سوريا واقتصاد الحرب .. على طريق الانهيار الشامل

يجمع المراقبون أن سوريا هي الحلقة الأكثر تضرُّراً ضمن سلسلة حركات “الربيع العربي” على صعيدَيْ الاستقرار السياسي والمجتمعي، الأمر الذي سينعكس مباشرة على الحقل الاقتصادي في البلاد الذي تضرر إلى الحدود القصوى، بحيث أصبحنا أمام حالة مدمّرة في قطاعات الاقتصاد الوطني (زراعة وصناعة وتجارة)، فتحت الطريق أمام انهيار شامل مع استمرار الحرب.

ظاهرة التضخم بمستويات قياسية

إن النتيجة الأكثر وضوحا للضغوط خلال السنوات الأخيرة، تمثلت في فقدان الليرة السورية لأكثر من نصف قيمتها في غضون عامين. ففي تموز 2013، وصل سعر الصرف إلى أكثر من 300 ليرة للدولار الواحد، ثم عادت العملة لتقلص خسائرها، وتحوم حول 150 ليرة للدولار. وكانت في الخامس من آذار 2015 بحدود 208 ليرات للدولار (وفق سعر الصرف الرسمي). ولم تكن العوامل النقدية سبباً رئيسياً فيما حدث لليرة السورية، بل كانت المضاربات صاحبة الدور الأكبر في ذلك. ففي وضع كالذي تعيشه سوريا، ليس هناك من سبيل لتطويق لعبة المضاربات. كما أن المشكلة تتخطى الحدود الوطنية، حيث تُمثل سوق بيروت -مثلاً- ساحة رئيسية أخرى للمضاربة بالعملة السورية، وسببا آخر للضغوط الواقعة عليها. إن النتيجة المباشرة للحرب على الليرة تمثلت في ارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات قياسية، لم يشهدها غالبية الجيل الراهن من السوريين. 13سوريا واقتصاد الحرب .. على طريق الانهيار الشاملوهنا جاءت طفرة الأسعار ولعبة السوق الموازية (السوداء) لتدفع جموعاً كبيرة من المواطنين إلى ما تحت خط الفقر أو قريباً منه، وتزيل ما كان يُوصف بـ”الطبقة الوسطى” في البلاد. وفي هذه النتيجة تحديداً، اندمجت العوامل الثلاثة: الحرب على العملة الوطنية، العقوبات الاقتصادية الغربية، والتدمير الذي طال العديد من البنى الإنتاجية.

إن تحديات الواقع المالي السوري يمكن قراءتها جزئياً في مؤشرات الموازنة العامة لسنة 2015، والبالغة قيمتها 1.554 تريليون ليرة (7.5 مليارات دولار)، خصص 76% منها للإنفاق الجاري، حيث اتسعت بنود الدعم الاجتماعي، تحت ضغط الأزمة ومفاعيلها المعيشية. وعلى سبيل المقارنة، يُمكن أن نلحظ أن الإنفاق في موازنة 2009 لم يتجاوز حدود 61%.

تجار الحروب ومناطق منكوبة

جراء الظروف التي تمر بها سوريا، ظهر حصار خانق لضروريات الحياة وفي مقدمتها المواد الغذائية والأدوية غير المتوافرة بطبيعة الحال، وهو الأمر الذي يدفع على الدوام إلى حصول “بدائل” قاسية من خلال اتفاقات علنية بين التجار والضباط التابعين للنظام مع بعض الحواجز التابعة لبعض الكتائب، حيث يتم منع دخول مادة معينة إلى حين يرتفع ثمنها في شكل جنوني فيعطي التاجر الإشارة بالسماح لبضاعته فقط بالمرور وبيعها بأسعار باهظة جداً، والحاجز يتلقى على هذه “الخدمة” مبالغ طائلة تجعل منه مشروع تاجر في المستقبل، إضافة إلى أخذ الكتائب حصتها من العملية. ويمتاز أولئك التجار بأنهم على الحياد منذ بداية الثورة في سوريا، يساومون النظام ويساومون المعارضة، وهم الآن يتحكمون بكل ما يدخل ويخرج من الغوطة وإليها.

هذا الأمر أوجد مناطق منكوبة على امتداد ساحات المواجهات بنسب متفاوتة من حيث الحِدَّة والاستمرار كان أبزها منطقة الغوطة التي تمتد من المتحلق الجنوبي لطريق المطار، وتشمل بلدات تشكل مداخل لمدينة دمشق، وتبقى دوما وضواحيها وحرستا وضواحيها الأهم والأكبر، وإلى الأمس القريب كانت بلدات وضواحي الغوطة: العتيبة وزملكا والنشابية وغيرها مسرحاً لعمليات “لواء أبو الفضل العباس – الشيعي”، وميليشيا “حزب الله” اللبناني، ولتصبح بعد ذلك مركزاً لتنظيم “الدولة الإسلامية” إلى أن أعلن “جيش الإسلام” طرد هذا التنظيم من منطقة المرج في الغوطة الشرقية في ريف دمشق.

تقسم الغوطة إلى ثلاثة أقسام، قطاع دوما وضواحيها: الشيفونية والنشابية وحوش الضواهرة وحوش الفارة، وقطاع أوسط: حرستا وعربين وزملكا ومسرابا ومديرة وحمورية, وقطاع منطقة المرج وأهم بلدة فيه العتيبة التي تعد أكبر منفذ من الغوطة إلى القلمون والأردن، ومن أهم منافذ توريد السلاح. معبر العتيبة حالياً مع النظام بعد أن أخذه بعد معركة منذ ما يقارب السنة والنصف، والمغالطات التي يروجها الإعلام التابع للكتائب في الغوطة أن هذا المعبر مغلق تماماً، ولكن الحقيقة أن تلك الكتائب تجد طريقة للمرور إلى تركيا من طريق المعبر. ويوجد معبر حربي للقادة العسكريين، بخاصة زهران علوش وقادته الكبار نحو القلمون والأردن، ويذكر أن علوش جاء من تركيا إلى جوبر لينفذ عملية كسر الأسوار في الحي الدمشقي.

بالمحصلة, وبعد جملة الأسباب التي واجهتها البلاد على الصعد كافة وفي مقدمتها البعد الاقتصادي الذي تنعكس كل ما عداه من أسباب سلباً عليه، خرج الاقتصاد السوري، أو ما تبقى منه، عن مركزية الإدارة من العاصمة دمشق عبر قرارات الحكومة ومراسيم بشار الأسد، وذلك بعدما خرج نحو 70% من مساحة سوريا عن سيطرة النظام وتمددت سيطرة تنظيم “الدولة” على 50% من مساحة البلاد، بعد ضمها مدينة تدمر ومعظم بادية الشام لتكون عدة محافظات سورية تحت إدارة أو تهديدات مباشرة للتنظيم، بمساحة وصلت إلى 95 ألف كيلومتر مربع بحسب تقارير إعلامية.

أحمد يوسف


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.