بين الحرب الأهلية الأمريكية وانهيار الاتحاد السوفياتي كيف أثر الحدثان على واقع الدولتين؟

شكلت قضية “الانتقال الديمقراطي” مبحثاً رئيساً في علم السياسة منذ سبعينات القرن الفائت. ويعد هذا الانتقال عملية معقدة بطبيعتها، تتداخل في تشكيل مساراتها ونتائجها عوامل عديدة، داخلية وخارجية، وقد تكون مصحوبة بمرحلة جديدة تتمثل في ترسيخ النظام الديمقراطي، وقد لا يترتب عليها قيام نظام ديمقراطي في مرحلة ما بعد الانتقال، وربما يتخلل هذا الانتقال حدوث انتكاسة تقود إلى نشوب صراع داخلي أو حرب أهلية أو ظهور نظام تسلطي جديد. وعادة يكون الانتقال الديمقراطي نتاجاً لعوامل متداخلة بعضها جوهري والآخر ثانوي، داخلي وخارجي، بعضها يتعلق بالعوامل البنيوية الموضوعية (الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتاريخية والدينية) التي تشكل بيئة الانتقال، وبعضها الآخر يتصل بالفاعلين السياسيين من حيث هوياتهم واختياراتهم واستراتيجياتهم.17-18-19بين الحرب الأهلية الأمريكية وانهيار الاتحاد السوفياتي (2)

عرفت بعض الدول دساتير ديمقراطية، ومن ثم تحولت تلك المبادئ الديمقراطية إلى حبر على ورق، وخير مثال على ذلك ما جرى في الولايات المتحدة الأمريكية، التي مرت بمراحل حرجة هددت وحدة الدولة جراء الحرب الأهلية في البلاد (1861 – 1865)، وهي كذلك الحرب التي دفعت الولايات المتحدة إلى مرحلة تحول ديمقراطي خلصتها نسبياً من أزمات كبيرة كانت تعانيها قبل الحرب. ففي عام 1787، تمت صياغة المواد السبع الأولى لدستور الولايات المتحدة وتم إقرار هذه المواد سنة 1789، وقد وفقت هذه المواد بين السلطة الفعلية والحرية الفردية. فالولايات المتحدة التي واجهت بجيشها الوليد والموحد، الجيش البريطاني بهدف الاستقلال حتى نالته، قامت بصياغة الدستور بشكل يضمن نوعاً من التوازن الدقيق بين الولايات المختلفة آخذا في الاعتبار أحجامها المختلفة بشكل مثّل سابقة فريدة من نوعها في الأنظمة السياسية التي كانت سائدة في العالم الحديث، وقد تغلبت على كافة المصاعب بمرور الوقت، ولكنها لم تستطع وقاية نفسها من “كارثة” الحرب الأهلية، والتي بدأت شرارتها لأسباب اقتصادية اجتماعية.

ويجمع معظم المؤرخين على اعتبار العبودية السبب الأساسي وراء اندلاع الحرب الأهلية، فلقد كانت التركيبة الاقتصادية والاجتماعية الأميركية تختلف عن مثيلاتها في العالم، فولايات الشمال القوية كانت تعتمد في الأساس على القاعدة الصناعية فيما كانت ولايات الجنوب تعتمد على الزراعة في الأساس، وقد نتج عن ذلك اعتماد مباشر على العمالة التي لم تكن متوفرة بيسر بين أبناء طبقة ملاك الأراضي، وبالتالي ظهر توجه للاعتماد على الرق لزراعة الأراضي. وتشير إحصاءات تاريخية إلى أن حجم العبيد الأميركي عند الاستقلال لم يتخط السبعمائة ألف، ولكن هذا الرقم قفز إلى حوالي مليونين بحلول عام 1830، ثم إلى قرابة 4 ملايين في عام 1860. وفي حينها، أعلنت إحدى عشرة ولاية في الجنوب، تحت قيادة جيفرسون ديفيس، الانفصال وأسست الولايات الكونفدرالية. وأعلنت هذه الولايات الحرب على اتحاد الولايات المتحدة، والتي كانت تساندها “كل الولايات الحرة وولايات الرقيق الخمسة التي تقع على الحدود”. وبدأ القتال في 12 نيسان 1861، واستمر لنحو أربع سنوات، حيث انهارت المقاومة الكونفدرالية بعد معركة محكمة “أبوماتوكس” في 9 نيسان 1865.

