ديموغرافيا.. بناء قلاع في دمشق للسيطرة عليها

يلعب النظام السوري ضمن خطة ممنهجة منذ هيمنته على السلطة في سوريا، لعبة تغيير الديموغرافيا وبنية المناطق على عدة أصعدة، مستنداً منذ بداية الستينات إلى خزان بشري يدّعي احتكار تمثيله من جهة، وعلى حلفاء إقليميين بدأ بالتوجه إليهم (استناداً إلى أكذوبة مذهبية تم تبنيها) منذ عام 1979 حين استولى الملالي على السلطة في إيران من جهة أخرى، وعلى هذا، بنى نظام آل الأسد تحركاته، واتخذ قراراته، وحدد حلفاءه وأعداءه.

وفي هذا وجّه سكان الأرياف من الطائفة العلوية في الساحل السوري على جبهتين أساسيتين، الأولى إلى دمشق وأطرافها، والثانية إلى مدينة حمص، هذا من حيث الجغرافيا. فيما وجّه من خلال الوعود والوظائف والدعاة من مشايخ طائفيين اصطنعهم لخدمته، وجّه الريفيّين هناك للانخراط في الجيش، محولاً جيش سوريا إلى جيش طائفي فئوي، يخدم النظام بديلاً عن الوطن، كل ذلك في سبيل هدف أوحد، هو استمرار آل الأسد في الحكم.

وهكذا بالاستناد إلى القوة وجيشه الميليشاوي، حوّل وجوده في سوريا من حاكمٍ إلى محتل، محمولاً طوال الوقت على إيديولوجيا من الشعارت الكاذبة المزيفة.

وعلى مر العقود الخمسة الماضية، استمر نظام آل الأسد بذات النهج دون انزياح ولا تغيير، وإن كانت الخطة تسير بشكل أبطأ قبل اندلاع الثورة السورية آذار 2011، فقد باتت خطواتها مسرعةً واضحةً للعيان بشكل كبير اليوم.

خلال السنوات الأربعين الماضية، شكّل النظام في مدينة حمص من أتباعه القادمين من جبال الساحل، والذين يعمل معظمهم في قطاع الجيش والأمن وما يتبعهما من الوظائف الأدارية، أحياء “عكرمة، النزهة، الزهراء، العدوية والخضر”، وهي أحياء كانت الخزان الرئيسي للشبيحة، وأمدّت جيش النظام وجهاز أمنه بكل ما يحتاجه، لإتمام الإطباق على المدينة، وتهجير ما يقارب المليون من سكانها، يتناثرون اليوم بدءاً من محيط حمص، حتى أقصى بقاع العالم.

وبشهادات السكان المهجرين، أن العناصر على حواجز أمن النظام، وحواجز شبيحته، جردوهم من كل ورقةٍ ثبوتيةٍ يحملونها، تشير إلى أملاكهم، بيوتهم، أراضيهم، محلاتهم التجارية وغير ذلك، وأسمعوهم كلاماً يشير إلى أن مغادرتهم هذه نهائية، وأنهم لن يسمحوا لهم بالعودة إلى حياتهم أو مدينتهم ثانية.

طبعاً استخدم النظام كل الوسائل لإخلاء المدينة، بدءاً بالإشاعات، إلى تسليح مواليه، والقنص، فالقصف بالمدفعية، ثم بالطائرات، ثم الحصار والتجويع، حتى الموت مروراً بالاقتحامات والاعتقالات والاغتصابات والتصفية على الحواجز. نعْتَ الثوار في حمص أو معارضيه هناك، بالمسلحين المدسوسين العراعير الإرهابيين الظلاميين، وحشْدَ أتباعه تحت شعار عامّي لمّاع ذكوري عجيب يقول: “حمص خانت وذبحها حلال”.

أما في دمشق، فقد نقل وسهّل نقل، وطالب وجلب، مئات الآلاف من أتباعه ومواليه، وأسكنهم أطراف المدينة، خالقاً حزاماً من الموالين، وأحاط العاصمة الجنوبية بحزامٍ من القطع العسكرية والألوية المؤللة، يكفي لاقتحام العالم، لكنه أعده للحظة واحدة فقط، هي قمع شعب سوريا لو أراد الانتفاض.

