كزهر الكرز أو أرهف.. قصيدة الهايكو ضيف جديد على قائمة الشعر العربي

احتلت قصيدة الهايكو باللغة العربية مؤخراً مكانة لا بأس بها، واتجه عدد من الشعراء والكتاب العرب نحوها، مستطلعين إمكاناتها وطاقتها التعبيرية، وصلت تجارب البعض حداً من الحرفية والاحتراف، بينما لا يزال كثيرون يتدربون، ويطوعون لغتهم لاستثمارها في هذا النوع الشعري، القائم على الصورة والتماهي مع الطبيعة، واللغة الموجزة الشفافة البعيدة عن السرد.

وللحديث عن تجربة الهايكو في اللغة العربية وتعريف هذا الفن، التقت “ضوضاء” الشاعر والهايكست السوري الدكتور “رامز طويلة”، طبيب الأسنان مؤسس ومدير مجموعة شعر الهايكو.174086

*بداية، هلا عرفتنا أكثر على الدكتور رامز طويلة، وبداية علاقتك بالهايكو؟

البدايات كانت مع الشعر الحر، وقد كتبت العديد من القصائد، نشرتُ بعضها على بروفايلي في “فايسبوك” ومدونتي الخاصة, والحقيقة انتقالي لشعر الهايكو ربما فرضه إيقاع العصر الذي يسير، بطبيعة الحال، باتجاه اللقطة السريعة بكافة المجالات الأدبية, ولاهتمامي برياضة اليوغا تعرفت على بعض ما تحتويه الثقافات الشرقية، ومنها فلسفة الزن، التي من خلالها تعرفت على تأمل الهايكو, وقد وجدت لاحقاً أن كثيراً مما كتبت يحتوي على هذه اللمحات، وقمت بإعادة صياغة بعضها لقصائد هايكو جميلة، وسأذكر لك هذه القصيدة التي تحتوي لمحات من هايكو، على سبيل المثال:

صباحٌ ماطرٌ مُفَّعَمٌ بالمحبةِ

آن وقتُ العِناق..

فالمطر يُعانقُ كل شيء

يَجْمعُ عـاشقَين بالقربِ منْ موقدٍ

وصلا للتو ثَملين

من وشوشاتِ حبٍ

بين نرجسٍ وياسمين ومطر..

أعشقُ المطر

أعشقُ الدفء..

بعدَ أنْ أتَبلّلَ بالمطر

* نعلم أن الهايكو نوع من الشعر الياباني، قائم على نمط البيت الواحد والمقاطع الصوتية، كيف يمكن ترجمة الأسلوب الشعري للهايكو إلى العربية، وتطويعه بما يلائمها؟ أو تطويعها بما يلائمه ربما؟

هايكو أو هائيكو (俳句) نوع من الشعر الياباني، يحاول الشاعر من خلال ألفاظ بسيطة بعيدة عن التأنق وزُخرف الكلام وصف مشهد بعفوية، ومن دون تدبر أو تفكير أو مشاعر سلبية، والتعبير عن مشاعر جياشة وأحاسيس عميقة بنظرة تأملية، بعيداً عن الذاتية المباشرة، يُظهر الهايكيست فيها عنصر الدهشة لتصل الى المتلقي مسببةً له لحظة من الذهول والدهشة، أمام هذا العمق للجمال والحركات البسيطة حوله، التي عادةً لا ينتبه لها.

تتألف أشعار الهايكو من بيت واحد فقط مكون من سبعة عشر مقطعاً صوتياً، تُكتب باليابانية على سطر واحد، وبعد تبني الغرب هذا النموذج الشعري أصبح يكتب في ثلاثة أسطر, ونحن استوردنا الهايكو عن طريق التراجم الغربية وبنفس نمط الكتابة، وبشكل عام لا يمكن اعتماد التقطيع الصوتي الياباني على الكلمات العربية أو التفعيلات، رغم وجود محاولات عديدة في هذا الاتجاه، والغالب هو اعتماد ثلاثة أسطر بشكل: قصير – طويل – قصير، ولا يتعدى مجموع الكلمات إحدى عشرة كلمة.

