إلى أين ستفضي التحالفات؟ كرد سوريا الباحثون عن الهوية

هل كان سيتغير الأمر لو أني استجبت لنبض قلبه، وقايضت ولو جزءاً من خارطة بلدي بحبه؟ أم كنا سنصل إلى حافة الهاوية عندما قال لي (سيكون لي وطن)؟ أنا العربية السورية، وهو الكردي السوري، نحن الصديقان اللذان عرفت شوارع دمشق القديمة خطانا، وسمعت الحيطان ضحكنا المحموم، جُلْنا المدينة مع ثلة أصدقاء كانوا جميلين، ومتهورين، وصادقين، لم نتحدث يوماً عن أصولنا، ولم نهتم للأمر، لم نسرد شيئاً عن الجغرافية، جغرافيتنا المحتملة التكوين.10-11-12إلى أين ستفضي التحالفات؟ (4)

ربما نام الكلام في قيعاننا، ولم يستفق إلا عندما انتفض السوريون معلنين ثورتهم ضد الظلم والطغاة والديكتاتورية بجميع أشكالها. الكثير من السوريين من مختلف الأعراق والقوميات والأديان والطوائف انتفضوا، لكن بعضهم اختبأ خلف قوميته. بعد سنين من الاغتراب التقيت وصديقي عبر الصفحة الزرقاء، فرحنا، تذكرنا، تحدثنا حتى عن فساتيني ولون شعري، وريح الشتاء، وحتى عن لوحاته التي جالت صالات عرض عديدة، وآخر سلام بيننا بالقرب من طالع الفضة وكنيسة المريمية.

بعد اللقاء الافتراضي امتد الحديث بيننا، ودارت رحى الكلام أكثر، سألته: أينك الآن؟ أجابني: في السليمانية. ضحكنا كتابة، واختلفنا كتابة أيضاً عندما قال لي: (سيكون لي وطن). هناك وطنه، شمال الخارطة السورية من شرقها إلى غربها. انتصر الألم على المزاح، استنكرت التقسيم الذي يحلم به، وأبلغته: (إذن شامنا لن يدخلها من ينشد وطناً آخرَ يقتطعه من جسد السوريين كلهم). قال: (لا أستطيع أن أبقى بعيداً عن دمشق التي احتضنت كلّي)، لكني وبلغة صارمة أكدت أن دمشق لا تريد من يتخلى عنها.

صديقي السوري قبل الثورة، صديقي الكردي الآن، هل يعرف نشيده الكردي الذي كتبه الشاعر دلدار قبل موته في أحد معتقلات إيران عام 1938؟ صديقي الذي هو الآن على مفترق طريق الهوية، هل أنشد ذات يوم:

أيها الرقيب، سيبقى الكرد بلغتهم وأمتهم باقون للأبد

لا تقهرهم ولا تمحوهم مدافع الزمان

نحن أبناء اللون الأحمر، أبناء الثورة

تمعّن بماضينا المخضب بالدماء

نحن أبناء الميديين وكيخسرو،

ديننا إيماننا هو الوطن

قضية الكرد.. القضية الكردية

القضية الكردية كانت وما تزال مثار جدل وجدال منذ أن برزت بداية القرن العشرين، وقد اعتبر التغاضي عن معاهدة سيفر 1920، ومعاهدة لوزان 1923 تناسياً لحقوق الكرد الذين يتوزعون في أربع دول ذات موقع جيوسياسي مهم، وفي مناطق غنية بالماء والبترول والغاز والمعادن، تلك المناطق التي عرفت منذ التاريخ القديم حروباً ونزاعات، فانتهت حضارات ونشأت حضارات جديدة فيها، كما عرفت أدياناً كثيرة، وسكنتها شعوب مختلفة عرقاً واثنية وديناً.

