تحالفات النظام الدولية.. أسباب ومبررات

ليس سراً أن الموقف الروسي – الصيني، الداعم للنظام السوري الحالي، شكل واحداً من أهم أسباب صمود الأخير أمام الثورة المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات. والواقع هناك رؤى ووجهات نظر عديدة تحاول الوقوف عند أسباب هذا الدعم، وتفيد أحد هذه التحليلات بأن سبب دعم موسكو وبكين لحكم الأسد هو كبح جماح الغرب في السّيطرة على غرب آسيا، بعد أن توسعت سيطرته في وسط آسيا خلال العقد الأخير بشكل متسارع (الباكستان، أفغانستان، جمهوريات الاتحاد السّوفيتي سابقاً). هذه السيطرة يمكن أن تشعل الداخل والمحيط الإيراني وبالتالي اشتعال وسط آسيا ووصول النيران لداخل حدود الصين وروسيا والهند، فإيران بحكومتها القوية المستقرة، تعد حليفاً استراتيجياً لكل من الصين وروسيا، ليس فقط لأنها “زبون” غني لبضائعها ومصدر مهم للطاقة عند الصينيين، بل أيضاً لأنها ضمان لاستقرار وسط آسيا.

وتعزو وجهات نظر أخرى أسباب تشكيل روسيا والصين تحالفاً داعم للنظام السوري إلى طبيعة الحكم الصيني والروسي، الذي ما زال بعيدا عن الديمقراطية الحقيقية. فالسلطتان الصينية والروسية غير قلقتين من الرأي العام الداخلي، كما أن وسائل الإعلام في الدولتين تحت السيطرة، حيث تقدم للشعوب هناك نسخة مترجمة عن إعلام النظام السوري، بما يضمن تحييد الرأي العام الداخلي.

الحليف الروسي0c1a6f238a9f9356493b1938

العلاقات الروسية مع النظام السوري ليست وليدة اللحظة، بل لها جذورها التاريخية ومبرراتها الجيوسياسية. ففي عهد حافظ الأسد، ترسخت العلاقات الاستراتيجية مع الاتحاد السوفياتي وذلك نتيجة الصراع الكبير بين المعسكرين الغربي والشرقي في سبعينات وثمانينات القرن الماضي. فنظام الأسد الذي قدم نفسه كـ”نظام خدمات” ضمن المنطقة، تلقى دعماً كبيراً من الحليف السوفياتي، الذي رأى في نظام حافظ الأسد عاملاً إقليمياً مهماً؛ يفيد ضمن رؤية الروس آنذاك للصراع مع الغرب والخرائط السياسية في الشرق الأوسط.

ومع انطلاق الثورة السورية في آذار العام 2011، لم تتردد روسيا في الوقوف إلى جانب النظام، رافضة أي محاولة جدية، عربية أو دولية، لحل سياسي في سوريا، يقود إلى تحقيق مطالب الثورة بالتغيير والديمقراطية. الحليف الروسي لم يكتف بالمواقف السياسية بل قدم الدعم العسكري والاقتصادي واللوجستي للنظام السوري الحالي. فعلى الصعيد العسكري، رصدت الكثير من التقارير والوثائق مدى ضخ روسيا للأسلحة الثقيلة من كي يستطيع النظام الصمود في وجه تقدم المعارضة على الأرض، والتي وصلت إلى محيط دمشق. هذا الدعم المستمر حتى اللحظة والذي تطور وفق متابعات وتقارير، إلى تدخل روسي مباشر في المعارك، يبدو أنه لم يستطع أن يجعل النظام يستعيد المبادرة و السيطرة على المناطق و هو ما جعل روسيا في موقف محرج أمام خصومها الدوليين.

أما على الصعيد السياسي، يكفي القول إن روسيا استخدمت حق النقض (الفيتو) أربع مرات، وذلك بهدف تعطيل قرارات أممية بشأن سوريا، غالبيتها تتعلق بالوضع الإنساني. فروسيا وقفت بقوة، سياسياً و دبلوماسياً، إلى جانب نظام الأسد في المحافل الدولية، وقامت بعدة محاولات لإعادة تعويم النظام، سواء من خلال دورها في جنيف، ثم مؤتمرات موسكو، واختراع ما سمي بمعارضة الداخل، والمعارضة الوطنية في مراحل لاحقة. هذه المعارضات تقبل الحوار مع النظام ويمكن أن تقبل بشخص بشار الأسد (وفق تصريحات مسؤولين روس)، أمام تحالف دولي آخر يسعى لحل سياسي لكن من دون الأسد.

يعتبر بعض المحليين أن النجاح الروسي في “إطالة امد الأزمة وبقاء النظام”، يعود إلى غياب إرادة دولية تسعى لإيجاد حل سياسي جذري في سوريا، ملمحين إلى أن الأمريكيين، تحديدا، قبلوا بتسليم الملف السوري إلى الروس مؤقتاً، لأسباب عديدة منها عدم وجود رؤية أمريكية واضحة لسبل الحل في سوريا، والتوافق الأمريكي – الروسي على حلول تقسيمية في الداخل السوري “كسبيل وحيد للخروج من الأزمة”، إضافة إلى أن الأمريكيين بإمكانهم تحميل الروس المسؤولية الكاملة عن الفشل في إيجاد مخرج سياسي للملف السوري عندما تنضج الظروف.