ومع انتهاء الحرب الأهلية أصبح على الرئيس لنكولن ومعه الكونغرس أن يدخلا في معركة إعادة بناء الدولة سياسياً واقتصادياً. فبالنسبة إلى لنكولن، لم تكن الولايات الكونفدرالية المنشقة عدواً (الجنوب)، بل كانت فئة ضالة وجبت إعادتها إلى صوابها داخل الاتحاد. وقد بدأ الرجل باتخاذ خطوة مهمة للغاية، وهي إعلان العفو العام في الدولة عن كل من يلقي سلاحه ويعود للاتحاد، ثم أصدر قرارا بتحرير الرقيق، بل ووافق على انضمام الرقيق إلى الجيش الاتحادي، ولكن هذا الأمر تغير بعدما تقرر تشكيل لواء من السود، الذي عرف باسم “ماساتشوستس 54″، وحارب هذا اللواء في إحدى المعارك بمدينة شارلستون في تموز 1863، ومات أكثر من نصفه في المعركة، وأبرز اللواء شجاعة كانت محل احترام الجميع. وقد كانت خطوة لنكولن هذه مهمة جدا لإرساء المبدأ الأساسي الذي كانت ستسير عليه الولايات بعد هزيمة الكونفدرالية المتمسكة بالرق، فلقد حسم جذور المشكلة بشكل لا مجال للتغيير فيه مستقبلا، ومن ثم، فإن عملية عودة الرق للجنوب صارت أمراً منتهياً، ولكن الواقع بعد الحرب الأهلية كان صعباً، فقد خرج ما يقرب من 4 ملايين من ذوي البشرة السوداء من الرق إلى الفقر والبطالة، وكثير منهم لم يكن لهم المأوى، وأصبحت هذه أول مشكلة تواجه لنكولن بعد الانتصار العسكري، ولذلك أنشأ مكتبا لتولي شؤون العبيد المحررين لرعايتهم المؤقتة.

وفي تعليقه على نتائج الحرب الأهلية، يقول المؤرخ العسكري البريطاني جون كيغان، الذي سبق له أن قدّم عملين ضخمين عن “الحرب العالمية الأولى” و”الحرب العالمية الثانية”، وكرّس كتابا للحرب الأهلية الأميركية، إن تلك الحرب كانت ذات أهمية كبيرة بالنسبة لمسألة المساواة في الحقوق بين البيض والسود وكذلك حول العلاقات بين الرجل والمرأة باتجاه “قدر أكبر من المساواة”. ويناقش المؤلف على مدى العديد من الصفحات تأثير تلك الحرب الطويلة على الأوضاع الاقتصادية للبلاد وعلى المستوى النفسي وتطوّر السلوك بالنسبة للأفراد. ويتم التركيز في هذا السياق على الدور الكبير الذي لعبته النساء في الحرب الأهلية الأميركية. الأمر الذي ترتّب عليه تبدل كبير في مكانة المرأة بالمجتمع الأميركي بعد الحرب، وكذلك تبدل كبير في نظرة المرأة إلى نفسها في ولايات جنوب الولايات المتحدة وشمالها.17-18-19بين الحرب الأهلية الأمريكية وانهيار الاتحاد السوفياتي (1)

وبالحديث عن دور الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة، يفيد القول بأن الحزب الديمقراطي الأمريكي، الذي تأسس في العام 1798، نشأ على الفكر المحافظ، وارتبط بحماية مؤسسة العبودية قبيل الحرب الأهلية، واكتسب شعبية في الجنوب امتدت من نهاية هذه الحرب إلى السبعينيات من القرن العشرين. وعرف أزمات متعددة في الستينيات من القرن العشرين بتبنيه حركة الحقوق المدنية، والمشاكل الناجمة عن الحرب الفيتنامية، وتحول تحت قيادة الرئيس فرانكلين روزفلت عام 1932 باتجاه الليبرالية والأفكار التقدمية ومناصرة النقابات العمالية وتدخل الدولة في الاقتصاد. أما الحزب الجمهوري فتأسس في العام 1854، من بعض المنشقين الشماليين عن الحزبين اليميني (الويغ) والديمقراطي، وكان بعض هؤلاء المؤسسين ضد وضعية الرق القائمة آنذاك وضد مطالبات الانفصال الإقليمية، وبسرعة أصبح الحزب الجمهوري بديلاً عن الحزب اليميني ونداً للحزب الديمقراطي. وتبنى الحزب سياسات أفضت إلى تحرير الأميركيين من أصل أفريقي من العبودية، لأن فكرة تأسيس الحزب انبثقت من تحرير العبيد في القرن التاسع عشر.

