حروب المعابر في سوريا

ما أن أخذت الثورة السورية خيارها النهائي في المواجهة العسكرية ضد قوات النظام في أواخر العام 2011، بدأت حرب المعابر بالصعود، بشكل حاد. إذ سعت فصائل الجيش الحر، على اختلاف كتائبها، إلى فرض سيطرتها على المعابر الحدودية مع دول الجوار السوري، وخاصة المعابر الشمالية، مستفيدة من الدعم والزخم التركي في تبني تشكيلات المعارضة السياسية ومن ثم العسكرية في وقت لاحق، فكانت السيطرة على معبري “باب السلامة” و”باب الهوى” في ريفي حلب وإدلب على الحدود التركية في شهر تموز من العام 2012.

يربط معبر “باب السلامة”، محافظة حلب بولاية غازي عنتاب في الجنوب التركي، ويعتبر المعبر شرياناً حيوياً للشمال السوري، إلى جانب معبر “باب الهوى” الذي يربط إدلب السورية بالأراضي التركية أيضاً، وشكّلت السيطرة على المعبرين حدثاً فارقاً في تاريخ الثورة السورية بعد دخولها المعترك العسكري، وازدياد ضراوة الحرب مع قوات النظام. إذ سمحت السيطرة في البداية لدخول الدعم والمساعدات المدنية منها والعسكرية إلى الأراضي التي وقعت تحت سيطرة فصائل المعارضة السورية حينها، 20-21حروب المعابر في سوريا (1)كما أنها مثّلت متنفساً للمدنيين الفارين من بطش القوات النظامية في معظم حلب وريفها، إضافة إلى إدلب وريفها باتجاه الأراضي التركية ومخيمات اللجوء. لكن سرعان ما بدأت حرب من نوع أخرى مع احتفاظ الفصائل المقاتلة بسيطرتها على المعبرين الرئيسيين في الشمال السوري، حربٌ دفعت الفصائل ذاتها إلى الاقتتال فيما بينها، وخاصة مع ظهور الفصائل الإسلامية التي بسطت سيطرتها على مساحات واسعة من الأراضي المحيطة بتلك المعابر، وتحديداً “حركة أحرار الشام الإسلامية” و”جبهة النصرة” ولاحقاً فصائل “الجبهة الإسلامية”.

هذه الحرب دفعت الكثير من المراقبين إلى إثارة جملة من التساؤلات، حول الدافع وراء هذا الاقتتال في مناطق حدودية منعت قوات النظام من استهدافها بفعل التهديد التركي والغطاء الصاروخي (صواريخ الباتريوت) التابعة لحلف (الناتو)، على طول الحدود الشمالية لسوريا. حيث أكدت شهادات العديد من سكان المناطق القريبة من الحدود، فيما بعد، أهمية المعبرين للفصائل المسيطرة عليهما، سواء من خلال الضرائب التي كانت تفرض على المغادرين إلى الأراضي التركية أو العائدين إلى سوريا، إضافة إلى الرسوم التي فرضت على البضائع بمختلف أنواعها بما فيها المواد الإغاثية والإنسانية والأجهزة والمعدات التي كانت تقدم من المنظمات الداعمة في مختلف المجالات، وأهم من هذا وذاك، شحنات الأسلحة القادمة من الدول التي تدعم الفصائل المختلفة، والتي كانت تفرض عليها “اتاوات” أو كما يحلو للمسيطرين على المعبر تسميتها “رسوم جمركية”.

هذه الممارسات التي كانت تحدث على المعابر الشمالية، دفعت أحياناً السلطات التركية إلى إغلاقها من جانبها عدّة مرات، لحين إعادة تنسيق العلاقة مع الفصيل المسيطر مرة أخرى، نظراً للمعارك التي كانت تدور بين الحين والآخر، إضافة إلى استخدام بعض الفصائل السيارات المفخخة في استهداف الفصيل المسيطر على المعبر، ما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا من المدنيين أثناء تواجدهم داخل المعبر.

