الموقف العربي من الثورة السورية .. تحالفات العسكر

مع بدء ثورات الربيع العربي، في تونس ومصر وليبيا، قبيل خروج السوريين إلى الشوارع والساحات ضد النظام الحاكم في دمشق، لم تكن هناك خلافات كبيرة وتكتلات بين الدول العربية، مثل التي أحدثتها الثورة السورية. والواقع أن الملف السوري يعتبر العنوان الأبرز للانقسام في الجامعة العربية. ففي حين اتخذت دول عربية عدة موقف واضحة إلى جانب مأساة الشعب في سوريا ضد نظام بشار الأسد، بقيت دول أخرى تستمر في دعم جرائم النظام، من خلال مبررات سياسية، كفكرة المؤامرة ورفض التدخل الخارجي، وفي مقدمة هذه الدول الجزائر ومصر والسودان، وكذلك العراق التي تعيش هي الأخرى أزمات أمنية وسياسية واقتصادية لا تقل خطورة عن تلك التي تعانيها سوريا.
الموقف الجزائري
اتخذت الجزائر منذ البداية موقفاً داعماً للأنظمة في وجه الثورات العربية المطالبة بالتغيير، كان ذلك واضحا في تونس ولبيبا، في ظل حديث عن محاولات حثيثة بذلتها السلطات الجزائرية، بالتنسيق مع نظام معمر القذافي، لإجهاض الثورة التونسية قبل أن تتمكن من إنهاء حكم زين العابدين بن علي. الموقف الجزائري استمر في جميع مراحل ثورات الربيع العربي، وهو ما اعتُبر سياسية وقائية لحماية نظام الحكم في الجزائر، وهو نظام استبدادي معروف بتورطه في ملفات الأمن والجريمة والفساد. فالنظام الجزائري القائم على حكم الجنرالات في الجيش وأجهزة الاستخبارات، سيئة الصيت، على المستوى الحقوقي الدولي طوال التسعينات (1992 / 1999)، ارتكب مجازر ومذابح جماعية بحق المعارضين الاسلاميين والوطنيين، كما اتبع سياسة الاغتيالات المنظمة والاعتقالات العشوائية، وإقامة معسكرات اعتقال جماعية في الصحراء، شهدت تصفية عشرات الألوف من المعتقلين، حسب تقارير إعلامية.
ومع بدأ الثورة السورية بدأ النظام الجزائري يدافع عن روايات النظام السوري داخل أروقة الجامعة العربية، وعارضت قرارات العقوبات العربية وتجميد عضوية سوريا داخل الجامعة في نوفمبر العام 2011، حيث حاول وزير الخارجية الجزائري آنذاك مراد مدلسي، عرقلة القرار، وبعد فشله، قال إنه قرار غير شرعي، وهناك تصريحات أخرى للخارجية الجزائرية لا تقل عن تصريحات الأسد و وزير خارجية النظام، وليد المعلم، من حيث تزييف الواقع، كتلك التي تقول إن الاوضاع في سوريا شهدت تحسناً ملحوظاً، وإن السلطات السورية تواجه “عصابات مسلحة متطرفة”.
وسبق أن صرح عبد العزيز بلخادم، وزير الدولة الجزائري والأمين العام لحزب “جبهة التحرير الوطني” والممثل الشخصي للرئيس بوتفليقة، أن جامعة الدول العربية بحاجة إلى “إعادة نظر عميقة”، وانتقد موقفها من الملف السوري، وقال: “إن الجامعة لم تعد جامعة، وهي أبعد أن تكون عربية مثلما يدل اسمها”، زاعماً أن السوريين يتقاتلون، ويجب وضع حد لهذا وترك السوريين يقررون مستقبلهم، والنظام والحاكم الذي يريدون”. كما أشار إلى أن الجامعة العربية “تطلب من مجلس الأمن التدخل ضد أحد أعضائها المؤسسين أو الحلف الأطلسي لتدمير قدرات بلدان عربية”.142479091153431511931000
الموقف المصري
