سوريا الغد دولة مواطنة في ظل عقد اجتماعي جديد

ستة آلاف سنة من الحضارة السورية نتج عنها بلد متعدد القوميات والأديان والطوائف والمذاهب والعشائر، بلد متعدد الآراء والاتجاهات السياسية والفكرية والثقافية المعاصرة وسائر بنى المجتمع المدني الحديث. لكن سوريا التي تعصف فيها الحرب لاتزال غامضة المصير، وجميع المعطيات الميدانية والإعلامية وجميع التحليلات تتفق على ضبابية المستقبل، لذلك سوريا بحاجة اليوم لدولة المواطنة أكثر من أي وقت مضى.24-25-26سوريا الغد (1)

عندما نقرأ تاريخ سوريا يطل علينا تاريخاً حضارياً منفتحاً على معرفة الآخر المتنوع والمختلف، استمر حتى ستينيات القرن الماضي، حيث بدأت تناقضات القبلية والفئوية تطفوا على سطح العلاقات الوطنية، فخلال حكم حزب البعث عمل النظام الحاكم على ترسيخ تلك التناقضات وقدم نفسه على أنه الضامن الوحيد للاستقرار وعدم التصادم، ليستخدم ذلك كورقة ابتزاز لدى أول هزة تصيب البلد، فيتنامى حجم الطائفية المستعرة تحت الرماد. فقبل اندلاع الثورة في آذار 2011، كان هناك شكلاً من العيش الاجتماعي الذي جمع مختلف الأطياف الإيديولوجية والقومية والدينية في سوريا، لكن العنف المفرط الذي مارسه النظام ضد تلك المكونات وظهور المتطرفين الداعين إلى دولة الخلافة الإسلاموية، كبديل لدولة المواطنة، خلق شرخاً حاداً بينها، لتنكفئ على نفسها في استجداء واضح لأصولها الطائفية أو الاثنية طلباً للأمن والحماية.

ونجح النظام في إحداث حالة “اصطفاف طائفي” ضمن سوريا، بحيث ظهرت الأمور وكأن الأقليات متمسكة بالنظام في حين ينتمي الثوار إلى طائفة وحيدة من الأغلبية ويتم نعتهم بمتطرفيها في حين يكون الموالون منها هم المعتدلون الوطنيون. وسوريا، التي تغرق يوماً بعد يوم في دوامة من العنف المتزايد، وتتعرض لتمزق في نسيج مجتمعها، بحاجة ملحة إلى وجود دولة المواطنة، ففيها تتساوى الحقوق للأفراد والجماعات بغض النظر عن قوميتهم أو دينهم أو جنسهم، كما ستكون حاجز صد في وجه الدعوات السياسية للمحاصصة السياسية على أساس القومية والطائفة، وتقسيم البلاد بقوة السلاح. وستعمل على نبذ العنف والتخلص من أسباب التعصب والكراهية والحقد بين مكونات المجتمع السوري الواحد. وتعمل على بناء أساس قوي يدعم التماسك الاجتماعي بين جميع المكونات ويوحدها من أجل مستقبل سوري واعد، وتالياً هدفاً مشتركاً يوحّد الأفراد والجماعات الباحثين عن خلاص مشرف ومستقبل واعد.

ربما لم يسمع الكثير قبل اندلاع الربيع العربي بما يسمى “دولة المواطنة” بسبب الأنظمة المستبدة، التي تحارب أي مطالبة بالحرية والكرامة والمساواة وتغذي العصبيات الاثنية أو الدينية وتبني ديمومتها على مبدأ “فرق تسد”، فجاء الربيع العربي حاسماً ومصمماً على قدر مرارة المعاناة وعمرها الطويل، اختصرته الثورة السورية بشعار ” الحرية والكرامة”، في طريقها لبناء وطن ومواطن.

