وقائع خلف أبله دستويفسكي


كثيراً ما نظر النقاد إلى دستويفسكي بانه عبقرية تنطوي على قدر كبير من السوداوية والقساوة، وانه موهبة مريضة تتناول الإنسان من جانبه المظلم ليس إلا، متناسين التجربة الحياتية التي عاشها دستويفسكي وعانى فيها من المرض بداء الصرع، إضافة إلى السجن والنفي إلى سيبيريا جراء انضمامه إلى جماعة بتراشيفيسكي المتحررة، ناهيك عن حادثة الإعدام التي عايشها والتي تم إلغاؤها في اللحظات الأخيرة من الحكم، لكننا لسنا بصدد سيرته الذاتية بقدر ما نحن أمام رواية أدبية أبدع فيها فيودور دستويفسكي، ألا وهي رواية الأبله. التي كتبها بشكل متسلسل في مجلة الرسول الروسي بين عامي 1868و1869
.

تتمحور الرواية حول شخصية الأمير مشكين الذي عاد من سويسرا إلى روسيا بعد شفائه من مرض الصرع، لينخرط في مجتمع مجزأ الى عالمين، عالم ناستاسيا فيليبوفنا المرأة الحسناء التي أحبها الأمير مشكين، وبارفيون روجويين الشاب الذي أحب ناستاسيا حباً ينتهي بقتله لها، وعالم عائلة الجنرال أيفان إيبانتشين وبناته الثلاث ألكسندرا وآدلائيد والفتاة الصغيرة أجلايا التي أحبها الأمير أيضاً، بالإضافة الى الكثير من الشخصيات التي لا تخلو من طابعها النفسي الفريد والنادر.

الشرارة الأولى لرواية الأبله بدأت حينما كان دستويفسكي في طريقه إلى جنيف، حيث توقف ليوم واحد في بازل رغبة منه لمشاهدة لوحة هانز هولبن الذي رسم “المسيح” بعد إنزاله عن الصليب، وعلى جسده و ملامح  وجهه علامات الشحوب، و آثار الجروح والعذاب الذي ناله قبيل موته، حيث كانت صدمته باللوحة قاسية إلى حد كبير ، فقد عالج هانز فكرة الموت في تلك اللوحة بشكل واقعي وصادم، بعيداً عن حالات الجمال والتأليه التي كان الفنانين يتبعونها أثناء رسمهم للمسيح، وهذا ما نجده في الحوار الذي جرى بين روجويين والأمير ،عندما صادفا نسخة متقنة للوحة هانز هولبن فوق باب إحدى الغرف في بيت روجويينfyodor-dostoyevsky

هذه اللوحة يمكن أن تفقد بعض الناس أيمانهم

ربما أراد دستويفسكي هنا أن يطرح أسئلته الوجودية دون الإجابة عنها، وهذا ما نكتشفه في نسيان روجويين سؤاله للأمير عن الأيمان بالله ومتابعته في الحديث عن اللوحة.

من الجدير بالذكر حينما نتناول هذه الرواية كموضوع أدبي، أن لا نغفل حقيقة أنها تتقاطع مع شخصية المؤلف في كثير من الجوانب، وأكثرها وضوحا حالة المرض التي كان يعانيها دستويفسكي، بالإضافة لتجربة الموت التي تطرق لها في أكثر من مكان.

بالنسبة للحالة المرضية كان دستويفسكي من الذين عانوا كثيراً من مرض الصرع ومن الجدير بالذكرإنه فقد أحد أبناءه جراء هذا المرض. كل هذا ساعد دستويفسكي إلى ذكر أدق التفاصيل التي تسبق النوبات وذلك ما نلاحظه في المونولوج الداخلي للأمير مشكين أثناء تجوله في أرجاء المدينة فاقداً إدراكه لجميع العلاقات الزمنية والمكانية

“يتضاعف إحساسه بالحياة ويشتد وعيه لذاته. إن الفكر والقلب يشرقان عندئذ بضياء ساطع فإذا باضطرابه وشكوكه تهدأ على الفور وتصير إلى نوع من طمأنينة عليا زاخرة بوعي لعلة العلل وغاية الغايات، غير إن تلك اللحظات أو تلك الومضات ليست إلا استشراقاً للهنيهة الأخيرة وللثانية الأخيرة التي تبدأ بها النوبة”

يقدم لنا دستويفسكي في شخصية الأمير نموذجاً وجودياً يتسم بالبساطة الفطرية والنقاء الطفولي والعفوية التي تقوده إلى الحرية المطلقة والخالية من القيود رغم إدراكه لحالة الضعف والتفكك التي يعانيها جراء المرض فشخصية الأمير عانت من زلازل نفسية هزت كيانه و ذاكرته لفترات طويلة كل ذلك أدى إلى تكوين شخصية أكثر حساسية اتجاه الأشياء والأحداث من أولئك المندفعين نحو الحياة بعقول سليمة إن جاز التعبير   وهذا ما نلتمسه في الكثير من عباراته :

“إن المرء يستطيع حتى في السجن أن يبني حياة عريضة واسعة”

