كورال الحنين .. التعافي بالغناء والفن

مع دخول الثورة السورية عامها الخامس، في ظل تفاقم مظاهر اللجوء والنزوح والدمار، ومع وصول عدد الضحايا لأرقام مهولة، وسط غياب أفق واضح للحل السياسي والعسكري، هل نبني ونؤسس كورالاً في الخارج، بينما يموت الناس في الداخل بشتى الأسلحة؟

جاءت الاجابة عن هذا السؤال خلال الجلسة الثامنة عشر لـ “منتدى المعرفة وحرية التعبير” في مدينة غازي عنتاب التركية، والتي أقيمت بالتعاون بين مجلة “سيدة سوريا”، وشبكة المرأة السورية، ضمن مشروع تغيير الصورة النمطية للمرأة السورية. وحضر الجلسة، سيدات “كورال الحنين”، أعضاء الفرقة التي تضم 22 سيدة سوريّة، ومديرة الكورال، رجاء بنوت، وبحضور مجموعة من السوريين المقيمين في المدينة. ويأتي ذلك في سعى المنتدى إلى التركيز على ثقافة الآخر المتمايز، وانطلاقاً من أن الثورة السورية جاءت للبناء وليس الهدم، وضرورة ألا ينسى السوريون حياتهم، لما يمثله الكورال من حالة تساعد على استعادة اللحمة بين مكونات المجتمع السوري المختلفة، إذ تقدم سيداته تراث السوريين الغني، تراث العرب والكرد والشركس والأرمن والسريان والتركمان وغيرها من المكونات التي تعيش على الجغرافية السورية.IMG_1064

استهلت رجاء بنوت حديثها بالإشارة إلى “غرابة مشروعهن، في السياق السوري العام وما طاله من إشكاليات، باعتباره مشروعاً غير مألوف وغريب، لأن حراك السوريين في معظمه يأخذ أشكالاً مدنية أو سياسية أو إغاثية أو غيرها من الأشكال”، لافتة إلى “تحمس الكثيرين لفكرة كورال الحنين، واعتبار آخرين أن الكورال هو استهتار بالوضع السوري وتجاهل لما يتعرض له السوريون من قتل يومي، بينما تمارس سيدات الكورال أدوار الرقص والغناء!”.

تأسيس الكورال.. الحلم والمشروع

أوضحت بنوت أن الفكرة استمرار لتأسيس “جمعية النهضة الفنية”، وهي جمعية أهلية غير خيرية، أسست إثر فتح النظام مجالاً ضيقاً بعد العام 2006، لتأسيس بعض الجمعيات التي سمّاها بالأهلية، بسبب خشيته من تسميتها بجمعيات مدينة، فكانت جمعية “النهضة الفنية” حالة نادرة في سوريا، بسبب غياب المجتمع المدني في سوريا طوال الحقبة الماضية، حيث مارست الجمعية نشاطات فنية مختلفة، مشيرة إلى أن التسمية “النهضة الفنية”، جاءت “بسبب حالة الانحطاط التي كنا نعيشها في الحالة السورية”.

وتقول إن “تأسيس الكورال جاء بدعوة من مجموعة أصدقاء خلال جلسة تمهيدية، وطرحت المبادرة التي لاقت تجاوباً مقبولاً، رغم الشك في النجاح، وكانت كل من (لواء أشقر، بتول عاشور، منى الأشقر، لميا زريق، سلام صديق، مها قدري، إيتان مصطفى)، الخلية التمهيدية أو التحضيرية للكورال”، وأضافت أن “الكورال تأسس في الـ 22 من شهر شباط عام 2015، مع حضور نساء من الداخل السوري، وغياب بعض المشاركات في مدينة غازي عنتاب بسبب الأحوال الجوية، ليبدأ الكورال في الوقت المناسب، فيما جاءت التسمية باختيار من السيدات المشاركات من الداخل السوري تحت مسمى، كورال الحنين”.