سوريا ودولة المواطنة

سوريا بحاجة لدولة المواطنة لأنها ستؤسس للتعايش بين الأفراد والجماعات على قاعدة من الاحترام المتبادل لحقوقهم ومصالحهم، وتعمل على استبعاد ثقافة العنف لتنمية روح التسامح بينهم. وأكثر المناصرين لدولة المواطنة هم الأقليات الخائفين على حقوقهم. فهي تلغي أي تعزيز لموقع فئة على حساب أخرى، وتسخير ذلك لمصالحها الخاصة. وهذه الدولة تؤسس للامركزية والفيديرالية من خلال إلغاء التمييز والتعصب والتطرف القومي والطائفي، واكتساب ثقة الأقليات برعاية الخصوصيات الثقافية. وتقف في وجه تقسيم البلاد وإضعاف جميع الانتماءات ما قبل الوطنية سواء كانت اثنية أم عشائرية أم طائفية لصالح الشعور بالانتماء لوطن ديمقراطي يضمن حق الجميع في المساواة.

دولة المواطنة تحارب الفساد والظلم والتمييز والفقر والقهر، وتقوم ببناء مجتمع مصلحته الحقيقية في صوت كرامة وحريات شعبها. وهي دولة تعزز القيم الديمقراطية والمدنية، بعيداً عن الكراهية والتعصب، وتعالج مشاكل التمييز الطائفي والاضطهاد القومي، وتحافظ على وحدة الوطن ومؤسسات الدولة على أسس مدنية وديمقراطية. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بتضافر الجهود السياسية والثقافية لإعلاء شأن الإنسان الحر واحترام حقوقه من دون تمييز. كما توحد مكونات المجتمع السوري على هوية واحدة ووطن واحد، فسوريا هي بلد الديانتين المسيحية والإسلامية بمذاهبها وطوائفها المختلفة، بالإضافة إلى المكونات الاثنية مثل العرب والكرد والتركمان والسريان والآشوريين والأرمن والشركس. مكونات يمكنها أن تتحارب أو تتساكن في حال قامت على مبدأ المواطنة لتجمعها على الانتماء للوطنية السورية. والمواطنة ترسم العلاقة بين الفرد والدولة، تلك العلاقة التي يحددها دستور الدولة وقوانينها الموزعة بين الحقوق والواجبات. فالمواطنة هي حالة قانونية سياسية ثقافية، يؤسس لها الدستور وتنظمها القوانين وترعاها القيم.24-25-26سوريا الغد (1)

الانتماء

يشهد العالم حالياً موسم هجرات كبيرة إلى أوروبا، لكن ما الفرق بين من يلجأ إلى بلد جديد وذلك الذي يعيش في بلده الأصلي؟ إنه الانتماء، الذي يمنح المعنى الحقيقي لمفهوم المواطنة، وبدونه تصبح المواطنة أقرب إلى مفهوم التوطن والإقامة، من السهل الاستغناء عنها. فحمل الجنسية لا يحقق الانتماء للمجتمع والدولة التي يعيش فيها المهاجر، الذي لا يفتأ يجتر مشاعر الحنين والاغتراب مما يقف حاجزاً أمام مشاركته في الحياة العامة، رغم ضمان القوانين له ذلك. لذا تفقد المواطنة جوهرها الفعلي، فالانتماء في النهاية هو فعل حرية.

ولتحقيق المواطنة يجب الاعتراف بالثقافات والأديان والطوائف والايديولوجيا والتيارات السياسية المختلفة واحترامها. وما يمنح المواطنة جوهرها هو حس الانتماء إلى الدولة والشعب، والتفاعل اليومي والعميق في تفاصيل الأحداث، بحيث يتحول المواطن من مشارك إلى فاعل على أساس المساواة التي توحد بين المواطنين وتؤسس لروح عالية من التسامح والسلمية، وتقف في وجه تدخل الدولة وتعسفها في حياتهم، وتوليد آليات للعمل المشترك لصالح الوطن بالكامل. كما يحفظ الدستور الديمقراطي حق التمتع بمجموعة الحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المختلفة. فالانتماء الوطني هو المحتوى الأساسي للمواطنة، وهو يتشكل بفعل مناخات الحرية وتوفير فرص للجميع للمشاركة السياسية، بالإضافة إلى الشعور بالمساواة والإنصاف.