التحول في روسيا

في الثاني عشر من حزيران العام 1990، صوت نواب شعوب روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفياتية (آنذاك) على إعلان سيادة الدولة الروسية الاتحادية، وجاء ذلك في سياق سباق محموم بين برلمانات الاتحاد السوفياتي السابق إلى إصدار إعلانات مشابهة، قادت بعد أقل من 18 شهراً إلى تفكك الاتحاد السوفياتي وانهياره. وكان هذا بداية تحول سيحمل تغييرات كبيرة في الكرملين وسياساته، بفقدان الليبراليين الراديكاليين لمواقعهم. والواقع لا يشعر الروس بأن شيئاً كثيراً قد تغير جوهرياً في العديد من القضايا الرئيسية بعد رحيل بوريس يلتسين، فبصرف النظر عن الشعبية الكبيرة التي يتمتع بها الرئيس الحالي فلاديمير بوتين، يرى خبراء في الشأن الروسي أن روسيا الاتحادية ما زالت تسير على “النهج السوفياتي القومي للبناء القومي، بدلاً من بناء الأمة ككيان سياسي موحد، وهو ما يؤدي -وفقا لما يؤكده مدير معهد الاستراتيجية الوطنية الروسي ميخائيل ريميزوف ـ إلى بناء دولة متعددة القوميات”. ويضيف ريميزوف أنه “إذا كنا نتحدث عن كثرة القوميات داخل البلاد، فإن هذا يعني أن البلاد تتشكل من كيانات تمتلك الحق بتحديد مصيرها، وما يترتب على ذلك من اعتبارات..”. وهو ما يعني أن روسيا بعد 25 عاما من (إعلان استقلالها) تعاني من المشاكل ذاتها التي عصفت بالاتحاد السوفياتي السابق، الذي فشل في حل مسألة القوميات، لكن فضاء الاتحاد السوفياتي كان أقدر على تحمل واحتواء التناقضات القومية، التي تشكل نقطة الضعف الأكبر في النظام السياسي الروسي. كما أن هيكلية الدولة الروسية لم تختلف كثيراً عن الهيكلية الموروثة عن الاتحاد السوفياتي.

ويؤكد خبراء في الشأن الروسي أن التعددية الحزبية في روسيا (نظامها جمهوري اتحادي)، وإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية بشكل دوري، لا يعني أن النظام السياسي الروسي قد أصبح في عداد الأنظمة الديمقراطية، فالتركيز على جانب بناء مؤسسات السلطة والمجتمع المدني، وتبني توجهات اقتصادية مختلفة جذرياً عن الحقبة الاشتراكية، يخفي حقيقة أن السلطة ما زالت تتسم بالفردية والاستبدادية. فلا دور للمؤسسة البرلمانية في ظل الصلاحيات غير المقيدة لمؤسسة الرئاسة، التي ينظر إليها كحجر الأساس في بنيان النظام السياسي الروسي. ولا يمكن القول إن روسيا باتت تأخذ بمبدأ تداول السلطة بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، فخلال ربع قرن جلس على كرسي الرئاسة ثلاثة رؤساء، هم: بوريس يلتسن وفلاديمير بوتين ودميتري مدفيدف، في عملية انتخابية يطلق عليها ميخائيل ريميزوف اسم “آلية التوريث”، ويشرح ذلك بالقول “لم يجر لدينا فعليا تداول للسلطة من خلال منافسة علنية، بل تعمل آلية التوريث، وهي سلالة رئاسية حاكمة غير رسمية”.

