.

وقد سيطر الكفاح ضد الشيوعية على حياة الاتحاد العالمي للنقابات العمالية الحرة، وإذا كان هناك الكثير من المنتمين له متفقين على فكرة الكفاح، فإنه في المقابل هناك عدد لا بأس به ممن لا يتفقون عليه. وخلال العام 1950، قرر اتحاد العمال الأميركي-تجمع المنظمات الصناعية دعم نقابات الدول الاستعمارية في كفاحها ضد الشوفينية الأوروبية. وقد أدى هذا الدعم، بدءً من العام 1960، إلى خلاف جديد بين المركزية الأميركية والنقابات البريطانية والألمانية حول الموقف من الدول ذات الحكم الديمقراطي الشعبي.

أما الاتحاد الأوروبي للنقابات العمالية، فقد مرّ تأسيسه عام 1973 بلحظات عسيرة، حيث كانت النقابات العمالية الأوروبية تتجه أكثر فأكثر نحو الانطواء على نفسها تحت ذريعة التضامن فيما بينها. وفي العام 1974، وتم قبول انضمام الاتحاد الإيطالي العام للعمل في الاتحاد الأوروبي، وقوبل هذا الانضمام بمعارضة شديدة من قبل النقابات الآسيوية المسجلة في الاتحاد العالمي للنقابات العمالية الحرة، وقد صنفته في حينها على أنه تصرف غير مقبول في الشيوعية. وفي نهاية الثمانينيات، كان الاتحاد العالمي للنقابات العمالية الحرة أول من شهد أفولاً في مواقفه المعارضة وكذلك تلاشي الركن الأخير من هويته.

1386238636_1
بعد عام 1945، بدأ أمناء سر النقابات العمالية العالمية باستعادة نشاطهم سريعاً، وبينما كان الاتحاد العالمي للنقابات العمالية في طور التأسيس، كان هؤلاء يناضلون من أجل الحفاظ على استقلالية المنظمة، وبالفعل تمكن الاتحاد من المحافظة على استقلاليته، حتى بعد تشكيل أو تأسيس الاتحاد العالمي للنقابات العمالية الحرة. وفي العام 1951، تم في ميلانو، الاتفاق على مجموعة من المسؤوليات المشتركة بين المنظمتين. وقد شارك غالبية أمناء سر النقابات العمالية العالمية في معركة العمل النقابي الحر ضد الشيوعية، ولا سيما في المرحلة الأكثر توتراً من الحرب الباردة. لكن وعلى عكس الاتحاد العالمي للنقابات العمالية الحرة، الذي تحول إلى مجرد بيروقراطية متمسكة ببعض المؤسسات العالمية الناطقة باسم العمال، كان بعض أمناء سر النقابات العمالية العالمية يمارسون عملاً نقابياً حقيقياً على الصعيد العالمي، وقد حاولوا ونجحوا في تنظيم الكفاح وحشد القوى العاملة في بعض الشركات العالمية والشركات متعددة الجنسيات ضد أي ممارسات غير عادلة اتجاه العمال. وقد بقي مبدأ الاستقلالية بالنسبة لهم المبدأ الذي لا يمكن المساومة عليه، وهذ سمح لهم بتأسيس تجمعات عمالية مركزية ومستقلة أو منتمية إلى اتحادات محلية غير مرتبطة بالاتحاد العالمي للنقابات العمالية الحرة.

لكن الانقسام الذي حدث عامي 1948 و1949 تسبب وبشكل كبير بإضعاف التمثيل العالمي للاتحاد. ثلاث عوالم متفاوتة في الحجم كانت تعيش داخله: العالم الاشتراكي، العالم الرأسمالي وعالم ثالث يضم مجموعة الدول التي كانت تحت حكم الاستعمار واستقلت أو التي ما زالت تسعى لتحقيق الاستقلال. العالم الأول يضم بشكل أساسي، دول من أوروبا وآسيا منضوية تحت لواء الاتحاد السوفييتي سابقاً. والعالم الثاني لا يضم سوى قوتين مركزيتين: اتحاد نقابات العمال الفرنسية واتحاد نقابات العمال الإيطالية. أما العالم الثالث، فهو أكثر تنوعاً، ويضم نقابات تعتنق الاشتراكية كمبدأ، وأخرى يتم تمثيلها بمساعدة الاتحاد السوفييتي ونقابات ما زالت على قطيعة مع العالم الاستعماري.

