تدمير البنى التحتية في سوريا سياسة انتقام أم تطهير؟

تشير الاحصائيات والتقارير الصادرة عن المؤسسات البحثية والإعلامية المواكبة للشأن السوري، إلى أن السنوات الأخيرة من الحرب الجارية في سوريا، خلّفت دماراً هائلاً طال مساحات واسعة من البنى التحتية والمناطق السكنية، وأعادت البلاد عشرات السنوات إلى الوراء، كما حمل الاقتصاد أعباء سيحتاج، حسب خبراء ومتخصصين، إلى عقود ليتمكن من تجاوز آثارها. إذ أن قصف النظام للمدن والأحياء “الثائرة” بشتى أنواع الأسلحة، إلى جانب المعارك العنيفة، جعل مساحات كبيرة من سوريا مناطق منكوبة ومهجورة بالكامل. وتشير بعض الدراسات إلى أن 90% من المنازل في الغوطة الشرقية في ريف دمشق إما مدمرة بالكامل أو غير صالحة للسكن، ومثلها مناطق كوباني وتلبيسة والحولة والزبداني وسراقب جسر الشغور، وغيرها العشرات. كما لم تترك العلميات العسكرية قطاعاً من القطاعات دون دمار وتخريب من شبكات الكهرباء والاتصالات والمياه وشبكات الصرف الصحي والمدارس وغيرها.16-17تدمير البنى التحتية في سوريا (3)

البنية التحتية مصطلح يطلق على المنشآت والمرافق الخدمية، مثل وسائل المواصلات كالطرق والمطارات وسكك الحديد، ووسائل الاتصالات كشبكة الهاتف، والجوال والإنترنت والبرق والبريد، بالإضافة لنظام الصرف الصحي وتمديدات المياه. وتفيد بعض التقارير بأن الخسائر الناتجة عن “أعمال القصف المتبادل”، التي تطال البنى التحتية في سوريا، تقدر بحوالي 11 مليار دولار، خلال 23 شهراً من الحرب. وحسب هذه التقارير فإن قطاع الكهرباء وحده شهد خسائر خلال العام الأول من الصراع تقدر بحوالي 2.2 مليار دولار الأمر الذي أدى إلى انخفاض طاقة انتاج الكهرباء في البلاد إلى ما دون النصف تقريبا، وذلك بسبب نقص إمدادات الوقود وارتفاع المخاطر وغياب الأمن لنقل إمدادات الغاز.

إن حجم الخسائر جراء الواقع الذي تمر به البلاد ضخم جداً. وتؤكد تقارير أن أكثر من نصف مساحة البلاد مدمر، وانه تم استهداف 700 منشأة صناعية في سوريا (7 ملايين وحدة سكنية). ويُعتبر هذا رقماً ضخماً قياساً لمساحة البلاد وعدد سكانها. ويوضح الناشط الإعلامي من ريف دمشق، المعروف باسم “أبو يزن”، أن حجم الدمار في الغوطة الشرقية “مهول ولا يمكن تقدير أو حصر الخسائر”، موضحاً في حديث لـ “ضوضاء”، أن المسألة “تجاوزت حدود الرد على فصائل المعارضة المسلحة في المنطقة إلى خطة تدمير ممنهجة ومدروسة في دوائر النظام لدفع الناس لترك مناطقهم واليأس من الحياة فيها لغايات سياسية واقتصادية أكبر بكثير مما يتم الحديث عنه”. ويضيف الناشط بالقول: “نحن نحتاج إلى عشرات السنين في حال انتهت الحرب لجعل الأحياء في الغوطة الشرقية قابلة للسكن بالحد الأدنى، كل شيء مدمر، المنازل والمدارس وشبكات الكهرباء، شبكات الصرف الصحي، الاتصالات، حتى وجدان من بقي على قيد الحياة تم تدميره”، وفق قوله.

المواطن “أبو عمر”، وهو أحد المهجرين من أحياء حمص، يقول لـ”ضوضاء”، إن “منطقة حمص القديمة مدمرة بنسبة تفوق 80%. فأسواق المدينة التاريخية أصبحت أثراً بعد عين، وشبكات الكهرباء والاتصالات شبه مدمرة بفعل قصف النظام، وهذه ليست عميات حربية، وإنما سياسة تطهير طائفي من قبل النظام وحلفائه بهدف خلق (كانتونات) موالية في المناطق الاستراتيجية وفق رؤاهم وكانت حمص إحداها”.16-17تدمير البنى التحتية في سوريا (1)

والواقع أن البنية التحتية في سوريا هي هشة في الأساس، كمنظومة الطرق وشبكة الاتصالات والمطارات، وهذا يشمل قطاعاً واسعاً من الأرياف. والحقيقة أن الدمار في سوريا ممتد على معظم مساحة البلاد، وهو يدقع البعض إلى القول إن النظام يقوم بتدمير البنية التحتية لاستخدامها كورقة سياسية في أي مفاوضات، والتذرع بوجود “عصابات إرهابية” يعتبرها الدافع الأساس للتدمير، أو “ربما لنزعة سادية انتقامية عند النظام لترويع الشعب وتجويعه”. وفي السياق، يقول أحد المواطنين، الذين فضل عدم ذكر اسمه، أن النظام “دمر محطات الكهرباء وقام بإعادة بنائها من أجل حياكة مصالح مختلفة”.

