كان سلاحي قلم والآن أصبح بندقية

يقف الأستاذ عصام (45عاماً) في ركن من أركان السوق ينادي على بضائعه، وهي عبارة عن قليل من الألبسة، وآثار التعب بادية على وجهه.

الأستاذ عصام من قرية معرشمارين في ريف إدلب الشرقي، تخرج من جامعة حلب عام 1990 مدرساً لمادة الرياضيات، فُصل من وظيفته من قبل النظام الأسدي، بعد خمسٍ وعشرين عاماً من التدريس، بكل إخلاص وتفان، أسمر طويل القامة، ذو شخصية محببة، وهو أب لثمانية أبناء، خمس بنات وثلاثة صبيان.

يقول الأستاذ عصام: “أحب مهنة التدريس، وكنت أمارسها بشغف، كان طلابي يطلقون عليّ اسم عطية، لكثرة إعطائي للدروس”، ويضيف الأستاذ عصام أنه كان يذهب لدوامه باكراً، ويعطي دروساً مجانية للطلاب الضعفاء في المادة، وذلك أيام العطل الاسبوعية، لكنه فوجئ منذ سنة تقريباً أن اسمه بين أسماء المفصولين من التعليم.

ويؤكد الأستاذ عصام: “كان حزني شديداً، لأن التدريس كل حياتي، والراتب الذي أتقاضاه بالكاد يساعدني على تحمل أعباء الحياة، خاصة بعد ارتفاع الأسعار الجنوني وبقاء الراتب على حاله، لكنني كنت أقول دائماً الحمد لله، راتب قليل

أفضل من لا شيء، على قول المثل ساقية جارية أحسن من نهر مقطوع “.

ويوضح الأستاذ عصام سبب فصله من وظيفته، قائلاً: “تم فصلي مع بعض المدرسين من زملائي، وكل ذنبنا أننا خرجنا في المظاهرات التي خرجت في قرى الريف الشرقي، كانت مظاهراتٍ سلمية نحمل في أيدينا أغصان الزيتون، نعم خرجت مع المتظاهرين لأنني شعرت أنها ثورة حق لاستعادة حريتنا وكرامتنا المسلوبة، أردنا فقط أن نقول لا للظلم والطغيان، شعرت أن هذه الثورة تمثل مصرع الباطل على يد الحق، فخرجت لأضم صوتي إلى أصوات أهالي القرية، ونرفع أيدينا عالياً لنحقق بعض مطالبنا”.

وعن هذه المطالب يقول الأستاذ عصام: “هي مطالب بسيطة ومحقة نستعيد من خلالها إنسانيتنا وحريتنا وكرامتنا، لكننا

لم نجد إلا القمع والقتل لكبتنا وإسكات صوتنا ومحو شخصيتنا، كأننا لسنا أكثر من غبار في مهب الريح، وفريسة ضعيفة لن تستطيع أن تقف في وجه وحش كاسر، وهذا ما زادنا إصراراً ونضالاً وعزيمة، للسعي لإكمال ثورتنا حتى الشهادة أو النصر”.

ويصمت الأستاذ عصام قليلاً، ثم يتابع أنه وجد نفسه بلا عمل وهو معيل لأسرة كبيرة، مؤلفة من زوجة وثمانية أبناء، لذلك لم يكن يستطيع أن يقف مكتوف الأيدي، فاتجه لبيع الملابس في الأسواق من الصباح الباكر حتى الظهيرة، وبعد الظهر يبيع الأستاذ عصام المازوت والبنزين في الشارع، وهكذا بالكاد كان يسد رمق أولاده ويلبي بعضاً من حاجاتهم الملحة.

لم تقف المأساة عند هذا الحد فقط، حسب الأستاذ عصام، بل كان لمنزله نصيب من القذائف والرصاص، الذي كان ينهال على القرية والقرى المجاورة، من حاجز وادي الضيف القريب من قريتهم، ويبعد عن منزل الأستاذ عصام تحديداً 3 كم تقريباً، الأمر الذي أدى إلى احتراق نصف بيته وإصابة ولده عمار (11عاماً)، وذلك يوم 19 تشرين الثاني 2014، حيث دخلت شظية في قدم عمار، وقام الأطباء ببتر قدمه، ما زاد “معاناتي ومأساتي واسوداد الدنيا في عيني، كان عمار

يركض ويلعب مقبلاً على الحياة ببراءة الطفولة، وهاهو الآن يجلس على كرسي متحرك، ينظر إلى الأطفال وهم يركضون ويلعبون، إنه بحاجة إلى قدم اصطناعية، ولا يتوافر لدي تكاليفها، وهذا ما دفعني لحمل السلاح، وقتال هذا النظام المجرم الذي حول حياتنا إلى جحيم”.

يقول مدير مدرسة معرشمارين الأستاذ عبد الحكيم (52عاماً) متحدثاً عن الأستاذ عصام: “كان من أكفأ الأساتذة في المدرسة، يعطي بكل جد وصدق ولا يعرف التقاعس أو الملل، كان أباً حنوناً لجميع الطلاب، يفتح صدره لهم ولا يغضبIMG-20150601-WA0009

من أسئلتهم واستفساراتهم في أي وقت كان، ويضيف الأستاذ عبد الحكيم أنه كان محط إعجاب وتقدير واحترام جميع المدرسين والأهالي، ويتابع: “خسرته المدرسة وخسره الطلاب كما خسرته الأجيال القادمة، لأنه يوصل الفكرة إلى ذهن الطالب بطريقة محببة وبيسر وسهولة، وأمثلة من واقع حياتنا يقنع بها طلابه بالمادة، كان معظم الطلاب سابقاً يستصعبون مادة الرياضيات ويكرهونها، لكن بجهود هذا المدرس وطريقته المثالية، أقبل الطلاب على دراسة هذه المادة وأحبوها وتعلقوا بها”.

ويؤكد الأستاذ عبد الحكيم أنه: “منذ سنة تقريباً تفاجأنا جميعاً بقائمة صدرت عن وزارة التربية، وصلت إلى المدرسة وفيها عدد من المعلمين تم فصلهم من وظائفهم، شعرنا أن الانتقاء كان عشوائياً، وكان هناك قائمة جديدة يتم تجهيزها بعد، وسوف تصدر قريباً، وكان بينهم الأستاذ عصام، وهو لا يزال في ريعان عطائه وكفاءته”.

بينما يتحدث الطالب أحمد الأحمد (15عاماً) الطالب في الصف التاسع، عن الأستاذ عصام، قائلاً: “كان الأستاذ عصام يعلمنا بكل إخلاص ويربينا ويعلمنا الأخلاق الفاضلة، ويحاول أن يغرس فينا حب الوطن وضرورة الدفاع عنه، كان معلماً ومربياً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، أنا وجميع زملائي نحبه ونحترمه ونكره هذا النظام الغاشم الذي جعله يتركنا”.

“لن نخاف بعد اليوم! سوف نقول كلمتنا وسنوصلها إلى مسامع البشر في كل أصقاع الأرض، كان سلاحي قلم والآن بندقية، وأنا أقاتل مع الثوار، سنثأر للأطفال والشيوخ والأرامل والثكالى ولعمار الصغير، لن أتراجع حتى ينصرنا

الله فيزال هذا النظام المجرم، وأعود إلى طلابي وعطائي أو أموت دون ذلك”، بهذه الكلمات أنهى الأستاذ عصام حديثه.

هاديا المنصور


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.