همس العجوز

- يمّي… فكرك بكون ميّت صحيح؟؟

نثرت سؤالها ملقيةً بنظرها نحو صورته المعلقة على الجدار الطيني حتى عبق فضاء العليّة بالحيرة.

لفّ ذراعه حول انحناء ظهرها، شبك أصابعه بيدها المعروقة، قادها إلى فراشها الذّابل، وهو يردّد:

- الله أعلم يا ستّي، الله أعلم.

حين انفضّوا من حولها، كان الظلام يرابط خلف نوافذ /الزّرقا /، يترصّد انهماك النهار بجمع حقائبه فيندلق في أزقة القرية، يدهم حيطان الغرفة ويختلط سواده بصواني القشّ الغافية فوقه فتبدو ألوانها كالحة مثل ليل شتائي، فيما سلاحف الوقت تقضم فيض انتظار يهمي من أهدابها الشفيفة:

- يمّي.. ذوق حبة زبيب ….. طيبين.

تسرّب صوتها في مسامات الغرفة يلملم سحب ذاكرته، يرتق خيطاً خفياً من إشفاق بدأ يهسهس في سراديب روحه:

- شو بدّك بالزّبيب يا ستّي؟ مين بدّو ياكل..؟؟؟

تباشير العتمة تسيل فوق جبينها بينما يغرق أدهم في تفاصيل حكايتها…

_ يا أم فايز .. الولد مات وشبع موت اطلبي له الرحمة..

- يا أم فايز .. عشرين سنة.. الشجر مات بالكروم يا عمتي .. وبعدك ناطرة فايز؟!

عشرون عاماً يذوي قلبها وتعبث الريح بأخبار غائبها، عشرون صباحاً تسبق خيوط الفجر هابطة الدرج الحجري نحو المضافة، ومثل نسمة تدفع الباب برقّة بالغة، تدحرج أطراف حلم أمامها، تتثاءب ركبتاها قرب فراشه المستسلم لرطوبة الحجر، تمدّ يدها لتوقظ دثارا ًيتكوم بعبث فوق الفراش، يلسعها عهد قديم …. فتتراجع:

“بس يرجع فايز .. بيطوي فرشتو ….”

تلملم العجوز زفراتها…. تنسل إلى ظلّ تينة يفترش صحن الدار …. وتطلق في إثره الحنين.

2006

بين شاهداتٍ ثلاث32

 

- يعني لو صرت دكتور .. مش أحسن لك؟؟ بس هذا إنت .. طول عمرك فاشل.

أشار إلى حجر أملس قريب .. قال:

_ قعود…. قعود…..

كانت ظباء الوقت تقفز حوله، غرس كوعيه في مخدّاته المطرّزة، وراحت يده تمسّد شارباً غليظاً أبيض وقد أطلق عينيه في فلاة الكرم، وبدت روحه مثل سراب ينتشر فوق داليات العنب.

عمّي سلمان كان الوحيد من إخوته الذي لم يمت بعد، ثلاثة أطباء، دفنهم كلهم بيديه، مدافن العائلة لم تعنِ له مرة شيئاً:

- أرضهن أدفا ……

هكذا اعتاد أن ينهي اعتراض الرجال.

مازحته:

- عمّي ….. يعني مهندس مش مليح ؟!

- مش دكتور….. يعني صرمايه. انتهينا.

وجهه مغضّن كالأرض المحروثة، ملامحه الخشنة … كفّاه السميكتان المشققتان.. كتفاه تحجبان الشمس، وكل ما فيه من قسوة، لم يمنعني مرة من فرض نفسي عليه في خلوته تلك. حالما أغرف فراغاً من الوقت، ألمّ قلبي وأطلق عنان سيارتي شرقاً، فيلوح لي من بعيد في جلسته وكأنه واحد من حجارة الكرم.

- عمّي… ليش صرمايه؟؟ صرت معمّر نص هالضيعة.

- ليش هذا عَمار أوادم يا ولد ؟؟!!  قوم .. قوم..  عمال كاسة شاي.

في قصره الحجري الذي بناه بيديه أقام معتزِلاً شؤون القرية، مع بزوغ الشمس يبدأ جولة الصباح على ديّارات العنب، يعتني بها …. يدلِّلها … يتفقد أغصانها النائمة في حضن الأرض، وقبل اكتمال الصبح، تتصاعد رائحة القهوة المرّة، يسكبها في المشرب الأصفر ويمضي إلى الزاوية الشرقية من الكرم، يهندس لفافة التبغ، يشعلها .. ثم يدور على شاهدات القبور الثلاثة، يمسحها … يتفحصها.. ينثر قلبه بينها، ينتقي مجلساً قريباً، وبهدوء يرشف قهوته وعبرات ناعمة تتدحرج على وجنتيه.

بالأمس .. همست لأمي:

- رايح لعند الختيار.

وجدته مستنداً على عصا المجرفة قرب حفرة كبيرة بحجم قامته، كان بارداً كالثلج.

24/3/2008

مهند الخالد من مجموعته القصصية ساعات الليل


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.