وعند الخوض في الأرقام المرتبطة بالخسائر التي طالت المنشآت التعليمية والصحية سنجد أنفسنا أمام أرقام مرتفعة جداً، وقابلة للارتفاع مع استمرار الحرب، وتشير إحصائية أجرتها منظمة (ميركادو) في العام 2013، إلى أن 2 مليون سوري تركوا التعليم، فيما تخلّف أكثر من 3 مليون طفل عن الدراسة نتيجة الحرب الدائرة وصعوبة التنقل بين الأحياء، من جهتها أكدت منظمة (اليونيسف) أن أكثر من 3 آلاف مدرسة تعرضت للتدمير خلال العام الفائت، ومن باب رمي التهمة على “المجموعات الإرهابية”، حسب وصفها، لم تكذب الحكومة السورية حجم الخسائر الحاصلة في البلاد. إذ ذكرت تقديرات لجنة الإعمار الحكومية بأن الأضرار الناتجة عن “أعمال التخريب”، كما وصفتها، حتى 10 كانون الثاني 2013، وصلت لأكثر من ألف مليار ليرة سورية، أي 11 مليار دولار تقريبا (في حينها).

إن الحرب التي تعيشها سوريا، والتي لن تتوقف في المدى المنظور على الأقل، تجعل من حجم الدمار الذي يطال البنى التحتية في البلاد في تزايد مستمر. ويقول المركز السوري لحقوق الإنسان في تقرير له بداية العام الحالي، إن “القوات السورية الحكومية استهدفت بالقصف نحو 3994 مدرسة على الأقل، وهي إما مدمرة بشكل كامل أو متضررة بأضرار نسبية، من بينها 450 مدرسة مدمرة بالكامل معظمها في محافظة حمص وريف دمشق وحلب”. وذكر التقرير أن المدارس المدمرة بشكل شبه كامل لا يمكن ترميمها أو إصلاحها، وهي تحتاج إلى جرف وإعادة بناء، بحسب تقديرات المهندسين المدنيين العاملين مع الشبكة.

وتتراوح أحوال 3423 مدرسة ما بين الأضرار المتوسطة والنسبية، ويمكن إعادة ترميمها وتشغيلها. وتحول البعض من هذه المدارس، المتضررة نسبياً، إضافة إلى مدارس أخرى يبلغ عددها 1500 مدرسة (من بين الـ 3423 مدرسة المتضررة نسبياً)، إلى مقرات للنازحين داخل الأراضي السورية. وأضحت 150 مدرسة من تلك المدارس المتضررة، مشافي ميدانية لمعالجة الجرحى والمصابين، جراء القصف العشوائي لقوات النظام بسبب خشية الأهالي نقل المصابين إلى المشافي الحكومية خوفاً من تعريضهم لخطر الاعتقال والتعذيب.APTOPIX Mideast Syria

وقامت قوات المخابرات والجيش التابعة للنظام بتحويل قرابة 1200 مدرسة إلى مراكز اعتقال وتعذيب في ظل اكتظاظ السجون المركزية النظامية بأعداد هائلة من المعتقلين تجاوزت 215 ألفاً، وغالبيتهم معتقلين تعسفياً، بالإضافة إلى استخدام عدد من المدارس كمقرات أمنية يقيم فيها عناصر الأمن والمخابرات، ويتم من خلالها قصف الأحياء المجاورة.

وإلى الشمال، يمكن القول إن الحرب “ابتلعت” نصف منازل مدينة حلب، التي تقدر بنحو 424 ألف منزلاً، وتحتاج إلى إعادة بنائها أو ترميمها لنحو 187 مليار ليرة (1.2 مليار دولار)، بحسب إحصاءات قامت بها جهات مستقلة. ثم جاء ريف دمشق ثانياً بعدد منازل مهدمة بلغت 303 آلاف منزل، تحتاج إعادة بنائها لـ145 مليار ليرة ما يعادل 950 مليون دولار. وحمص ثالثاً بعدد منازل بلغت 200 ألف منزل، تحتاج إعادة بنائها لنحو97 مليار ليرة (630 مليون دولار). تلتها إدلب بحوالي 156 ألف منزل، ودرعا 105 آلاف منزل، ودير الزور 82 ألف منزل، وحماة 78 ألف منزل، والرقة 59 ألف منزل.

ويرى مراقبون أن سياسة “التدمير الممنهج”، التي يتبعها النظام السوري حيال البنى التحتية في البلاد تعبر عن قناعة تبلورت منذ وقت مبكر لديه بأنه لن يستطيع العودة لحكم سوريا وفق معادلات الجغرافيا السياسية السابقة على الأقل، بالتالي لجأ النظام إلى مرحلة نسف كل شيء في المناطق التي لم يعد باستطاعته استعادتها وذلك تماشياً مع سيناريوهات الحلول المطروحة، والتي تحمل في طياتها الكثير من “ملامح التقسيم”، بمعنى أن النظام يحاول الحفاظ على مناطق بعينها تكون حدود “كانتونه” المزعوم يقف على قدميه من حيث البنى التحتية، وتحيط به “كانتونات” مدمرة بالكامل.

خالد زياد

 

أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.