جنوب أفريقيا المصالحة بعد عقود من سياسات الفصل العنصري

تفيد العديد من التجارب التاريخية بأنه خلال الفترات الانتقالية التي تأتي بعد زوال أنظمة الحكم الديكتاتورية، وخاصة في البلدان التي تشهد انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، تبدأ القوى والمجتمعات المحلية في هذه الدول بمرحلة المصالحة والبدء بلم شتاتها ومعالجة الانقسام والتشرذم الذي أصابها. وتنشأ على أساس هذه المصالحة علاقة قائمة على التسامح والعدل بين الأطراف السياسية والمجتمعية بهدف طي صفحة الماضي وتحقيق التعايش السلمي بين كافة أطياف المجتمع. ويتم خلال هذه المرحلة إحلال السلم والإصلاح والتعويض عبر البحث والتقصي عن الحقائق وجمع الأدلة والبراهين، وتنشأ لجان مصالحة بموجب قوانين، لفترات مؤقتة، وتقوم بتحقيقات غير قضائية في فترة قصيرة تجمع خلالها الأقوال وتقوم بتحقيقات وتبحث عن الجرائم التي ارتكبت في أثناء فترة النزاع.13-14جنوب أفريقيا

وفي الحقيقة استطاعت تجارب عديدة تجاوز هذه الفترات الصعبة والعودة لمجتمع متصالح، كما في حالة جنوب أفريقيا، التي شهدت مرحلة انتقال ديمقراطي بعد عقود من نضال السود ضد الهيمنة البيضاء. وبذلك طوت جنوب أفريقيا صفحة سوداء قوامها خمسة عقود من سياسات الفصل العنصري في البلاد مع وصول نلسون مانديلا إلى السلطة، وهي مرحلة اتسمت بأقسى أنواع القهر الذي مورس ضد السود في البلاد. فعندما انتقل مانديلا للعيش في مدينة جوهانسبرج عام 1941، وجد نفسه لأول مرة وجها لوجه مع نظام الفصل العنصري “الأبارتهايد”

. وشهد الضواحي التي كانت مخصصة للأغلبية السوداء، والاهانة التي تعرضوا لها، واصفاً الفقر هناك بأنه لم ير مثله من قبل. وكانت جنوب أفريقيا هي الدولة الوحيدة التي تقر سياسة “التنمية المنفصلة”، أي الفصل بين الأعراق، وتحديداً بين السود والبيض، في نظام عنصري تمسك به الحزب الوطني في “بريتوريا”، التي كانت حينها عاصمة البيض الذين يتحكمون بمصير السود.

ومن الاجراءات العنصرية التي أقرها نظام الفصل العنصري إصدار قانون يمنع الزواج بين الأعراق في العام 1949، وقانون يمنع العلاقات الجنسية بين أشخاص من أعراق مختلفة في 1950، تم تنفيذه من خلال قانون تسجيل السكان، الذي صنف سكان البلاد إلى أربعة أعراق بحسب لون البشرة (البيض والهنود والخلاسيون والسود). كذلك أصدر قانون السكن المنفصل (قانون مناطق المجموعات)، ليتم إزالة أحياء من أجل إبعاد السود إلى مدن صفيح نائية، حيث تم طرد أكثر من ثلاثة ملايين شخص وصودرت أملاكهم ومزارعهم، وتم منحها إلى مواطنين بيض. وقد دفعت هذه السياسيات السود في العام 1955، إلى القيام بعصيان مدني، بقيادة “المؤتمر الوطني الافريقي”، رافقه تحول بعض أقسام المعارضة السوداء إلى العمل المسلح، الذي رفضه المؤتمر ومانديلا. وتعاظمت ضغوط الأسرة الدولية على جنوب أفريقيا بسبب نظامها العنصري، وفرضت عليها العقوبات الاقتصادية، ما دفع النظام إلى إلغاء القوانين العنصرية تدريجاً من ثمانينات القرن الماضي، إلى أن زالت السياسات العنصرية مع أول انتخابات متعددة الأعراق في العام 1994، حين وصل مانديلا الى السلطة.

تقع دولة جنوب أفريقيا في جنوب القارة الأفريقية، تحدها من الشمال ناميبيا وبوتسوانا وزمبابواي، ومن الشرق موزمبيق والمحيط الهندي، ومن الجنوب المحيط الهندي، ومن الغرب المحيط الأطلسي. يبلغ تعداد سكانها حوالي 48 مليون نسمة، نحو 80% من السود، والبقية يتوزعون بين البيض (9%) والمختلطين والهنود والآسيويين. وأكثر من 79% من السكان مسيحيون (غالبيتهم بروتستانت). وتعد جنوب أفريقيا، اليوم، واحدة من الدول المتقدمة علمياً والصاعدة في مقياس التقدم الاجتماعي والاقتصادي، وأحد أهم أسباب هذا التقدم هو المصالحة التي تمكن قادتها من تحقيقها عبر الصفح عن المتجاوزين إبان نظام الفصل العنصري. وهنا يرى البعض أن المصالحة لا تعني تصالح القوى السياسية مع بعضها، وإنما هذه المصالحة تحصل بين أبناء المجتمع الذي عانى من أزمات في العلاقات بين مكوناته الاجتماعية أو العرقية أو الدينية وحتى الطبقية، وإنهاء حالة العداء والعنف وانعدام الثقة بين الفرقاء والانتقال إلى مجتمع قائم على الوئام وفق قوانين وأسس جديدة.