وتفيد تقارير صحفية غربية بأن دوافع روسيا لدعم بشار الأسد، تكمن في مخاوف روسية متعلقة بصراعاتها مع الغرب في مناطق حيوية، تتلخص في ثلاثة مخاوف أضعفهم شديد القسوة، ولعل أولها الآثار البغيضة التي ستنتج عن الدعم التقليدي لسوريا، وثانيا نتاج المخاوف المحلية من نشوب ثورات شعبية في روسيا وتغيير النظام واندلاع ثورة إسلامية في شمال القوقاز. في الوقت نفسه، ترى مثل هذه التقارير أن هذه المخاوف ستدفع في لحظات ما نحو تحولات حقيقية في الموقف الروسي تجاه الملف السوري.

الدور الصيني

الصين هي ثاني أهم الحلفاء الدوليين للنظام السوري، بعد روسيا. وبالرغم من أن معظم التحليلات تذهب إلى أن الصين ليس لها مصالح استراتيجية في سوريا، يرى بعض المراقبين أن الموقف الصيني في التحالف مع روسيا لدعم الأسد، انطلق من تعاظم الاختلاف مع الولايات المتحدة حول معظم السياسات المرتبطة بالشرق الأوسط، المنطقة التي تريد فيها الصين نفوذا أكبر، نظرا لحاجتها المتزايدة لمصادر الطاقة، إضافة إلى أسواق كبيرة لتصريف منتجات سوقها الضخم والمتصاعد.

لكن الجديد في موقف الصين، تجاه الوضع في سوريا، حسب رؤى مقابلة، تتعدى حدود الاختلاف مع سياسات الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، ووصل حد التصادم والمواجهة السياسية، في سابقة تعد الأولى من نوعها في هذه المنطقة. ويساهم تدخل الصين في واقع توازنات معادلة القوى في الشرق الأوسط إلى جانب كل من روسيا وإيران في مواجهة الولايات المتحدة والدول الغربية، في إحداث تطور جديد على تلك المعادلة، خصوصاً في ظل تصـــاعد أزمات المنطـقة.

ولجأت الصين إلى “الفيتو” أربع مرات، لإحباط صدور قرارات مدعومة من الغرب في مجلس الأمن، اثنان منها دعيا إلى تنحي بشار الأسد، والثالث طالب بتطبيق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة على النظام السوري، الذي ينص على فرض عقوبات، والرابع سعى إلى إحالة الملف السوري لمحكمة الجنايات الدولية، فعارضت الصين أي تدخّل عسكري في سوريا، حتى بهدف محاربة التنظيمات الإرهابية. علماً أن الصين تعد الدولة التي لم تستخدم هذا الحق إلا نادراً، من بين الدول دائمة العضوية في المجلس، كما أنها لم تلجأ إلى استخدامه لتقويض إصدار قرارين مشابهين وجها ضد النظام الليبي في عهد الرئيس السابق (معمر القذافي) في عهد الثورة الليبية، رغم اعتراضها على صدورهما. وهو ما يؤشر إلى إعادة صياغة الموقف الصيني للدور والنفوذ في الشرق الأوسط.

هناك وجهة نظر أخرى تقول إن مصلحة الصين الرئيسية في سوريا تأتي من منظور استراتيجي، فسوريا نقطة حيوية في الجغرافية السياسية المرتبطة باقتصادات العالم الكبرى، وبالتالي فان انهيار النظام السوري من شأنه أن يفقد الصين حليفها الوحيد في منطقة الشرق الأوسط؛ المقبلة على تغيرات جيوسياسية ضخمة وشديدة التعقيد.

الحلف الروسي – الصيني، إن صح التعبير، الداعم للنظام في سوريا، إلى جانب إيران كلاعب إقليمي أساسي يمتلك أغلب مفاتيح الأرض في الدخل السوري، يبحث عن مصالح استراتيجية لا تتعلق بشخص الأسد، الأمر الذي يقود إلى هذا التحالف، وهو تحالف بين هذه الدول، وليس مع النظام الذي استفاد من التحالف كـ”نظام خدمات”، يسعى من خلال تغير خرائط المصالح ولنفوذ في المنطقة إعادة انتاج نفسه أمام المجتمع الدولي.

إلى جانب روسيا والصين وإيران، وجد الأسد كثير من الأنظمة المشابهة، مثل فنزويلا التي لم تجد حرجاً في تقديم العون المادي والاقتصادي للنظام. كما إن نظرة سريعة على خريطة التحالفات، تفيد بأن الدول التي دعمت الأسد هي (بوليفيا/ كوبا/ فنزويلا/ سورينام/ سيرلانكا/ كوريا الشمالية/، وجمعيها تتخوف من أفكار التغيير والديمقراطية.

فريق تحرير ضوضاء


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.