وبين عام 2000 و2008، سعى بوتين إلى انتشال بلاده من فوضى ما بعد المرحلة السوفياتية واستعادة مكانتها في المجتمع الدولي. وأفلح في ذلك إلى حد بعيد. ثم تنازل عن السلطة طوال 4 سنوات. لكم “لم يعجبه الأمر. وحسِب ميدفيديف أن في امكانه الترشح لولاية ثانية، ولكن بوتين أعلمه بتعذر ذلك”. وكان بوتين قد فاز في أيار 2012، بالانتخابات الرئاسية بحصوله على 63.6% من أصوات الناخبين، وسط احتجاج من المعارضة الروسية وبعض المنظمات الدولية التي رأت أن الانتخابات شابتها خروق. وفي حينها بدأ بوتين بالعمل داخلياً على تعزيز السلطة المركزية وإحداث التوازن في العلاقات يبن أجهزة الدولة، وركز على إصلاح الاقتصاد وتحقيق نمو اقتصادي مستقر. لكن هذا التحسن الاقتصادي نسبياً لا يعني أن روسيا لا تعيش فترة حرجة وغير مستقرة في ظل تحكم مجموعة من الأشخاص، وعلى رأسهم بوتين، في مصير البلاد. وهو مختلف عن الوضع في الولايات المتحدة، فالرئيس الأمريكي عادة ما يواجه الكثير من الأطراف والمؤسسات في الحكومة حين يحاول اتخاذ قرار مهم سواء خص السياسة الداخلية أم الخارجية، على عكس الرئيس الروسي الذي يصدر القرار الفردي وينفذه دون العودة إلى أي طرف، كما حدث خلال العدوان الروسي على سوريا.

تقول راشيل دنبر، نائب مدير مكتب اوروبا-آسيا الوسطى في منظمة “هيومن رايتس وتش”، إن نهاية الاتحاد السوفيتي جلبت المعاناة الحقيقية والجسيمة للملايين الذين فقدوا مدخراتهم ووظائفهم وإحساسهم بالهوية. في روسيا على سبيل المثال، كان يبدو أن الفساد بلا حدود: برامج الخصخصة في عهد يلتسن فضلت حفنة من مهللي الكرملين الذين اشتروا أصول الدولة القيمة بأسعار زهيدة مقابل الدعم السياسي المطلوب للنظام. ومن غير المدهش أن الكثيرين أحسوا أن السبب وراء مصابهم ليس العيوب العميقة في النظام القديم أو فساد السلطة، بل “الديمقراطية” وحركات حقوق الإنسان، ورأوا أنها أساس الفوضى. استغل بوتين هذا الغضب والإحساس المتنامي بالحنين للنظام السوفيتي لمصلحته. ساوى فريقه عن عمد بين الفوضى والديمقراطية لتبرير إصلاحات في عام 2004 صعبت على أحزاب المعارضة ربح مقاعد في الدوما، وإصلاحات أدت إلى جعل اختيار حكام الأقاليم بالتعيين وليس بالانتخاب. بعد “الثورات الملونة” اتهم الكريملين منظمات المجتمع المدني بأنها واجهات للحكومات الأجنبية الساعية للتدخل في الشأن الداخلي الروسي، وبدأ في حملة من المضايقات الحكومية والبيروقراطية ضد هذه المنظمات.

انهار الاتحاد السوفيتي كنظام قمعي سلطوي، وأدى ذلك إلى شهور من السعادة وبدء عملية الانتقال السياسية المعقدة، لكن لم يكفل بأي حال من الأحوال وصول حكومات إلى سدة الحكم ملتزمة بتدابير حماية حقوق الإنسان. ومع استقرار الأوضاع، عادت القوى التاريخية التي شكلت المجتمع على مدار عقود إلى المقدمة، فمع غياب التغير المؤسسي العميق، يمكن أن يعود الحكم المستبد. ففي ظل “الحكم المستبد الناعم” بروسيا، الذي صُقل واتخذ هيئته مع وصول فلاديمير بوتين للحكم، تم التسامح مع وجود المجتمع المدني المستقل، لكن من يفضح وقائع الفساد والانتهاكات يتعرض للقتل والتهديد، ولم يُترك للإعلام حريات أكثر مما سُمح به في عهد “الغلاسنوست”. ولا توجد منافسة سياسية حقيقية أو محاسبة علنية لمؤسسات الدولة.

فريق تحرير ضوضاء


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.