وهكذا زرع في كل منطقةٍ من دمشق حياً أو أكثر ممن والاه، ووزع عدداً كبيراً منهم بدءاً من عش الورور، إلى حي تشرين، حتى مساكن البحوث، امتداداً نحو المهاجرين، مساكن الحرس، حي العرين، حي الورود وجبل الورد، وحول القطعات العسكرية، مساكن الفرقة الرابعة في المعضمية، السومرية، الجديدة، وصولاً إلى الحدود اللبنانية، مروراً بيعفور حيث ألوية ما كان يوماً “سرايا الدفاع”، أو جيش رفعت الأسد، الذي كان قادراً بالاستناد عليه، أن يفكر باحتلال دمشق وإخضاعها بما فيها جيش أخيه حافظ، كذلك الديماس وقرى الأسد، حيث الطريق الاستراتيجي الذي حافظ عليه نحو لبنان منذ أربعين عاماً وحتى الآن.

ولو تفكّرنا بذلك، لعرفنا لمَ لمْ يُغلَق هذا الطريق ولو مرةً منذ 2011 حتى اليوم، علماً أن مطارات وأتوسترادات ومناطق، أغلقت وعُطِلت، بل وقع الكثير منها تحت سيطرة الجيش الحر والفصائل الإسلامية.

وهكذا فعل النظام في مناطق جنوب دمشق، حيث شبيحة حي الجورة لحي الميدان، وشبيحة الحجر وشارع نسرين للتضامن، وأحياء موالاة في الدحاديل ونهر عيشة والقدم ومساكن الباردة وطريق الكسوة.

ومع انطلاق الثورة، احتاج النظام إلى نقاط ارتكاز، ونقاط انطلاق لعملياته في وجه المناطق التي ثارت ضده، في ريف دمشق ودرعا ومناطق القلمون، ثم تطور الأمر إلى ضعف واستنزاف كل الجبهات، فاحتاج إضافةً إلى المربعات الأمنية في كل مدينة، نقاط ارتكاز وقلاع أو ثكنات، في حلب وإدلب ودير الزور، فكان استخدام الميليشيات الطائفية من حزب الله اللبناني، والمرتزقة القادمين من العراق، “لواء أبو الفضل العباس، عصائب الحق، لواء ذو الفقار”، وكل ما جاء به قائد مرتزقة إيران “قاسم سليماني”، من ميليشيات طائفية “إيرانية وأفغانية وحوثية”، طبعاً لا حاجة لتوضيح أن كل ما ذكرنا، هي ميليشيات طائفية تم استدعاؤها من النظام، وبمساندةٍ وتمويل إيرانيين.

وفي القلمون ومحاذاة ريف دمشق وحمص، حيث يشمل ذلك المناطق من الزبداني، إلى النبك ويبرود والقصير وتل كلخ، مروراً بعرسال وجيرود، وحيث فرض هيمنته عسكرياً على الجزء المحاذي لحمص منذ بداية الثورة.

وبعد ظهور الجيش الحر والفصائل الإسلامية، وباعتبار جرود القلمون مناطق صعبة التضاريس، إضافة إلى أنها صلة الوصل بين دمشق والساحل، حيث طريق المواصلات الأهم، استقدم النظام إليها الميليشيات سابقة الذكر، وخاصة حزب الله اللبناني، الذي يعتبر قائد العمليات فيها، وغنية عن التعريف المجازر التي قامت بها هذه الميليشيات قصفاً وذبحاً، في السيدة زينب والحسينة ويبرود والنبك والقصير وبلدات حمص وريفها.

وفي المناطق الأخرى التي ذكرناها، استند النظام إلى بلدات بعينها، من خلال تحشيد مكوناتها طائفياً، مثل بلدات نبّل والزهراء في حلب، والفوعة وكفريا في إدلب، وأحياء في بصرى الشام بدرعا، كما استخدم مناطق وأحياء مهيئة سلفاً لخدمته، كمساكن الفرقة الرابعة، ومساكن الحرس في المعضمية والجديدة وغيرها.

أما عن التحشيد وتبديل البنية السكانية للمناطق، فقد اعتمد على كم العنف والانتهاكات والقتل وبث الرعب، وكم الفيديوهات التي نشرها بشكل مقصود بين السوريين عامةً، على مواقع التواصل الاجتماعي فيس بوك ويوتيوب، لعناصره وميليشياته وعناصر أمنه تقتل وتعذب، إضافة إلى قتلى معتقلاته تحت التعذيب، ما أثار غريزة الانتقام بين السنّة المستهدفين بعنفه، وحشّد العلويين والشيعةَ مذهبياً تحت مشاعر الخوف مما ارتكبه النظام وشبيحته باسمهم.