*برأيك ما هي الفروقات الجوهرية التي تميز الهايكو عن القصيدة النثرية أو النص النثري باللغة العربية؟

الحقيقة رغم وجود تقاطعات كثيرة بين الهايكو وقصيدة النثر، تتميز قصيدة النثر بسردية أكبر وتتناول كل الأفكار الممكنة ولا ترتبط بزمنية معينة، ما يتيح حرية استخدام كل مكونات اللغة، عكس الهايكو الذي نجد من خلاله اهتماماً أكبر باللحظة الآنية، والعمق التأملي في الهايكو أكبر بكثير وهذا منبع الدهشة.

كما أحب أن أضيف أنه لا يمكن اعتبار الهايكو انفصالاً أو انتقالاً من مرحلة أدبية سابقة، رغم أن هناك أعمالاً أدبية عربية تحمل كثيراً من لمحات الهايكو، فالومضة الشعرية والتوقيعة والشذرة والخاطرة، لا تخلو من هذه اللمحات، لكنها ليست هايكو من الناحية البنيوية والقواعد الكلاسيكية الأساسية.

* في الهايكو مشهدية توازي ما نلمحه في بعض النصوص الروائية والأعمال السينمائية الحديثة، هل تظن أن هذه المشهدية ترشح الهايكو ليكون أسلوب الشعر المستقبلي، أو ما بعد الحداثي إذا تجرأنا أن نقول هذا؟

الهايكو يعبر عن اللحظة ويرصد اللقطة السريعة، وهذا بطبيعة الحال لا يمكن أن يكوّن مشهداً سينمائياً أو ما شابه، لكن قد يدعم بعض اللقطات التي من الممكن توظيفها للتركيز على بؤرة، تعطي دلالات وأبعاد يمكن من خلالها اختصار مساحات من العمل الروائي، وبكل الأحوال يوجد أنماط من الشعر الموازي كقصائد التانكا والرينغا تخدم هذا الغرض بشكل جيد.

مثال على ذلك قصيدة التانكا هذه:

سامقةٌ أشجارُ الحورِ

تمتصُّك رشفةً رشفةْ

أيُّها النهرُ العظيم

يجري إلى البحر

تاركاً خلفه الظِلالْ

* أسست مع آخرين مجموعة على موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك تعنى بالهايكو، وتدور فيها نقاشات حوله، كيف تقيم هذه التجربة وأثرها على كتاب هذا النوع الشعري المنضمين إليها، وكيف يمكن العمل على تطويرها؟

من خلال مجموعة شعر الهايكو التي قمت بتأسيسها مع مجموعة من الشباب المتحمس، إضافة لصفحة شعر الهايكو المرتبطة بها، وعبر التفاعل بين أعضاء المجموعة والأساتذة المبدعين بقصيدة الهايكو، يمكن اعتبار هذه المجموعة مختبراً للهايكو، ومنصة عمل يتم من خلالها اكتساب الخبرات وتطوير المستوى العام، في حين يتم نشر المساهمات المتميزة في صفحة شعر الهايكو، لتكون بمتناول الجمهور، كما شجعني تفاعل ونشاط الأعضاء لإنشاء قناة على موقع “يوتيوب”، وإنتاج وإخراج بعض مقاطع الفيديو من خلال مشاركة المجموعة بمناسبات عامة، للتعريف بفن الهايكو.

* لفت انتباهي حقيقة غياب النقد الأدبي لهذا النوع، هل تردّ ذلك إلى حداثة عهد الهايكو بالعربية، حيث أنه لم يحقق لنفسه مكانة ملفتة ولم يبلور تجربة تستحق الدراسة والنقد، أم أن هناك أسباباً أخرى؟

عموماً لا يزال فن الهايكو حديث العهد بدخول الساحة العربية، ولم نصل بعد إلى المستوى المطلوب ليحتل الأهمية المرجوة بساحة الفنون الأدبية, لكن سأترك الحديث عن الناحية النقدية بشكل عام وأذكر تجربتنا في المجموعة، لما لها من أهمية بتسليط الضوء على الجانب النقدي، لدرجة أنه أصبح سمة هامة من سمات المجموعة إضافة لبقية النشاطات.