لا يستطيع أي أحد إنكار حق الكرد بهوية ولغة وإرث، وهم الذين عانوا من التهميش، ومن محاولات الإلغاء على يد كل الذين حكموا ويحكمون البلاد بالنار والحديد. غير أن هذا الحق مجال شد وجذب، سواء من سكان المناطق المنتشرين فيها، أو من قبل الدول الكبرى التي تستخدمهم كورقة ضغط، تلوح بها في ظروف تاريخية معينة. وفي ذات الوقت لا يمكن لمن يؤمن بوحدة الأرض والشعب على اختلاف قومياتهم أن يندد بأي مطالب انفصالية، وهو ما يسعى إليه الكرد المطالبين بإقامة دولة كردستان، والتي تضم منطقة جغرافية واسعة تمتد بين تركيا والعراق وإيران وسوريا وأرمينيا، وكردستان التي تقدر مساحتها بحوالي 409,650 كم2 هي منطقة جبلية ذات حدود طبيعية، تحدها من الغرب جبال طوروس والهضبة العليا لما بين النهرين، والجزيرة وجبال ماردين السفلى، وشرقيها تقع سلسلة جبال كردستان بين بحيرة أورمية وبحيرة وان، وفي الجنوب الشرقي تقع جبال زاغروس.

خارطة كردستان الكبرى ستلتهم مساحات واسعة ومهمة من أربع دول (تركيا، العراق، سوريا، إيران)، وتقضم معها أحلام 10-11-12إلى أين ستفضي التحالفات؟ (2)الوحدة، تقوض حدوداً عديدة، لكنها من جهة أخرى تنهض بأمل الكرد بوجود وطن لهم، وهو كردستان التي يؤمن بها كل قومي كردي، لكن يبدو أنه إلى الآن لم تتوافر الظروف الدولية التي ستساعد الكرد في إقامة دولة لهم، وكل ما حققه الكرد حتى الآن هو حكم محلي ضمن إقليم كردستان الذي ما يزال يتبع العراق جغرافياً وسياسياً، حيث أن تركيا لم تسمح لكردها، ولا سوريا أيضاً؛ بحكم محلي للأكراد في المناطق التي ينتشرون فيها ضمن حدودهما، خاصة وأن العرب يشتركون مع الكرد في مساحات جغرافية واسعة.

إقليم في العراق

من شمالي العراق بدأ الكرد بتحقيق جزء من حلمهم الكبير، وما ساعدهم في ذلك الحرب التي شنتها دول التحالف الـ49 على العراق عام 2003، وبات إقليم كردستان العراق (أربيل، السليمانية، دهوك) يتمتع بحكم ذاتي برئاسة مسعود برزاني، تحد ذاك الإقليم إيران شرقاً، وتركيا شمالاً، وسوريا غرباً، وبقية مناطق العراق جنوباً، عاصمته أربيل أو “هولير”، وحسب الإحصائيات يبلغ عدد سكانه خمسة ملايين يتوزعون على مساحة 40 ألف كم2، وعلى الرغم من اشتعال الثورة الكردية المسلحة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ غير أن الاعتراف بهم رسمياً في العراق لم يتم إلا بتوافق دولي، ولن تنفصل كردستان عن العراق بشكل كامل وتعلن دولة إلا بقرار دولي كذلك، فالتصريحات التي أدلى بها مسعود بارزاني منتصف عام 2014 حول إجراء استفتاء لتقرير مصير إقليم كردستان بانفصاله عن العراق أثارت حفيظة عدد من دول العالم، وترحيباً من قبل إسرائيل، حيث أبدى نتنياهو دعمه لمنح الإقليم استقلاله، وذلك في إطار الجهود التي تهدف إلى تأسيس محور إقليمي لمحاربة التنظيمات الإسلامية الجهادية، في ظل وجود ثلاثة أحزاب رئيسة هي: الحزب الديمقراطي الكردستاني، والمنشق عنه حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وحزب حركة التغيير “جوران”، وغيرها من الأحزاب الكردية الإسلامية.

لم تتوانَ حكومة كردستان العراق عن إقامة علاقات مهمة مع إسرائيل التي دعمت الإقليم، حيث قال نتنياهو: (الكرد شعب مناضل أثبت اعتداله السياسي، وهذا الشعب يستحق استقلالاً سياسياً)، وهو ما رفضته تركيا وإيران انطلاقاً من رفضهما تقسيم العراق، والأعمق من ذلك انطلاقاً من مخاوف الدولتين من تصعيد مطالب الكرد الأتراك والكرد السوريين والكرد الإيرانيين، فالمنطقة لن تحتمل المزيد من التقسيمات التي ستضعف كل الدول التي توجد فيها أعداد كبيرة من الكرد. إيران الملالي وسوريا البعث وقفتا إلى جانب كرد العراق وهمّشتا كردها، فكانتا ومنذ نهاية سبعينيات القرن الماضي تستقبلان القيادات الكردية العراقية، وتمدهم بالدعم اللوجستي، لكنهما كانتا توغلان في تهميش كردها، وحرمانهم من أبسط حقوقهم، وسحب الجنسية من عدد كبير منهم، وهو ما زاد من احتقان الكرد بشكل عام.