عقد اجتماعي جديد

يتردد مصطلح العقد الاجتماعي على امتداد تاريخ أدبيات الفكر الإنساني منذ القدم، ابتداءً من ظهوره في فلسفات سقراط وأفلاطون 400 ق.م, ومن ثمّ دراسته وبلورته بشكل “نظرية علمية” علي يد بعض علماء الاجتماع. فمصطلح العقد الاجتماعي الجديد كما يعرفه المحللون والخبراء السياسيون أمثال هوبز ولوك وروسو وغيرهم، هو محاولة إعداد صياغة لكيفية ممارسة السلطة بالتوافق والتفاهم بين القوى الممثلة للشعب والسلطة من خلال دساتير وقوانين وآليات تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم. والعقد الاجتماعي يعني أن ثمة تعاقداً تم بين مجموعة من الأفراد من أجل نشأة الدولة، سواء كان هذا التعاقد بين الحاكم والمحكوم أو بين المحكومين وبعضهم البعض.

وقد كشفت الثورات العربية عن غياب واضح لاستقرار تقاليد مؤسسية تسهم في تحقيق التداول السلمي للسلطة الذي يمثل جوهر الديمقراطية، لذلك يتطلب معالجة هذا الأمر وجود عقد اجتماعي جديد لتحقيق انتقال آمن للسلطة في المنطقة العربية يعتمد الحقوق والتنمية، حيث أن غياب الحق والقانون والاخفاقات التنموية كانا من الأسباب الأساسية للثورات العربية، ومعالجة أي برامج انتقالية أو استراتيجية لما بعد سقوط أي نظام يجب ان تعتمد على تطوير عقد اجتماعي جديد يعتمد الحقوق والتنمية كأساس له من أجل توفير العدالة الاجتماعية للمواطنين.

فالعقد الاجتماعي هو مجموعة تفاهمات حول شروط العيش المشترك في مجتمع واحد، يتم بناء الدستور عليها، وتلك التفاهمات فوق اللعبة السياسية، فلا أكثرية تستطيع تغييرها ولا أقلية تستطيع التنصّل منها. وما يخص سوريا من هذا العقد الاجتماعي الجديد هو التأكيد على ان الاقليات الدينية والاثنية فيها لا خيار أمامها سوى التعايش مع مجتمعات الأغلبية التي تقيم معها أو إلى جوارها، لكن على تلك المجتمعات بالمقابل مبادلتها الاحترام دون أي تدخل في شؤونها أو محاولة احتوائها ومصادرة إرادتها، وهذا الأمر لن يتم إلا في إطار دولة حرة تنتهج السبل والآليات الديمقراطية في التعاطي مع مواطنيها وفي مقدمتها ضمان حقوق الانسان وحريته واعتماد المواطنة السورية كعنوان لإرساء دعائم مجتمع وطني سياسي ومدني يقوم على العدل والمساواة يحتضن الجميع بلا استثناء.

وتحاول المعارضة السورية الاتفاق على تشكيل عقد اجتماعي جديد في سوريا، من خلال الاتفاق على عهد وطني جديد وخطة للمرحلة الانتقالية، كبداية أو خطوة أولية لتشكيل عقد اجتماعي جديد في سورية، رغم وجود بعض النقاط الخلافية فيهما، التي قد تحتاج إلى الكثير من التعديل والتغيير للتوافق عليها من قبل كافة أطياف المجتمع السوري.24-25-26سوريا الغد (1)

الوضع في سوريا

وفقاً لما سلف حول مفهوم المواطنة وشروطها، إذا تم إسقاطها على الوضع في سوريا نجد أن المواطنة منقوصة جداً، لعدم حماية الحقوق المدنية مثل التعبير، المعتقد، الحياة، التظاهر… والحقوق السياسية مثل حق الانتخاب، والحقوق الاجتماعية مثل الحق في التعليم والرعاية الصحية. تقابلها واجبات على المواطن تأديتها لصالح الجماعة مثل واجب الدفاع عن الوطن ضد العدوان الخارجي، وواجب دفع الضرائب واحترام القوانين.

