أزمة الحبوب وسياسة التجويع النظام يهدي قمح الحسكة للساحل ويعقد صفقات حبوب بأموال مجمدة

يعرف القطاع الخاص الزراعي بأنه ذاك القطاع الذي يشمل المشروعات الزراعية، بشقيها النباتي والحيواني، وشركات تجارة وتصنيع مستلزمات الإنتاج الزراعي وشركات تسويق المنتجات الزراعية، وشركات التصنيع الزراعي. في حين يعرف القطاع الزراعي التعاوني بأنه مجموعة الجمعيات التي يتحد بها المزارعون فيما بينهم من أجل التغلب على المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تعترضهم من حيث توفير مستلزمات الإنتاج المختلفة وخفض تكاليفه، وتسويق المنتجات الزراعية وتأدية بعض الخدمات الاجتماعية وفقاً للمبادئ التعاونية.

في العام 1958، أصدرَ رئيس الجمهورية العربية المتحدة جمال عبد الناصر القانون رقم /129/، الناظم لعمل الغرف الزراعية، والذي عرّف الغرف الزراعية بأنها “مؤسسات خاصة ذات نفع عام وشخصية اعتبارية هدفها خدمة المزارعين وتقديم العون لهم في أعمالهم الزراعية”، كما حدد القانون مهام وأهداف الغرف الزراعية التي تصب بمجملها في خدمة المزارعين. وبدأت الغرف الزراعية تمارس نشاطاتها في خدمة المزارعين. أما حافظ الأسد فأحدث الاتحاد العام للفلاحين عام 1974 (والذي ضم تحت مظلته كافة الجمعيات الفلاحية التعاونية)، وجعل رئيس الاتحاد عضواً دائماً فيما يسمى القيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية.12-13أزمة الحبوب وسياسة التجويع (3)

تعتبر المحافظات الشرقية (الحسكة – الرقة – دير الزور)، الأكبر إنتاجاً للمحاصيل الاستراتيجية. ولعل الأسد الأب كان يهدف إلى ربط جماهير الفلاحين بنظامه عبر ربطهم بهذا الاتحاد الذي جعله سيفاً مسلطاً على رقاب الفلاحين، وأمسك هذا الاتحاد بمفاصل الزراعة التعاونية في سوريا من تأمين مستلزمات الإنتاج من بذار وأسمدة ومبيدات انتهاءً بتسويق المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والقطن والشوندر السكري والشعير لصالح الدولة (لاحقاً تم إلغاء تسويق الشعير عبر الدولة)، وحتى تربية أغنام (العواس) وتصديرها تم ربطها بالجمعيات الفلاحية التعاونية، التابعة للاتحاد العام للفلاحين. ومن أبرز المحاصيل الاستراتيجية التي يجبر النظام على الفلاحين توريدها للمؤسسات الحكومة هي القمح والقطن وفي فترة من الفترات كان الشعير أيضاً، وفي حال بيع هذه المواد بعيداً عن مؤسسات الدولة، فإن الدولة كانت تغرم المزارع بمبالغ مالية كبيرة.

تجفيف سهل الغاب.. نتائج مدمرة

برزت فكرة تجفيف الغاب في العهد الروماني حين تم تحويل مجرى نهر العاصي في القسم الأسفل من الغاب بفتح قناة مستقيمة شمال القرقور بطول 1100 متر. لكن الفكرة لم تنفذ كلياً، وبرزت من جديد خلال حكم السلطان عبد الحميد أواخر العهد العثماني، لكنها أيضاً لم تكتمل، إلى أن تم استحداث مؤسسة لإدارة مشروع الغاب عام 1951، بعد حصول سوريا على استقلالها. وفي نيسان 1952، قامت مؤسسة إدارة مشروع الغاب بإجراء الدراسات اللازمة لتجفيف مستنقع الغاب. وبنتيجة هذه الدراسات تم استكمال كسر العتبة البازلتية في القسم الأسفل من الغاب عام 1956، بعرض 11 ـ 30 متراً وعمق 4 ـ 6 أمتار، وتم تصريف المياه تماماً عام 1958. فتحول مستنقع الغاب إلى سهل خصب تم توزيع أراضيه لاحقاً على الفلاحين عام 1969 بموجب قانون الإصلاح الزراعي.

