شــــام

الكتابة يا جاد ليست ملاذي الوحيـد في هـذا البيت الوهـمي .. , أحياناً أخرج للبلكون وأسترق النظـر لشبابيـك مركز الإيواء مقابـلي ,

شبابيك المركز مسيّجة زرقاء لا يستطيع صاحبها أن يرى الشارع من خلالها هو فقط يستطيع أن يرى الأبنية المقابلة لها , ويرى جارة المركز كيف تنشر الغسيل ويرى أطفالها يخرجون رؤوسهم من الشبابيك , يستطيع أن يستنشق من خلال مربعات القفص رائحة الطبخة ويتوقعها ماذا ستكون ,, الغسيل مقابله معصور جيداً بالغسالة الأوتماتيك , لا ينقط ولا يفتعل بركة ماء تحته كتلك التي يشهدها في باحة المدرسة , يرى ملابس اطفالها وهـي منشورة على الحبال ويسرح بأنه لو يستطيع الحصول عليها ليوم واحد فقـط ,,32شام

عندما أصفن بشبابيك المركز أرى الكراكيب المخبئة بين الحائط و الشبك ..

غالباَ ما يكون علب بلاستيكية كانت تحتوي على سائل جلي أو شامبو وبعض ملابس إحدى النساء الداخلية , في شبابيك مركز الإيواء ألوان مصفوفة لا تستطيع رؤيتها لو قررت أن تزور هذا الشخص بالصف الذي يسكنه لأنها مغطاه بستارة زيتية مقيتة ..

مـركز الإيواء هو المكان الوحيد الذي لا يمكنني تخيل صمودي به لشهر واحد ..

جاد مركز الإيـواء هو حلبة تتنافس عليها الهيئات الخيرية , والمؤسسات الإغاثية ..

اليوم سيزوره التلفزيون الرسمي لينقل رفاهية العيش المطلقة فيه .. ومصور فوتوغرافي سيأخذ صورة لطفل حصل على بالون من أحد المتطوعين ليتسابق مع الزمن وينزلها على صفحته الشخصيه في الفيسبوك ..

أنــأ أعرف هــذا المصور جيداً , لكني اعرف الطفل أكثر فهو كل يوم يلعب تحت منزلي وكل يوم يشتري بالون .. أطفال المراكز تعلّموا أن يمثلوا الفرحة ليُفرحوا جماعة الهيئات ..

عدس ورز مع سلطة هي طبخة اليوم في المركز , إم هانـي لا تحب أكل المركز فهي اخترقت القانون وهرّبت غاز صغير إلى غرفتها وتطبخ كل يوم لأطفالها وتناديني كـي أشاركها المائدة الصغيرة ,,

عندما تدخل لأي مركـز إيواء في هذه المدينة التي باتت تضيق بنا وكـأنها قبو صغير ل 500 لاجىء أول ما تستطيع تميزه هو رائحة المركـز …

((رائحة الحمامات المشتركة )) طبخة اليوم , و ريحة مسحوق الغسيل الذي تغسل به كل نساء المركز ..

علامة فارقة في كل المدارس هو الجمال المشرق من خصال شعر البنات ..

شام هي طفلة عمرها خمس سنوات , شعرها أشقر يشبه خيوط الشمس لم أرى شعر شام مسرحاً منذ أن نزحت هنا ولـم ارى وجهها نظيفاً أبداً , اعتادت شام أن تنزل إلى الحارة كل يوم لتلعب مع الاطفال المقيمين في الحـي وأن تتشاجر مع العسكري الذي يقف على باب المركز لأنها تحاول أن تدعوا الأطفال إلى الباحة كي يلعبوا معها وهـذا ممنوع !

شام طفلة جميلة جداً وكبيرة جداً رغم ضئالة حجمها وصغر سنها إلا أنها تستطيع أن تستفز كل من يفتح معها حديث أو يحاول أن يشعر بإنسانيته عن طريق اللعب بشعرها .. لا تحاول أبداً أن تشعر شام بأنك تحبها وأنت لا تعرفها ولا تلعب دور الإنسان امام شام لأنها قادرة أن تعريك تماماً بكامل براءتها ..

آخر ما قالته لي شام :- أنّ باحة المركز بشعة جداً وأنها تذكرها بدروس كانت تأخذها رغماً عنها , وأن الباحة مكان للنسوان السمينة و العجزة الذين يبحثون عن بقعة شمس .. قالت لي أنها تريد من العسكري أن يسمح لصديقاتها بالدخول كي يصدقوا أنها تعيش في المدرسة وأنها لا تستيقظ صباحاً وترتدي ( صدريتها) وتمسك يد امها لتقطع الشارع وتصـل .. وكـي يصدقوا أنها تعيش في المدرسة دون مديرة ولا معلمات . كانت تقول لهم هذا كل يوم وتريد أن يصدقوها .

تغريد محمد


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.