لكن يمكن التوضيح أنه بعد ثلاثين سنة من الصراع المسلح 1960-1990، الذي قاده “حزب المؤتمر الوطني الإفريقي” ضد نظام التمييز العنصري دخلت البلاد هذه المرحلة في العام 1990، وذلك بعد وصول زعيم الأقلية البيضاء فريديريك دو كليرك إلى السلطة؛ حيث رفع دو كليرك الحظر عن نشاط “حزب المؤتمر الوطني”، وأطلق سراح زعيمه نلسون مانديلا بعد 27 سنة من السجن. وأعد دو كليرك ومانديلا مخططًا انتقاليا، وتم تبني دستور انتقالي سنة 1993، ثم نُظِّمت انتخابات سنة 1994، فاز بها “المؤتمر الوطني الإفريقي” وانتُخب مانديلا رئيسا لجنوب إفريقيا. ويفيد التذكير هنا أنه وبفضل نجاح المفاوضات بين مانديلا و دو كليرك، وهو آخر رئيس لنظام الفصل العنصري، حاز الرجلان جائزة “نوبل” للسلام في 1993.

وفي العام 1993، كانت قضية العفو عن مرتكبي الجرائم الخطيرة خلال الفترة الماضية من أهم نقاط المفاوضات حول 13-14جنوب أفريقياالانتقال الديمقراطي، وقد توصل الطرفان إلى تسوية ترى أن العفو يمكن أن يتم بالنسبة للأعمال الإجرامية التي تمت بهدف سياسي وكان لها علاقة بنزاعات الماضي. وصادق برلمان جنوب إفريقيا منتصف العام 1995، على قانون دعم الوحدة الوطنية والمصالحة الذي أسس للجنة الحقيقة والمصالحة. وبالرغم من أن “النجاح الحقيقي” بدأ قبل تأسيس لجنة المصالحة بالاتفاق على الانتقال السياسي، غير أنه بفضل تلك اللجنة، التي كانت مستقلة وليست أداة بيد السلطة، عُرف جزء مهم من الحقيقة، وترسخ الانتقال الديمقراطي. وقد كان من عوامل نجاح اللجنة توازن القوى في المجتمع واتفاق المعتدلين من الجانبين على حل وسط ينهي النظام القديم ويؤسس لنظام جديد مع وعد بالعفو عن جلادي الماضي شريطة مساهمتهم في كشف الحقيقة.

والواقع أن الاستعداد للعفو والتسامح كان عاملاً بارزا في التوافق بين الأطراف في جنوب أفريقيا، وهنا يمكن الحديث عن دور مانديلا الذي استطاع أن يقود بلاده نحو التحول لدولة ديمقراطية متعددة الأعراق، وفى سبيل إنجاح هذا التحول دفع بكل جهده نحو عملية مصالحة اعتبرت الأنجح على مستوى العالم، ونموذجاً يحتذى به عند الحديث عن تجارب التحول الديمقراطي. وخلال فترة رئاسته واجه مانديلا أزمة حادة عندما، واشتد عليه الضغط الشعبي ليحاسب كل أرتكب جرائم ضد المواطنين السود الأبرياء، لكنه استطاع عبور الأزمة وحسم الأمر عن طريق تكوين “لجنة المصالحة”، ووضع، بالاشتراك مع القس ديزموند توتو، مواطنيه أمام خيارين إما التعلق بالماضي أو النظر للمستقبل، وقد فضل مانديلا المصارحة والمصالحة على المحاكمات والمصادرات والمصادمات الدامية.

كذلك لا يمكن نسيان دور ديزموند توتو، الذي كان مناهضاً لنظام الفصل العنصري، ومواصلاً دعوته إلى التسامح والعدل. وكان توتو كبير الأساقفة الأنجليكانيين في كيب تاون وناشطاً بارزاً في مجال حقوق الإنسان في أواخر القرن العشرين، وقام بدور محوري في سقوط النظام العنصري ثم عمل لاحقاً على مداواة جراح مجتمع جنوب إفريقيا. وبدأ توتو منذ سبعينيات القرن الماضي يحضر اجتماعات “حركة الوعي الأسود”، وهي إحدى التنظيمات الداعية إلى حقوق السود في جنوب أفريقيا، لكنه عرف بتأييده للنضال السلمي، وبقدر معارضته سياسة “الأبرتهايد”، فانه كان يرفض الردود الانتقامية للسود ضد هذه السياسة.

أحمد محمد


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.