النتائج الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة لتجفيف مستنقع الغاب، لم تمنع حدوث انخفاض كبير في الرطوبة النسبية في وسط البلاد نتيجة انخفاض معدل التبخر، الأمر الذي جعل مناخ المنطقة شبه جاف صيفاً. كما أدّى التجفيف إلى تراجع تغذية الطبقة العليا من المياه الجوفية الصالحة للزراعة والشرب التي تمتد على عمق 50 ـ 70 متراً عن سطح الأرض، وتحتها طبقة المياه الجوفية الغنية بالمياه الكبريتية. وقد امتد هذا التأثير على مساحة تصل إلى 100 كيلومتر شرقاً ولأكثر من 125 كيلومتراً جنوباً وشمالاً، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف مساحة السهل (425 ألف هكتار).

خلال المراحل الأولى من تنفيذ المشروع ظهرت آثار تجفيف المستنقع، حيث تراجع هطول الأمطار اعتباراً من منتصف الخمسينيات وتوالت في المناطق الوسطى والشرقية من البلاد وعمّ الجفاف، ما أدى إلى القحط وعدم نمو المحاصيل البعلية من قمح وشعير، وعدم تجدد النباتات الرعوية السنوية، فانعكس ذلك على الثروة الحيوانية.

ما حدث فعلاً في الغاب، هو أنه انتشر تملّح الأراضي نتيجة قلة مياه الري وضعف تصريفها وارتفاع درجات الحرارة، وهذا ما أدى إلى صعود الأملاح وتركزها في الطبقة السطحية من التربة بسبب التبخر والخاصية الشَعْرية. وفي دراسة نُشرت عام 2012، بيّن باحثون من جامعة تشرين والهيئة العامة للبحوث الزراعية أن العجز المائي الحالي في الموازنة المائيـة لـ “سهل الغاب”، يبلغ 137 مليون متر مكعب في السنة، وهـو ناتج عن خفض تدفق نهـر العاصي إلى النصف نتيجة بناء السدود عليه، إلى جانب تغيير الخواص المائية والبيئيـة لحوض العاصي بفعل تجفيف “مستنقع الغاب” ومشاريع الري التي تبعته.

واقع اليوم.. أزمات الحبوب وسياسة التجويع

بدلاً من أن يساهم تدهور الاقتصاد في إسقاط نظام بشار الأسد في سوريا، حسب وجهة نظر كثير من المعارضين السوريين، والمتابعين للشأن، استغل الأسد سلاح الأزمات المعيشية لإرهاق الشعب، فنشر الفقر والمرض والخراب، ودمر البنية الصناعية والزراعية والتحتية، ليطيل عمر نظامه. واستخدم حرب التجويع لإحباط السوريين، فحول نصف شعبه ما دون خط الفقر وأدخل 60% منه إلى دائرة البطالة، وتزايدت معاناة الشعب في ظل الصمت الدولي على جرائم الأسد، واضطر ملايين السوريين للهجرة، وتعرض الآلاف للموت غرقاً في البحر المتوسط، بعد أن ضاقت بهم بلاد الجوار و”الأشقاء”.12-13أزمة الحبوب وسياسة التجويع (2)

تبدلت سوريا التي كانت تصدّر وتخزن خمسة ملايين طن من القمح سابقاً، فانتقلت إلى المجاعة واستيراد القمح وندرته. إذ لم تزد التوقعات عن إنتاج 1.7 مليون طن من القمح لهذا الموسم، إثر تراجع المساحات المزروعة من1.7 إلى 1.2 مليون هكتار، أي بانخفاض اقترب من 30%. ويأتي تراجع المحصول، بسبب الجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج، مع الحرب الدائرة منذ نحو ثلاثة أعوام. ويعتبر حجم محصول القمح هذا العام، الأسوأ منذ 40 عاماً. يذكر أن سورية كانت تنتج نحو 3.5 مليون طن قبل عام 2011 توزع نحو 2.5 مليون طن منها على المخابز وتعزيز “احتياطها الاستراتيجي”، لكن نسبة المخزون تراجعت إلى نحو 10% عما كانت عليه قبل الثورة، بحسب تصريح لوزير الزراعة في حكومة النظام، وليد الزعبي.

وتشير منظمة “الفاو” إلى أن سوريا استوردت 1.3 مليون طن من الحبوب، من بينها 890 ألف طن من القمح، بين تموز 2013 وشباط 2014. في حين تقول المؤسسة العامة لتجارة وتصنيع الحبوب السورية إن “صفقات استيراد القمح ارتفعت من 550 ألف طن عام 2012 إلى 2.3 مليون طن عام 2013، وجل المستوردات جاءت من دول في منطقة البحر الأسود.