تلك الحرب التي شهدتها المعابر، لم تسفر فقط عن خسائر فادحة للتجار السوريين، بل أنها أضرت بالمدنيين، وأوقفت عملية التبادل التجاري المتنامي مع الجانب التركي. إذ كان من المألوف، حسب سكان محليين، أن ترى كلما اندلعت مواجهات عند معبر باب الهوى طوابير الشاحنات التركية المحملة بالبضائع تصل أحياناً لعدّة أميال، بانتظار تراجع حدة المواجهات لتمرير البضائع إلى المناطق الخارجة عن سيطرة قوات النظام.

وبحسب شارلز ليستر، الباحث الزائر في مركز “بروكينكز” في الدوحة، فإن المعابر الحدودية أثبتت أنها ذات قيمة كبيرة بالنسبة للمجموعات من غير الدول “سواء كمصدر للدخل، أو للحصول على قوة عاملة، أو على إمدادات ولوجيستيات، أو ببساطة الحد من تواصل العدو مع العالم الخارجي”. وأضاف، على الرغم من بعض مستوى الخصومة، فقد توصّل الجيش السوري الحر و”الجبهة الإسلامية” إلى الرغبة في تقاسم النفوذ، ولكن “بروز مصالح جديدة لـ”جبهة النصرة” يهز هذا التوازن بشكل كبير. فالمجموعات العسكرية المعتدلة التابعة للجيش الحر، تثبت، وأكثر من أي وقتٍ مضى، أنها مسببة للخلاف والشقاق داخل دينامية الفصائل الكبيرة المسيطرة على الأرض بالإجمال – وقد ظهر ذلك من خلال الاشتباكات بين “النصرة” والجيش الحر في إدلب، والتي انجرت إليها “أحرار الشام وكتائب إسلامية أخرى”.

في السياق، لا تزال محاولات قوات النظام، بمساندة ميليشيا “حزب الله” اللبناني، مستمرة للسيطرة على آخر المدن الحدودية مع لبنان، الزبداني في ريف دمشق الغربي، والمشرفة على طريق بيروت – دمشق. فمن جهة، تحاول ميليشيا “حزب الله” من تأمين عمقها الاستراتيجي داخل سوريا، بسبب قرب الزبداني من الحدود اللبنانية. من جهته، يعتبر طريق (دمشق – بيروت) بالغ الأهمية للنظام، فهو المنفذ البري الوحيد لسوريا نحو العالم الخارجي، بعد سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” و”جبهة النصرة” على المعابر الحدودية مع العراق وتركيا، إضافة إلى سيطرة فصائل من المعارضة على معبر نصيب الحدودي مع الأردن. وتأتي أهمية الطريق في تأمين الدعم القادم من لبنان للنظام ورفده بالعناصر التي تقاتل إلى جانبه في عدّة نقاط داخل مرتفعات القلمون، إضافة إلى تأمين ممر سريع تدخل منه مختلف أنواع المساعدات عن طريق حزب الله إلى دمشق، سواء الأسلحة أو العناصر أو حتى المواد التجارية، إلى جانب تهريب الأموال والآثار وغيرها.20-21حروب المعابر في سوريا (3)

والحال، فإن غالبية المعابر الحدودية بين سوريا وتركيا، خرجت عن سلطة النظام أو أغلقت من الجانب التركي كمعبر نصيبين – القامشلي، إضافة إلى المعابر الرسمية مع العراق وهي التنف والبوكمال – القائم، واليعربية، ومعبري نصيب والرمثا – درعا على الحدود الأردنية.

قبل سيطرة فصائل من المعارضة السورية على معبر “نصيب” مع الأردن، كان المعبر يعتبر شرياناً هاماً للتجارة بين المملكة والنظام السوري، إذ كانت تدخل عن طريقه مختلف أنواع البضائع في طريقها إلى دمشق ومناطق درعا التي كانت خاضعة لسيطرة القوات النظامية، ما جعله هدفاً لعمليات عديدة من جانب المعارضة، انتهت أخيراً بالسيطرة عليه مع بداية العام 2015 بشكل كامل تقريباً، ليوفر المعبر دخلاً جديداً للفصائل التي سيطرت عليه، والتي دفعتها إلى الاقتتال مع “جبهة النصرة”، التي كانت تسعى لفرض سيطرتها المطلقة عليه، وهذا ما لم يحدث حتى اللحظة.