أما بالنسبة لفكرة الموت فقد تناولها المؤلف بشكل متعدد، فتارة على لسان الأمير مشكين من خلال حواراته التي كان يجريها، وتارة من خلال الشخصيات الثانوية كشخصية هيبوليت المراهق والمصاب بمرض السل، في ذلك الوقت حيث خصص دستويفسكي العشرات من الصفحات في الرواية لرسالة هيبوليت التي عبرت إلى حد ما عن طريقة إدراك هذا الشاب للموت، الذي سيواجهه في نهاية هذا المرض

من ناحية أخرى نرى بأن الحرية الحقيقية لدى دستويفسكي، يتم إدراكها من خلال المواجهة الحتمية للموت، وهذا ما نراه جلياً في حديث الأمير مشكين مع الخادم الذي استقبله في بيت عائلة الجنرال حينما زارهم لأول مرة في بطرسبورغ، إذ أبدا رأيه اتجاه الحكم بالإعدام واللحظات التي تسبق الموت.

“إن أشد الآلام قوة هو يقين الإنسان بأنه على مقربة ساعة من موته، ومن ثم عشر دقائق ومن ثم نصف دقيقة ومن ثم فوراً، فحين يضع المرأ رأسه تحت تلك المقصلة البتارة، وحين يسمع صوت انزلاقها فوقه، في تلك اللحظة إنما يشعر بالخوف الأكبر”.

ويسترسل مشكين في حديثه ليجد القارئ، وكأنه أمام دستويفسكي نفسه الذي يلح على الضعف الانساني أمام فكرة دستويفسكيالموت، لا سيما وأنه عانى تجربة الإعدام التي ألغيت في اللحظات الأخيرة.

“إن صدور الحكم واستحالة الإفلات منه، هما اللذان يجعلان العذاب فظيعاً، لو أخذت جندياً إلى قلب المعركة ووضعته أمام فوهة المدفع، ثم أطلقت عليه النار، لظل يحتفظ بالأمل لآخر لحظة. أما إذا قرأت لهذا الجندي نفسه قراراً يحكم عليه بالموت المؤكد، فإنه سيفقد عقله أو سيجهش بالبكاء، من ذا الذي قرر بأن الطبيعة الإنسانية تستطيع أن تحتمل تعذيبا كهذا، دون أن تهوي إلى الجنون، حين نجد في هذا العالم إنساناً حكم عليه بالموت، ثم قيل له أخيراً (أذهب فقد صدر العفو عنك)، ففي وسعه أن يروي الكثير عن هذا الألم للآخرين، هذا الألم الذي تحدث عنه المسيح أيضاً”

أما عن الجانب الوجداني والعاطفي لشخصية الأمير مشكين، فهي اختلاط ما بين الشفقة والتعلق اتجاه ناستاسيا فيليبوفنا، التي آثر البقاء معها في كثير من المواقف رغم تخليها عنه أكثر من مرة، وهذا ما يذكرنا بالعبارة التي قالها روجويين للأمير مشكين: “لعل شفقتك أكبر من حبي”.

غير أنه كنّ الحب لأجلايا أيضاً، وهذا ما أدخله في صراع نفسي شديد حينما حدثت المواجهة بين ناستاسيا وأجلايا، وانتهى الموقف بخروج أجلايا مصعوقة عندما تردد الأمير في التخلي عن ناستاسيا لأجلها.139

تتصاعد الأحداث في الرواية بشكل تراجيدي بعد هروب ناستاسيا مع روجويين في ليلة زفافها من الأمير ، ليلحق الأمير بهما فلا يجدهما في بادئ الأمر، لكنه فيما بعد يلتقي بروجويين الذي اصطحبه إلى الغرفة التي قتلت فيها ناستاسيا فيليبوفنا، فيرقدان معا في تلك الليلة بأجواء لا تخلو من التفكك النفسي والعبثي المثير للتساؤل والدهشة،  فتجد روجويين يتحدث ببرودة أعصاب عن كمية الدم التي نزفتها ناستاسيا، وتارة تراه يضحك بصوت مرتفع لأنه تذكر حادثة ضرب الأمير مشكين لأحدهم بالسوط … ، لينتهي المشهد بأغماء روجويين و بنوبة شديدة أصابت الأمير لم يستطع بعدها الإفاقة مرة أخرى حيث انتهى به المطاف في معهد شنايدر الطبي في سويسرا، نتيجة جهود ومساعي أوجين بافلوفتش الذي ظهر بمظهر الصديق الحقيقي للأمير ولعائلة الجنرال .

في هذا النتاج الأدبي لدستويفسكي، نراه يفصل ما بين عناصر الرواية دون أن يؤثر أي عنصر على الآخر، فلا يشعر القارئ بانفصال تفاعل الشخصيات الرئيسية عن تفاعل الشخصيات الثانوية، التي تتواجد في أوقات غريبة وهي تروي قصصها المعزولة تماماً عن الأحداث الرئيسية، ليجد القارئ نفسه أمام حياة كاملة بالغة التعقيد، تسير في إطار فوضوي أخاذ .
ريناس سينو

أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.