صفقات حبوب بأموال مجمدة

تحت ضغط الحرب والأزمة الإنسانية المتفاقمة، يحاول النظام السوري الاستفادة من أموال مجمدة في حسابات مصرفية خارجية لتغطية مشترياتها من المواد الغذائية بما في ذلك القمح. وسوريا مقبلة بسبب الحرب على أسوأ حصاد للقمح منذ ما يقرب من ثلاثة عقود رغم خطة بشار الأسد لتحقيق الاكتفاء الذاتي في المواد الغذائية بهدف تفادي أثر التحركات الغربية لعزل حكومته وإضعافها من خلال العقوبات. وانخفضت احتياطات النقد الأجنبي بشدة بعد أن كانت تقدر قبل الحرب بما بين 16 و18 مليار دولار.

وفي فترة ما بعد “الثورة”، أصدرت مؤسسات سورية سلسلة من المناقصات لشراء قمح وسكر وأرز بكميات كبيرة. وأظهرت وثائق أن من شروط المناقصات أن يتم السداد من حسابات مجمدة عبر استثناءات من الدول التي فرضت العقوبات المالية. الهدف من هذه الصفقات، حسب العديد من المصادر التجارية، كان لاستغلال الحسابات المصرفية المجمدة، وأوضحت المصادر التجارية أن بعض الحسابات المصرفية المجمدة موجودة في دول أوروبية من بينها فرنسا وايطاليا. علماً أن المواد الغذائية ليست خاضعة للعقوبات الدولية، لكن عقوبات مصرفية وقرارات بتجميد أرصدة وأصول من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلى جانب الحرب، خلق مناخاً جعل من الصعب على بعض الشركات التجارية أن تبرم صفقات مع دمشق.

وقال الناطق باسم وزيرة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كاثرين اشتون، في تصريح سابق لها، عَقب الأحداث السورية “التجارة في السلع الإنسانية مثل الدواء والغذاء والسلع الغذائية مع سوريا ليست ممنوعة ولا توجد قيود على مدفوعات هذه الصفقات. ومن الواضح أن أي صفقات يجب أن تحترم كل البنود الأخرى للعقوبات”. وأضاف أن أحد البنود التي تنظم التعامل مع سوريا لدى الاتحاد الأوروبي يقضي بأنه “يجوز الإفراج عن أرصدة أو موارد اقتصادية مجمدة إذا اقتضت الضرورة لأغراض إنسانية”. ويقتضي ذلك الحصول على إذن من السلطات في البلد الذي يقع فيه البنك.

قمح الحسكة في الساحل السوري

وفقاً للمعلومات المسربة من بعض النشطاء على الأرض فإن اتفاقاً تم خلال الفترات الماضية بين تنظيم “الدولة الإسلامية” وبين نظام الأسد لتأمين عبور شاحنات حبوب من مناطق سيطرة قوات النظام بالحسكة نحو محافظة طرطوس مروراً بالمناطق المسيطر عليها من قبل التنظيم، حيث تم رصد مرور ما يقارب 300 قاطرة مقطورة محملة بمادة القمح خلال آذار الفائت، قادمة من محافظة الحسكة، حيثُ دخلت محافظة الرقة لتتجه بعد ذلك الى مطحنة الرشيد بالرقة حيث يتم وزنها لاقتطاع النسبة المتفق عليها ما بين النظام والتنظيم وهي 25% من حمولة كل قاطرة، وتستطيع القاطرة المقطورة الواحد حمل قرابة 50 طن من القمح وبالتالي فان إجمالي الحبوب التي مرت ما يقارب 15000 طن من مادة القمح حصة التنظيم منها 3750 طن من القمح، وبعد عمليات الوزن والتفريغ توجهت تلك القاطرات الى ريف حمص الشرقي ومن ثم تتوجه منه الى الساحل السوري، وتحديداً مدينة طرطوس. وتشهد محافظة الرقة حالياً إفراغ لصوامع الحبوب الواقعة بالمنطقة الشمالية بالكامل والتي تحوي آلاف الأطنان من القمح حيث يتم نقل القمح ليلاً من صوامع الحبوب والبالغ عددها أكثر من 10 صوامع بالمنطقة الشمالية الى مركز مدينة الرقة والوحدة الأساسية للتخزين بالرقة المدينة.