من جهة أخرى بدأ بعمليات ممنهجة، بحرق وتدمير سجلات النفوس للمناطق التي تم تهجير سكانها كحمص، أو تلك التي اضطر لمغادرتها كحلب ودوما، إذ أحرقت سجلات المحكمة الشرعية بدوما، كما أغرقت عشرات آلاف السجلات العقارية في حلب بالصرف الصحي، ونُهب مثلها في حمص. أما المناطق ومراكز المدن التي لم تدمرها آلية النظام العسكرية، فعمِد إلى تزوير الوثائق، وإضافة أسماء وخانات لآلاف وربما عشرات الآلاف العائلات الشيعية التي جُلِبت من العراق ولبنان وإيران بل واليمن، وزرعت ضمن السجل المدني لمناطق كالسويداء وحمص وريف حماه ودمشق وريفها، وسيكشف القادم من الأيام، عن الكم الهائل للتغيير الديموغرافي الممنهج في معظم مناطق سوريا.

يذكر ناشطون في السويداء أن عدد سكان المحافظة في إحصاء (2004)، هوَ

470 ألفاً، فيما يصل العدد اليوم حسب السجل المدني إلى 850 ألفاً، رغم كل الهجرات بسبب تردي الوضع الاقتصادي، وهروب الشباب والعائلات من ملاحقات النظام، ومثل ذلك في معظم المدن، حسب المعلومات الصادرة عنها. فنظام دمّر البلاد بالبراميل المتفجرة والطائرات، قصف الأطفال والنساء بالغازات السامة، ولا زال ينكر كل ذلك على لسان رموزه بل ورئيسه، نظامٌ يرسل العبوات الناسفة إلى لبنان مع وزراء ونواب بهدف تحطيم السلم الأهلي، لن يتوانى عن فعل ما يحتاج لتغيير ديموغرافيا البلاد. والآن، لماذا المزة في هذا الوقت؟ لأنه كلما اقترب نظام آل الأسد من إكمال خطته في تقسيم سوريا، والتي لن تتم إلا استناداً على فرز ديموغرافي، أسرع إلى وضع اللمسات الأخيرة عليها.

فنيّة النظام مستفيداً من الخزان البشري، من أنصار حزب الله اللبناني المتاخمين لمناطق القلمون، من الزبداني حتى حمص، هي الانفصال بدويلةٍ أو إقليمٍ فدراليٍ، مبقياً سيطرته على مسمّى “سوريا المفيدة”، والتي تضم دمشق وحمص واللاذقية وطرطوس مروراً بالقلمون، وهي مناطق لم تدمر حتى اليوم، مدن لا زالت كما كانت من ناحية الأبنية والبنية التحتية والسكان، مقابل ما تبقّى من سوريا مدمرة حتى الحضيض.

لهذا يسعى إلى استكمال مجموعة القلاع التي تشرف على دمشق، وتحيط بها في آن، والتي ذكرناها أعلاه.

من هنا يقوم بإخلاء أحياء المزة وبساتينها، وهي المناطق التي تشرف على دمشق، وتشكل جزءاً من الطريق إلى لبنان، وبداية الارتفاع ارتقاءً إلى قاسيون، وقطعةً حيويةً هامةً في مناطق مزة جبل ومزة 86 والسومرية ومساكن الحرس والفرقة الرابعة وصولاً إلى حدود لبنان حيث صلة الوصل مع الزبداني وصيدنايا واستكمالاً إلى القلمون حتى حمص وطرطوس واللاذقية والحدود التركية.

يخلي النظام أحياء المزة ويجلب إليها مواليه وحلفائه، جاعلاً منها إحدى القلاع التي تطبق على دمشق، أياً كان ما يقول غير ذلك من كذب إعادة الإعمار، ومناطق المخالفات، والتحضّر الذي لا يمت لإجرامه بصلة.

أخيراً هذه المادة بعض تحذيرات من الفرز الديموغرافي الذي يقوم به النظام والذي سيغير سوريا التي عرفناها والتي دافعنا عنها إلى الأبد.

 محمد ملّاك


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.