اتحاد نقابات العمال الفرنسية يستلم أمانة سر الاتحاد العالمي للنقابات العمالية ويبقى كذلك حتى عام 1979. أما اتحاد نقابات العمال الإيطالية فيستلم رئاسة الاتحاد حتى عام 1969. ويقوم الاتحاد في الفترة الأولى بتأسيس قطاعات عمالية أو ما يسمى بالاتحادات العالمية للقطاعات التي لا تمارس فعلياً أي نشاط نقابي، وقد اتسمت هذه المرحلة بمحاربة الامبريالية والكفاح من أجل السلام. وتكرس الاتحادات العالمية للقطاعات مجمل أنشطتها، تماماً كالاتحاد العالمي للنقابات العمالية، للدفاع عن الاتحاد السوفييتي الخاضع لتهديدات السياسات الامبريالية. وبناء أوروبا يؤخذ على أنه سلاح حرب ضد الحزب الاشتراك ليكرس الاتحاد بذلك جل طاقته للانسحاب من رتل القوى الرأسمالية. وفي نهاية 1950، يبدأ اتحاد النقابات العمالية الإايطالية نضاله من أجل أقلمة الأنشطة وتشكيل منظمات بحسب القارات، كالاتحاد العالمي للنقابات العمالية الحرة، وذلك بهدف إضفاء الصبغة المهنية للاتحادات العالمية للقطاعات وبهدف المحافظة أيضاً على استقلالية الاتحاد العالمي للنقابات العمالية الذي يقف في مواجهة الاتحاد السوفييتي.

لقد أحدث غزو تشيكوسلوفاكية عام 1968 زلزالاً داخل الاتحاد العالمي، وأدرك اتحاد نقابات العمال الفرنسية حينها قدرات وحدود الاتحاد العالمي، وبدأ إذن نضاله من أجل اصلاح المنظمة من داخلها. وفي مقابل بضع تغييرات تجميلية، نجح السوفييت في المحافظة على دعم المنظمة لهم دون حصول أدنى تغيير في مركزية براغ. والاتحاد العالمي للنقابات العمالية لم يعد ولن يكون يوماً منظمة نقابية عالمية، وإنما مجرد شكل رمزي يعبر عن مفهوم مستمد من الشيوعية العالمية القديمة التي تتحكم بها موسكو. وبحكم التسلسل المنطقي للأحداث، يبدأ الاتحاد بالانهيار في اللحظة التي يبدأ فيها عالم الاتحاد السوفييتي بالزوال. ولم ينج السوفييت، إلى اليوم، إلاّ بالاعتماد على قوى من العالم الماض (كوريا الشمالية، كوبا…)، هذه الدول التي انضم إليها نقابات عمالية من بعض الدول المنفتحة قليلاً من العالم الثالث (ليبيا، سوريا، السودان…).

54851_largeولكي نبقى في موضوع المنظمات العالمية، من الضروري التوقف عند مسيرة العمل النقابي المسيحي. فالاتحاد العالمي للنقابات العمالية المسيحية، الذي أعيد تأسيسه عام 1945، يعاني من تمركزه في الدول الأوروبية حيث توجد الكنيسة الكاثوليكية ونظام حكم متحرر نقابياً (وهذا ما يقصي اسبانيا والبرتغال). وقواه الأساسية تكمن في الاتحاد النقابي المسيحي البلجيكي والفرنسي، لكنه ومن بداية العام 1960، يشهد تراجعاً ملحوظاً ومن ثم يعود للانتعاش من جديد اعتباراً من عام 1979. وفي بداية هذه المرحلة، تمكن الاتحاد العالمي للنقابات العمالية المسيحية من التمدد في آسيا وأميركا اللاتينية حيث فتح لاهوت التحرير أمامه فضاءات للتطور والتقدم. كما أن السيطرة التي كان اتحاد العمال الأميركي والوكالات الحكومية في الولايات المتحدة الأميركية يحاولون فرضها على العمل النقابي في دول الجنوب المخنوقة من أنظمة الحكم الديكتاتوري، ساهمت أيضاً بتسهيل عملية التنمية والتطوير لدى المنظمة المسيحية.

نحو «عولمة العمل النقابي»؟

لقد أثبتت سنوات التسعينيات أن الاتحاد العالمي للنقابات العمالية الحرة آيلٌ للسقوط، والشعور بالخروج منتصرين في المواجهات مع الاتحاد العالمي للنقابات العمالية، على مدى خمسين عاماً، ليس إلاّ شعوراً عابراً.
المصدر:Les Cahiers d’Histoire Sociale

http://www.ihs.cgt.fr/IMG/pdf_Pages_de_CHS100_001-024.pdf

إعداد جون ماري بيرنو (Jean-Marie PERNOT)

ترجمة زويا منصور


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.