وخلال مواسم الحصاد الماضية ترك التنظيم المزارعين يبيعون محاصيلهم في مناطق سيطرة النظام لُيرجح وجود اتفاق بهذا الموضوع ما بين الطرفين، حيث سهل الأخير بيع تلك المحاصيل من قطن وذرة صفراء ومحاصيل زراعية أخرى إلى مناطق سيطرة النظام التي استقبلت تلك الشاحنات من خلال عمل الوحدة الإرشادية التي لا يزال قسم من العاملين بها يعملوا على تنظيم الدورات الزراعية وتسويق الإنتاج وكذلك عمليات الري عن طريق المؤسسة العامة للري.12-13أزمة الحبوب وسياسة التجويع (1)

المحاصيل الزراعية.. احدى ضحايا النظام

لم تسلم الأراضي الزراعية في سوريا من ويلات هذه الحرب. ومن الحرب المنظمة التي يقودها النظام على الأراضي الزراعية المثمرة، خاصة تلك الواقعة في المناطق الخارجة عن سيطرتها؛ بهدف مضاعفة معاناة سكانها، ومعاقبتهم على ما تعتبره احتضانهم للمسلحين المعارضين للنظام. وخلال الفترة الأخيرة، أحرقت قوات النظام مئات الهكتارات من الأراضي الزراعية في ريف حماة الشمالي، حيث كان أصحابها يستعدون لحصاد محاصيلهم فيها. وقال ناشطون إن قوات النظام أحرقت جميع المحاصيل الزراعية المحيطة بحواجزها في قرى ريف حماة، ومزرعتي المصاصنة وزور الحيصة، وهي مناطق تقع على خطّ التماس مع فصائل المعارضة في مدينة اللطامنة المجاورة. كما عمدت قوات النظام إلى حرق المحاصيل الزراعية في الأراضي البعيدة عن حواجزها، عبر القصف الجوي والمدفعي والصاروخي، وهو ما يدمر مصدر الرزق الوحيد للأهالي، بعد توقف معظم الموارد الأخرى.

وفي ريف محافظة درعا، تتعمد قوات النظام إحراق الأراضي الزراعية بالقصف المدفعي والصاروخي، خاصة مع اقتراب موسم حصاد محصول القمح. وقالت وكالة أنباء “نبأ”، إن قوات النظام كثفت في الآونة الأخيرة قصفها للأراضي الزراعية المحيطة بمدينة درعا؛ ما أدى إلى احتراق مساحات واسعة من محاصيل القمح، إذ تكون المحاصيل عرضة للاشتعال السريع إذا ما تعرضت لأي شرارة.

وفي اللاذقية، أكدت مصادر محلية أن نسبة الأضرار التي لحقت بالأراضي الزراعية في ريف اللاذقية؛ بسبب قصف قوات النظام المتواصل، وصلت إلى 80 بالمائة. وقال المجلس المحلي في المدينة على صفحته في موقع “فيس بوك”، إن قرى ريف اللاذقية الخاضعة لسيطرة المعارضة، تتعرض لقصف يومي عشوائي من قبل قوات النظام؛ ما دفع معظم المزارعين إلى هجر أراضيهم والنزوح من المنطقة. ولفت المصدر إلى أن الصواريخ الفراغية هي التي تسبب الضرر الأكبر؛ إذ يستطيع الواحد منها اقتلاع وحرق أكثر من 80 شجرة، في حين يلحق البرميل المتفجر الضرر بنحو 40 شجرة.

قطع الأشجار في الجزيرة

دأبَ النظام السوري ومنذ بداية تسلمه زمام حكم البلاد، إلى ممارسة سياسة منظمة ضد سكان منطقة الجزيرة، وطال ذلك حتى الأشجار، حيثُ كان ممنوعاً أن تقوم بزرع أي شجرة دون أخذ موافقة من الأفرع الأمنية، بهدف إبقاء المنطقة في حالة تصحر، وتسخيرها لزراعة القمح والقطن، الأمر الذي يؤدي إلى استهلاك كميات كبيرة من المياه الجوفية، دون أن يتم تعويض تلك المياه. بالإضافة إلى إزالة مساحات شجرية كبيرة كانت على الحدود السورية التركية، باتفاق مع الدولة التركية بحجة تأمين الحدود حينها.

احتياجات الناس

الواقع يعاني سكان سوريا من أزمة الحصول على مادة الخبز، وهو الغذاء الرئيسي. حيث ارتفع سعر الخبز بشكل كبير، وهو يختلف من منطقة لأخرى، ما جعل الحصول عليه مكلفاً للغاية بالنسبة للكثير من الأسر. وهذا هو السبب الذي دفع الكثير من المنظمات الإنسانية غير الحكومية، إلى مساعدة عشرات آلاف السوريين للحصول على الخبز مجاناً بشكلٍ يومي، ولكن هذه الأرقام لا تشكل شيئاً أمام الأزمة التي تطيح بالبلاد والتي شردت ملايين الناس، موضوع توفير متطلبات السوريين في ظل الحرب المستمرة والمستعرة، يحتاج تكاتفاً دولياً وجهود كبيرة على مستوى المنظمات والدول.

مجيد محمد


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.