صراع الدم في تركيا

لم تفلح الحركات الكردية التركية – ومن بينها المسلحة – من تحقيق أي إنجاز، فالخسائر التي تسبب بها على مدار أكثر من 30 عاماً في صفوف المدنيين وفي تدمير المباني لم تجدِ نفعاً، وسياسة العنف التي تبناها حزب العمال الكردستاني لم تصل بهم إلى مرادهم، وكان البديل الوحيد العمل السلمي الذي أفضى عام 2005 إلى نتائج أكثر إيجابية، حينما أعلن حزب العدالة والتنمية عن مصالحة سيجني ثمارها الطرفين الممثلين بالكرد من جهة والحكومة من جهة ثانية، وبما يعود على تركيا بالنفع، وهو ما أيده زعيم الحزب المسجون في تركيا عبدالله أوجلان عام 2014، وعليه أوقف العمال الكردستاني المحظور أصلاً (الذي تصنفه تركيا وأمريكا والاتحاد الاوروبي كحزب إرهابي) عملياته المسلحة بناء على توقيع اتفاقية مع الحكومة التركية، ومن قبله تم حظر حزب السلام والديموقراطية الذي كان قد تأسس عام 2008، فيما استمر حزب الشعوب الديموقراطي بعمله السياسي.

كرد سوريا إلى أين؟

منذ أكثر من 20 عاماً غنى سميح شقير (لي صديق من كردستان/ صوته في البال كاشتعال النار في نيروز فوق هامات الجبال/ غني يا شيفان غني للذي سوف يجيء) لصديقه الفنان الكردي شيفان برور بعد المذبحة التي تعرض لها الكرد في حلبجة، فيما غنى شفان (سلام من صبا بردى أَرق/ ودمع لا يكفكف يا دمشق) مع انطلاق الثورة السورية ربيع 2011.

الأغنيتان دغدغتا مشاعر محبي السوري سميح شقير والكردي شيفان، ولم تترتب على تلك المشاعر مشاعر أخرى كالتي بدأت تتكشف عندما أعلن بعض الكرد السوريين عن رغبتهم بانفصال “بإقليمهم” عن سوريا، على الرغم من وجود عدد كبير من العرب بينهم.10-11-12إلى أين ستفضي التحالفات؟ (1)

في سوريا الحال مختلف، حيث يعيش الكرد معاناة حقيقية منذ عام 1962، وهو العام الذي تم خلاله تنفيذ مشروع الإحصاء الذي حرم آنذاك أكثر من 70 ألف كردي من الجنسية السورية، بدعوى أن أصولهم غير سورية، واليوم بات عددهم أكثر من 250 ألفاً غير أنهم مكتومي القيد، أو من فئة “البدون”، وهؤلاء جميعهم فقدوا حقهم في التعليم والعمل والتملك والطبابة والسفر والاحتفال بأعيادهم، والاحتفاء بالشخصيات التي يقدّرون، فأصبحوا غرباء في بلدهم، يعيشون صراع الوجود والهوية بحق، وتمارس عليهم سياسة الإقصاء.

حين أعلن الشعب السوري الثورة على النظام المتحكم بأجهزة الدولة منذ استلام حافظ الأسد الحكم بداية السبعينيات، لم يتوانَ الكرد عن المشاركة في المظاهرات، وفي إعلان وقوفهم إلى صف السوريين، على الرغم من الاتهامات التي كالها كثيرون إلى بعض الأحزاب الكردية التي هدفها انفصالي. فمنذ إعلان الكرد اصطفاف أغلبيتهم مع الثورة زاد عدد الأحزاب الكردية في سوريا فوصل إلى 36 حزباً، بعضها مسلح، وأهم الأحزاب الكردية في سوريا حزب الاتحاد الديمقراطي الذي أسس وحدات حماية الشعب العسكرية، الحزب الديمقراطي الكردي، حزب اليسار الكردي، الحزب الديمقراطي الكردي السوري، حزب اليكيتي الكردي، فما الذي ستجنيه تلك الأحزاب غير المرخصة أصلاً.