اتسم الموقف المصري بالصمت إزاء ما يحدث في سوريا، إلا أن نجاح المعارضة السورية في فرض أجندة الثورة على أروقة الجامعة العربية، ومن ثم على الساحة الدولية، أجبرت الخارجية المصرية على الخروج عن صمتها، حيث صدر الموقف المصري، الذي وصفه الكثيرون بالغامض، وتبلور بعد فترة طويلة من الصمت، برفض الحلول الأمنية، والتأكيد على ضرورة إيجاد مخرج سياسي يتأسس على حوار وطني يشمل جميع القوى السياسية، والتأكيد على رفض تدويل الأزمة. هو الموقف الذي اعتبره محللون الأضعف بين المواقف الإقليمية والدولية في حينه، إذ لم يخرج عن إطار رد فعل واثبات حضور وليس بداية لموقف مبنى على رؤية استراتيجية تتسق مع أهمية سوريا، لتصل بعض التحليلات إلى القول بأنه أقرب إلى الانحياز للنظام السوري.
الموقف المصري، الذي شهد تحولات عديدة من الأحداث في سوريا، ارتبط بتحولات الساحة الداخلية المصرية والدور المصري، عربياً واقليمياً، إلا أن وجهات تعتبر أن المجلس العسكري الذي كان له النفوذ الأكبر في رسم ملامح السياسة المصرية بعد الثورة لم يسطع الخروج من دوائر المفاهيم القومية الضيقة، إضافة لعدم الارتياح المصري للدور الخليجي المتنامي، وخاصة الدور القطري. وبحسب تسريبات إعلامية، فان “الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بذل جهوداً مضنية من أجل دعوة النظام السوري للمشاركة في القمة التي انعقدت مؤخراً في شرم الشيخ، إلا أن السعودية هي التي رفضت وطلبت عدم مشاركة أي وفد يمثل النظام السوري”.
إن المخاوف المصرية من التغيرات السياسية في المنطقة دفعت بحكم العسكر في مصر إلى تقبل استمرار حكم النظام السوري واعتبار أن الحل يجب أن يكون وفق حوار داخلي سوري يكون النظام جزءا أساسيا من مكوناته، هذا الموقف مبني على محاولات مصر إعادة رسم تحالفاتها الإقليمية الدولية. فمصر العسكر اقتربت أكثر من روسيا، وفي الوقت ذاته، يريد قادة الحكم العسكري تحجيم الدور التركي في المنطقة ما دفع البعض للقول إن مصر تقربت من إيران، لتجد نفسها محرجة أمام عاصفة الحزم الخليجية ومضطرة للتأييد، لتحافظ على حلفائها في الخليج العربي.ea9b73504c4ea867ddaa4f5897bfc535
موقف السودان
لم يخرج السودان عن إيقاع الأنظمة الشمولية في المنطقة التي أيدت النظام السوري، فمنذ البدايات صدرت تصريحات عديدة من الساسة السودانيين تعلن صراحة معارضتها لمواقف الجامعة العربية وترفض أي تدخل في الشأن السوري. فالرئيس السوداني، عمر حسن البشير، قال صراحة إن علاقته مع بشار الأسد علاقة قوية والحل في سوريا يجب أن يكون مبنياً على وقف القتال والحوار مع السلطة القادرة على إجراء الإصلاحات اللازمة.
لكن البشير نفسه عاد في تصريحات أخرى ليفجر ما اعتبر، آنذاك، قنبلة إعلامية، حيث دعا الرئيس السوري للاستفادة من “التجربة الديمقراطية في السودان”. وعد البعض هذا التصريح دليلاً على تحول الموقف السوداني، تماشياً مع الحلفاء الخليجيين، وتحديداً قطر، وحاجة نظام البشير إلى الدعم العربي أمام التحديات الكبيرة التي تواجهه، داخلياً وخارجياً. وبالرغم من ذلك فانه لم يطرأ أي تغير جوهري على موقف نظام البشير من الأحداث في سوريا. وفي هذا السياق، يمكن الاستشهاد بتصريحات نور مالك، أحد أعضاء لجنة المراقبة العربية، نشرت في آذار الفائت، كشف فيها عن وثيقة استخباراتية قال إنها تؤكد دعم الحكومة السودانية لنظام بشار الأسد، مؤكدا أن مدير الاستخبارات السودانية، أبلغ النظام السوري بأن موقف السودان “لا يمكن أن يؤذى (النظام) سوريا”.

خالد زياد


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.