في المقابل، فإن تعدد الفصائل المسيطرة على المعابر الحدودية مع دول الجوار، دفعت المعارضة السياسية وقادة الجيش الحر إلى طمأنة دول الجوار. فهذه الصراعات على المعابر هي جزء من الحرب الدائرة في البلاد، وأكدت مراراً أن المعارضة ستسعى لعدم سيطرة “الفصائل المتشددة” على المعابر، وأن لا تشكّل تهديداً على عمليات التبادل التجاري مع سوريا أو تهدد أمن دول الجوار ذاتها.

إن ما تشهده الساحة السورية، وخاصة حروب المعابر التي تندلع بين الحين والآخر، تلغي معها كل التطمينات التي تريدها دول الجوار، المتورطة أساساً في إدارة هذه المعابر وتحديد الجهات التي تسيطر عليها، تبعاً لخدمة مصالحها ورفع ميزان التبادل التجاري مع المناطق الخارجة عن سيطرة قوات النظام، نظراً لانخفاض الرسوم الجمركية المفروضة على السلع القادمة إلى سوريا، وانخفاض قيمة المنتوجات السورية المصدّرة إلى أسواق تلك الدول، وعلى وجه الخصوص تركيا والأردن، أكثر المستفيدين من المعابر والحركة التجارية عبرها.

كذلك وفّرت المعابر التي خضعت لسيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية”، لتوفير اتصال مباشر بينه وبين العالم الخارجي، ورفده بالمقاتلين الأجانب الذين انضموا إليه من مختلف الدول، قادمين من الأراضي التركية إلى المناطق الواقعة تحت سيطرته في سوريا، وتأمين مستلزماته من المواد التجارية وعمليات تهريب النفط السوري والآثار، إضافة إلى عمليات تهريب البشر عبر شبكات تعمل على جانبي الحدود، والتي كانت تدر ربحاً هائلاً على خزينة التنظيم يومياً.

حرب المعابر الحدودية أخذت طابعاً آخر في ظل الحرب التي يخوضها النظام ضد السوريين، ففي العديد من المناطق المحاصرة من جانب قوات النظام، وخاصة في ريف دمشق ومدينة حمص، ظهرت معابر داخلية بين المناطق، تسيطر عليها تشكيلات مختلفة، فرضت مبالغ خيالية على السكان للموافقة على الخروج أو إدخال السلع من منطقة إلى أخرى، في ظل اتهامات واسعة لوجود تنسيق ما بين قوات النظام وبعض تلك التشكيلات، وخاصة في الغوطة الشرقية بريف دمشق، كالنفق الذي كان يربط الغوطة الشرقية بحي برزة في دمشق، والذي استخدام كأداة ابتزاز للمدنيين، واستخلصت منهم مبالغ طائلة في مقابل خروجهم من الحصار الذي تفرضه قوات النظام على المنطقة.

وكأحد الأمثلة عن حرب المعابر الداخلية، أنهت الفصائل في شهر آب من العام 2014، حفر نفق يمتد من غربي حرستا إلى المدينة، وسمي حينها بالنفق المركزي، وكان من المفترض أن يكون للأغراض الإنسانية، كإخراج المصابين وإدخال المساعدات، ولكنه سرعان ما شهد مواجهات بين الفصائل بهدف السيطرة عليه، واستخدامه في نقل السلاح وتجارة المحروقات نظراً للعوائد الاقتصادية الكبيرة التي ترتبت على عملية السيطرة عليه، قبل أن تسيطر عليه قوات النظام وتقوم بتفجيره وردمه.

على الرغم من مرور أكثر من أربع سنوات على الثورة السورية، لا تزال معظم المعابر الحدودية تحت سيطرة الفصائل الإسلامية وكتائب المعارضة، إلا أن المرود الاقتصادي لعمليات التبادل التجاري على هذه المعابر لا يزال أمراً غامضاً، في ظل صعود وتنامي قوة الفصائل التي تسيطر على المعابر مقابل اندثار وانحسار قوة الفصائل الأخرى، في حين يبقى المدنيون على جانبي الحدود الإقليمية مع دول الجوار من يدفع الثمن الأكثر كلفة بين الجميع حتى الآن.

فريق تحرير ضوضاء


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.