المترجمة والمنسقة في مجال الانتخابات والإعلام، ميديا شيخ أيوب، قالت: “أن أغني التراث السوري بكل تنوعه يعني أني أستحضر عذوبة (مي) الفرات وأسواق حلب ونواعير حماة وسيرانات دمشق وسهول حوران. وأن أغني التراث اليوم مع الكورال الذي يحتضن نساءً سوريات، بتنوع ثقافاتهن واثنياتهن ودياناتهن ومناطقهن، لهو العذوبة بعينها”.

وأضافت شيخ أيوب بالقول: “انضممت إلى كورال حنين بدعوة من إحدى الصديقات العضوات منذ شهر ونصف تقريباً. ما جذبني إلى هذه التجربة المتفردة أولاً هو تفاوت أجيال السيدات المشاركات، وإن كان معظمهن من جيل والديّ الذي احترم منبته الثقافي، وثانياً اجتماع السيدات على فكرة لا تمت للسياسة والتحزبات بصلة، وسعيهن الحثيث على تجاوز آلامهن، وهنّ الأشجار المقتلعة من جذورها، بالغناء .. الغناء للتراث الذي لم يفقد عراقته يوماً”.

وتتابع المنسقة الإعلامية قولها: “كورال حنين بالنسبة لي ملتقى بمجتمع سوري صغير يستند إلى علاقات اجتماعية بناءة قائمة على التأثير والتأثر، والأهم من ذلك أنه قائم على الدعم النفسي الذي يوفره تواجد النساء معاً، وتبادل همومهن الحياتية اليومية ومساعدتهن لبعضهن البعض.. بالنسبة لي هو عمارة في بلدة صغيرة في سوريا تدعى الطبقة، عمارة تضم جارات من كل أنحاء سوريا يجمعن فنجان القهوة الصباحي وأركيلة المساء، وهم الحياة والأولاد والبلد”. وعلى ما تقول، فان “نحو مئة امرأة شاركن في الكورال منذ تأسيسه، من خلال جلسات تدريب ومشاركات، إضافة إلى بعض التدريبات مع مؤسسة شبكة المرأة، وبمشاركة من ضيوف أجانب ونساء كانت تعانين من ظروف قاسية، إلا أنهن شاركن في الكورال عدّة مرات، فيما لم تُعجب بعض النسوة بتجربة الكورال أيضاً”.IMG_0999

الحفاظ على التراث

ويعمل الكورال ضمن خطة وبرنامج، يتمحور حول الحفاظ على التراث السوري النسائي الغنائي، الذي تتداوله النساء في جلساتهم الخاصة وفي الأعراس والمناسبات في كل المحافظات السورية، وحتى الآن غطى الكورال عدداً كبيراً من المحافظات، وبقيت فقط أربع محافظات يسعى الكورال إلى الوصول إليها. وتقول بنوت إن “الكورال أخرجنا من حالة الحرب والبعد عن الوطن والحزن، لأن ما حدث في سوريا يعتبر من الأزمات الكبرى التي شهدها العالم خلال القرن الواحد والعشرين حسب تقارير الأمم المتحدة”.

ومن خلال الكورال، يتم “التعرف على المكونات السورية واللغات غير العربية، كالكردية والشركسية والسريانية والتركمانية والأرمنية، إضافة إلى التعرف على المكون الفلسطيني، والذي هو من المكونات السورية أيضاً، ويملك تراثاً عربياً أصيلاً معروف بالجمال، إضافة إلى تقديم بعض النشاطات للدول المضيفة للسوريين، من خلال تقديم بعض الأغاني التركية”، حسب بنوت أيضاً.