وإذا حاولت السؤال في سوريا عن معنى “المواطنة” ستجد جهلاً كبيراً في ذلك ضمن شرائح واسعة، وتلك نتيجة طبيعية بسبب الممارسات السابقة للنظام الحاكم من عدم احترام التعددية، سواء القومية أو الدينية أو الإيديولوجية. بالإضافة إلى فساد القضاء، الذي من المفترض أن يكون الضمان الدستوري الأقوى للمساواة بين المواطنين، وخنق المجتمع المدني، الحاضنة الطبيعية للمواطنة وغياب النظم التربوية المناسبة. ورغم الثراء الثقافي لسوريا الشاهد على التعايش بين مكوناتها الاجتماعية المختلفة، لكن الجهل بمفهوم المواطنة والانتهاكات التي تلحق بها، يعرض المجتمع لهزات خطيرة.

وأيا كانت نتيجة الوضع القادم في سوريا، هناك تغيرات ستصيب الدولة والمجتمع والناس. فتأثر الناس بالأحداث أسرع بكثير من تأثر السياسة بها. لذلك علينا أن نعي التغيرات المهدِدة لسلامة المجتمع ولسلامة أفراده، لكي نعد لها ما تحتاجه من مؤهلات بشرية ومن أدوات عملية. ومن تلك التغيرات الأذى النفسي نتيجة العنف وما يتركه من آثار سلبية على نفسيات الصغار والكبار وحاجة المجتمع لكادر طب نفسي كبير لرأب الصدوع التي خلفها ذلك العنف. ثم الأذى الاجتماعي الذي يصيب النسيج الاجتماعي السوري بالتلف في أكثر من موضع، ما يخلق بؤراً خلافية كثيرة بين فئات واسعة داخل تشكيلات اجتماعية محددة، لذا على المجتمع العمل على رتق التلف الحاصل إذا ما أراد أن يعود إلى تعايشه السليم، وذلك من خلال العمل على تأهيل كوادر بشرية يكون لديها القدرة في سوريا الغد على فض النزاعات بين المكونات الاجتماعية المختلفة، استناداً إلى عملية تقصي الحقائق التي تلاشى الكثير منها في خضم ممارسة العنف.

ما تمر به سوريا اليوم يترك أثره على جميع المكونات البشرية بشكل عميق. لكن الأكيد أن السوريين سيتجاوزون كل ما يحدث ويعودون لبناء عقدهم الاجتماعي الجديد الذي لن يسمح بوجود الثغرات التي كانت من قبل. سيعود المواطنون السوريون لإرساء مواطنة صحيحة يتساوون فيها في الحقوق والواجبات أمام قانون؛ يكون هو السيد الذي لن يسمح فيه لفرد أن يخرقه بما توفّر له من سلطة سياسية أو مالية أو غيرها. عندها ربما يمكننا القول أن ما حصل كان بمثابة العاصفة التي ذهبت بكل الثقل المتراكم فوق صدورنا طوال عقود مضت. وسنقول يومها أن ما مر به السوريون من عنف وعذاب استطاعوا تجاوزه لتحيا سوريا من جديد. فتلك المواطنة وذاك العقد الاجتماعي الجديد هما ضمانتنا الوحيدة لشفاء بلدنا من الجروح التي تدميها.

سوريا هي سوريا الواحدة بكل أبنائها وجماعاتها، ولا نريد أن تفقد أياً منهم، سيكون علاجاً مؤلماً طويل الأمد لجروح ملأها القيح، لكنها تستحق كل المعاناة لبناء سوريا الغد التي سيفخر بها أبناؤنا ويشعرون بالانتماء إليها كما نشعر في أعماقنا. ثورة أعلنت سقوط العقد الاجتماعي الذي كان قائماً بين المواطنين ودولتهم، ثورة ستطيح بالنظام المستبد وتؤدي إلى تغييرات من شأنها إعادة تشكيل العلاقة القائمة بين المواطن والدولة في سوريا … الغد.

نجاح سفر


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.