لقد أسسنا لمنهج نقدي عبر سلسلة “نحو هايكو عربي”، بإشراف الناقد الدكتور باسم القاسم، وخلُصنا إلى أن الهايكو هو “قصيدة نثر نمط هايكو”, وهذه السلسلة لها أهمية كبيرة لوضع منهج نقدي تسير عليه المجموعة بتقييم إبداعات الأعضاء وشعر الهايكو عموماً، إضافة إلى عدد من المقالات والدراسات والتعليقات التي يثري بها الأساتذة روح المعرفة والعلم، وما تطور المجموعة خلال الفترة السابقة إلا دليل على أهمية ما نقوم به من هذه الناحية.

*من وجهة نظرك، ما هي صفات “الهايكست” الناجح وهل يجب أن يكون شاعراً؟

حتى الآن لا يوجد اتفاق على هذه النقطة، لكن لا شك أن صياغة الهايكو تحتاج لشاعرية وشعرية لكنها من نوع خاص، ولامتلاك أدوات اللغة بشكل جيد، أنا شخصياً أعتقد أن “الهايكست” يجب أن يكون شاعراً وليس بالضروة أن يكون أكاديمياً، وكما أسلفت فأنا أكتب الشعر الحر واهتمامي بشعر الهايكو فرضه إيقاع العصر، الذي يسير بطبيعة الحال باتجاه اللقطة السريعة بكافة المجالات الأدبية.

“الهايكست” عموماً شخص هادئ بتأمله, يجيد التقاط المشهد بالتماهي مع الطبيعة, قادر على إظهار الأبعاد الفلسفية ويتمتع بالحكمة في التعامل مع اللحظية, خالٍ من المشاعر السلبية، وأنا أفضل أن يمارس رياضات تأملية، إلى جانب الاهتمام بالصحة عموماً لأهميتها بالتركيز.

*الهايكو شعر ينبع من تأمل الطبيعة وتفاصيلها، إلى أي درجة يمكن له أن يقتحم عالم السياسة؟

ربما بسبب طبيعة قصيدة الهايكو التي لا تحتمل كثيراً من التأويل، لا أرى مبرراً لإقحام هذه القصيدة التأملية حد التماهي مع الطبيعة بعالم السياسة، الذي لايمكن احتواؤه بعدة كلمات, لكن لا بأس أن نقول يمكن لقصيدة الهايكو (تحديداً نمط سنْرْيو)، أن تلامس الوجدان والحس الوطني والانتماء القومي بشكل أو بآخر. لي نصوص عدة كتبتها، تنضوي تحت هذا التصنيف، وربما يحدث بعض التطوير في المستقبل يخدم هذه الناحية.

على صدرٍ مُتَفحم

يتلألأ الألماس -

أيُّ كربـونٍ أثمن !؟

*هلا قدمت لنا عدداً من النصوص التي ترى فيها نموذجاً جيداً للهايكو باللغة العربية؟

سأذكر قصائد هايكو لي، وكذلك بعض القصائد الجميلة لهايكست عرب من أعضاء المجموعة.

رامز طويلة

قبةُ القصر

مزركشة بزجاجٍ ملوّن ؛

تعلوها قبة السماء

**

قوقعةٌ بيدي

توشوشُ الصدى -

أيُّها البحر

**

بعينٍ نصف مُغمضة

أقنص طائراً

يعبر قرص الشمس

 

الشاعر الدكتور باسم القاسم

ياللفراشة

منها، لا يفضح قرب يدي

أصفر الأقحوان

شفيق درويش

شحيحٌ زيتُ السراجِ

اللهيبُ يرقصُ فوقَ الِقمَّةِ السوداءِ

نشورُ الضوءِ

رانية ميكائيل

هذا الفَجر

لا رائحة للصَّنَوبَر

كيفَ سأُكمِلُ قدّاسي؟

الشاعر المغربي سامح درويش

ظِلّي،

علَى السّورِ المُثَقَّبِ

يُشْبِهُنِي

الشاعرة اللبنانية لميس حسون

ريحٌ صَرصَر

تقتلعُ شجرةَ الكينا

وموعد تلاقينا

الشاعرة نور عبود

بين أغصان الياسمينة

يتلمس العطر

ضوء القمر!!

الشاعر نادر محمد

ياللـورقةِ الخضـراء؛

من إبداعِ دودةٍ لايزالُ يرْشَحُ

قلبٌ مُخَـرّمٌ

مجموعة شعر الهايكو على فايسبوك

https://www.facebook.com/groups/versehaiku1/

صفحة شعر الهايكو على فايسبوك

https://www.facebook.com/versehaiku

علا الجاري


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.