وتشير إلى أن “تجربة الأغاني باللغات الكردية والسريانية والتركية وغيرها، تجربة فريدة، فلم يكن يخطر لأحد أن يتحدث بلغة غير العربية، وهذا كله كان نتاج السياسات الخاصة للنظام وغياب المهرجانات العامة عن ثقافة السوريين ومناطقهم، وافتقاد العمل الجماعي والغناء والفرح، فيما كانت المشاركات في المهرجانات التي يرعاها النظام تحتم على المشاركين مباركة القائد الخالد والحديث عن منجزات الحركة التصحيحية. وضمن هذا الظرف المعتم، والذي خرج السوريين لتغييره وما دفعوه من أثمان، كان لابد من الخروج بشيء خاص وغير تقليدي يدعو إلى سوريا الجديدة، وإلى تغيير الصورة النمطية عن المرأة السورية، خاصة وأن الإعلام العالمي صوّر الثورة السورية على أنها ثورة متشددين وقتلة وعلى أنها ثورة كل من “داعش” و “جبهة النصرة”، وأن النساء السوريات هنّ فقط النساء المغتصبات والنواحات، وعرض الجثث والضحايا، فكان لابد من الخروج من هذه الحالة، والتحلي بالقوة للوصول إلى البلد الذي نرغب في بناءه بطريقتنا الخاصة، ونحن في الكورال نمثل بعض السوريات، ولابد أن نُظهر طريقتنا في الحياة وكيفية تعاطينا مع الأزمة السورية”.

كورال مختلط

وأوضحت بنوت أنهنّ في الكورال “حاولن توسيع تجربتهن بضم الشباب والفتيات في كورال مختلط بمدينة عنتاب، ومحاولة تعميمها في مدن تركية أخرى وفي بلدان أخرى، وأن بعض المشاركات اللاتي يغادرن الكورال بسبب سفرهن إلى الدول الأوروبية، يعملن على نقل التجربة إلى الخارج وكذلك في الداخل السوري”.

لماذا الكورال؟، لماذا الغناء؟، الجميع يعلم أن الغناء هو التعبير عن الحالة الإنسانية، فقد كانت سوريا تشتهر بغناء المعابد قديماً، ثم “جاء الغناء الديني والصوفي والترتيل المسيحي، إضافة إلى الأغاني الجمعية التي تحفظ التراث والقيم وتؤكد على الهوية في المناطق المختلفة، ولأننا في الشتات لابد أن نحافظ على هذه الهوية، وغناء التراث السوري وغناء تراث المكونات غير العربية في سوريا هو شكل من أشكال البحث عن الهوية وشكل من أشكال التعبير عن الهوية أيضاً”، تضيف بنوت.

أما الصحفية المستقلة، زينة آرمنازي، فتقول: “التقيت منذ أربعة شهور بمجموعة من النساء يغنين أغان تراثية لم أسمعها منذ زمن ما قبل الحرب، وكانت غايتي في التعرف عليهن هو تكوين علاقات اجتماعية جديدة تلطف غربتي القسرية، كن يغنين في كورال اسمه (حنين)، اسم له نصيب يتعشق في قلب كل واحدة منهن، كن يمارسن عشق الأرض والوطن، ويغنين كلمات عربية وكردية وسريانية وآشورية، كل ما هو محكي ضمن بقعة علاقتنا بها الآن (حنين)”.

وتتابع آرمنازي “بت واحدة منهن، أخوض رحلة التعرف على سبع وأربعين ثقافة يضمها بلد جميل قديم وصغير، كان كورال حنين هو الثقافة الثامنة والأربعين، تلك التي تشترك بها كل السابقات لتعبر عن حقيقة ستبقى جميلة رغم كل التشويه، حقيقة أنهن سوريات، بكلمات تراثية يبكين دماء أبنائهن خلف الحدود، حيث ينظر الحنين، عشت معهن تجربة مختلفة جداً، عشت لأول مرة سوريتي، على بعد جيل وسهل تقع هناك سوريتي، عرفتها الآن من خلالهن، ما أصعب أن أحبها، وما أجمل أن أحبها، ولا يسعني إلا أن أقول لهن شكراً لكنّ، لأنكنّ عرفتموني على سوريا، عرفتموني على نفسي ومن أكون”.