كثيرة هي الاتهامات الموجهة لكرد سوريا حالياً، بدعوى نزعتهم الانفصالية، لكن لا يمكن القول إن الجميع كذلك، ما عدا حزب الاتحاد الديموقراطي المتهم حتى من قبل الكرد أنفسهم، خاصة وأن علاقته وطيدة مع النظام كما صرح رئيس المجلس الوطنيّ الكرديّ في سوريا إبراهيم برّو خلال حوار “المونيتور”، مضيفاً: “المطلب الفيدرالي هو الضمانة الوحيدة لضمان حقوق كلّ مكوّنات الشعب السوريّ القوميّة والمذهبيّة والدينيّة. وبعد كلّ هذا القتل والتدمير، لا يمكن لسوريا أن تكون مركزيّة مثل العهود السابقة. وأعتقد أنّ هناك مستقبلاً جيّداً لمناطقنا الكرديّة في حال اتّفاق المجلس الوطنيّ الكرديّ وحزب الاتّحاد الديمقراطيّ، وستكون هناك مكاسب كثيرة لشعبنا في مناطقه، وإن لم يتمّ الاتّفاق، ستكون لدينا خيارات أخرى للعمل داخل المناطق الكرديّة”. إذن ليست كل الأحزاب انفصالية، وليس كل الكرد كذلك، بعضهم لا يتخيل أنه سيكون غير سوري، وربما صديقي أحدهم.

في مناطق شمال سوريا يعيش السكان على اختلاف قومياتهم وأديانهم، هناك حيث العديد من القوى المسلحة (الجيش الحر، جبهة النصرة، داعش، التنظيمات الكردية) المدعومة من عدة دول ومنظمات، والتي بقوة السلاح تفرض هيمنتها، وضمن الاستقطابات الحاصلة في شمال سوريا؛ كثيرون لا يعرفون إلى ماذا سيؤول اليه الوضع، خاصة وأن بعض المناطق الكردية قد تم إعلان الحكم الذاتي فيها، سواء في عفرين (مسقط رأس صديقي) وعين العرب “كوباني” والجزيرة، اللتين تم ربطهما من قبل الحزب الكردي السوري، فأثارت تلك الخطوة حفيظة ومخاوف العرب والتركمان الذي يسكنون في تلك المنطقة، وما تزال دائرة المخاوف تتسع بسبب ما تقوم به وحدات حماية الشعب الكردية، حيث بدأت بتوسيع نفوذها مسيطرة على منطقة تل أبيض الواقعة شمال الرقة مدعومة بقوى التحالف، ومع ذلك القوى الدولية ومن بينها تركيا والولايات المتحدة ضد وجود إقليم كردي كالذي سمحت به في العراق.

لا أعرف إن كان صديقي العفريني المولد، الدمشقي الهوى يؤيد ما يحدث، ولا أعلم إن كان سينشد ما كتبه ذات يوم دلدار:

انتفض شباب الورد مثل السباع

كي يسطروا بدمائهم تاج الحياة

نحن أبناء الثورات والدم الأحمر انظروا إلى تاريخنا المليء بالدماء

شباب الكرد على أهبة الاستعداد دائماً للتضحية بأرواحهم

لا يقل أحد أن الكرد زائلون، إن الكرد باقون

باقون كرايتنا الخفاقة الشامخة إلى الأبد

كل ما أتمناه أن يبقى سورياً، وأن يحصل هو وجميع الكرد على حقهم في العيش بكرامة، وأن يمارسوا الديموقراطية في بلد واحد اسمه سوريا، لا تقتطع منه أرض، ولا تبنى فيه جدران، لأن الانقسام بقوة السلاح يقود إلى الضعف. ما يزال كل ذلك رهن المستقبل، وقيد التحالفات المحلية الدولية، والدولية الدولية، لكن هل سيتم ذلك والكرد أنفسهم منقسمون فكراً وعقيدة وإيديولوجية وعَلَماً؟ وهل سيقبلون بدعم الشيطان لهم ممثلاً بإسرائيل، وهي التي لديها أمل بأن ينفصلوا عن سوريا الأم، خاصة وأن دعواتها وجدت آذاناً كردية صاغية؟ وهل سيكون بإمكان الكرد أن يثبتوا للعالم أنهم أحرار بحق. والحر لا يبغي، ولا يستعبد الناس

رائدة كريم

.

أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.