وترى بنوت أن “الكورال هو تجسيد للعمل الجماعي وآلياته، وليس حالة تنافسية، ويستفيد من الخبرات المتوفرة لدى الأعضاء المشكلين للكورال. وفي هذه التجربة الجماعية، كانت قضية بناء الثقة والتعارف قضية مهمة جداً، فالمجموعة تضم نساء من معظم المحافظات السورية، كما يضم تشكيلة من الآراء المختلفة. وغياب هذه الثقة كانت سبباً في فشل تجارب مجموعات أخرى، لذلك لابد من أن تكون المجموعة التي ترغب في تنفيذ أي مشروع سياسي أو ثقافي أو مدني أو غير ذلك، أن تكون متجانسة وتتمتع بالثقة وتعمل وفقاً لمفهوم العمل الجماعي وحالة التماهي بين المسؤول والجماعة، وهذا الأمر لم نتمرن عليه في سوريا، التي كانت تنتشر فيها عقلية الفرد الواحد والخطيب الواحد والشخص الواحد أو الرجل الواحد غالباً، وهذه ثقافة ليست جديدة، لأنها ثقافة المنطقة منذ القدم”.IMG_1091

وفي تعليقها، قالت الناشطة والمعتقلة السابقة، هناده فيصل الرفاعي، إن “كورال حنين، هو كورال لنساء سوريات تغنين التراث بعيداً عن الدمار، واللاتي يعملن في العديد من الاختصاصات العلمية، ويهدف إلى إحياء التراث الموسيقي في مختلف المناطق السورية، باللهجات المحكية واللغات المحلية”. وتضيف الرفاعي بالقول: “أشارك دائماً في التدريبات وورشات العمل والاجتماعات السياسية والحزبية التي تكرر نفسها طوال الوقت، دون أن نشعر أننا نحقق شيئاً لسوريا، لكن وفي الكورال التقيت بسيدات رائعات ومثقفات، ومعاً نشعر أننا أسرة واحدة ولليس مجموعة أعضاء في حزب نتنافس ولا نعرف بعضناً جيداً، وبالغناء والموسيقا سنستقبل النصر والتحرير لسوريا”.

أما خصوصية المشاركات في الكورال، فتأتي من كونه يتكون من “نساء متوسطات في العمر، اجتمعن بعد حالة التشرد والحزن جراء الحرب التي عصفت بالبلاد، وأن التجربة تمكنت من دمج جيلي الشباب مع الجيل الأكبر منه، ليتمكن الجيلان من تقديم حالة من العمل الجماعي للوصول إلى هدف ما وتحقيق نتيجة ما”، وفق الرفاعي التي ترى أنهن “واجهن مشاعر صعبة جداً في محاولة للغناء والتعافي بالفن، كي يكن قادرات على المشاركة في مرحلة أخرى من مستقبل سوريا، وتعرضن للكثير من الصعوبات، التي شكّلت بحسب المشاركات فرصاً لإيجاد حلول سريعة بدلاً من الفشل”.

واختتمت رجاء بنوت بالقول: “شارك الكورال في عدّة فعاليات ونشاطات في مدينة عنتاب بالتعاون مع عدّة مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني، لتقديم حالة أخرى مختلفة عن حالة الحرب التي تعيشها البلاد، وتقديم صورة مختلفة عن الصورة النمطية للمرأة السورية خلال الثورة. ومن بينها مشاركة الكورال مع مجموعة من الهولنديين في عنتاب أثناء ندوة خاصة لتنظيم الأسرة. كما ساهم الكورال في رفع الوعي حول المحنة السورية من خلال المشاركات والرسائل التي وجهتها المجموعة لوسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية”.

مجيد محمد


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.