نوري المالكي طائفي متشدد ورجل إيران في العراق 1/2

وسط أحداث عنف طائفي كانت تهدد العراق، وصل نوري المالكي أول مرة إلى السلطة في العام 2006؛ واستمر رئيساً للحكومة حتى آب العام 2014، ونائباً لرئيس الجمهورية السابق (من أيلول 2014 حتى آب 2015)، حيث سعى إلى إثبات نفسه كزعيم قوي وموحد للبلاد. ومع ذلك، وجهت اتهامات إلى المالكي بأنه أهمل استراتيجية التوافق لصالح تركيز السلطة في أيدي حلفائه الذين ينتمي غالبيتهم إلى الطائفة الشيعية. كما أشارت الاتهامات إلى أنه متحالف أكثر مع إيران ويتخذ مواقف تتبناها طهران، كالموقف من النظام في سوريا. كذلك وجهت إليه اتهامات بالتسبب في انتشار الفساد وسقوط مدينة الموصل بيد تنظيم “داعش” واستمرت هذه الاتهامات حتى بعد مغادرته منصبه دون أن يمثل أمام المحكمة. استمر الوضع على هذا المنوال حتى آب العام 2014، حيث كلف الرئيس العراقي فؤاد معصوم، حيدر جواد العبادي، النائب الأول لرئيس البرلمان، بتشكيل حكومة جديدة، ليخلف المالكي في رئاسة الوزراء.

العودة من المنفى

وُلد نوري المالكي قرب مدينة الحلة في عام 1950، وحصل على درجة الماجستير في الأدب العربي، وهو متزوج ولديه أربع بنات وابن واحد. وفي سبعينيات القرن الفائت، غادر المالكي العراق إلى سوريا، وقاد حزب “الدعوة الإسلامية” الشيعي في الثمانينيات. مالكي2وعاد إلى العراق من منفاه بعد أن أزاح غزو العراق الرئيس العراقي السابق صدام حسين عام 2003، ومن ثم برز حزب الدعوة كأحد القوى السياسية الرئيسة بالبلاد مع وجود المالكي في طليعة قيادات الحزب. وفي حينها، عمل كمتحدث رسمي باسم حزب الدعوة وائتلاف الأحزاب الشيعية، والائتلاف العراقي الموحد الذي فاز بأغلب المقاعد في الانتخابات التشريعية التي شهدها العراق عام 2005. وكان المالكي معروفاً إلى حد ما لدى العراقيين قبل ترشحه لمنصب رئيس الوزراء عام 2006. وساعد في صياغة مسودة الدستور العراقي الجديد بصفته أحد أعضاء اللجنة التي شكلتها واشنطن وكلفتها بمهمة تخليص العراق من تركة البعثيين. وكان عمل اللجنة محل انتقاد لامتداد ضرباتها إلى المسؤولين الذين كانوا أعضاء بحزب البعث.

إيران اشترته.. وباعته

في العام 2007، فوض المالكي القوات الأمريكية بتوجيه ضربة إلى مليشيات السنة التابعة لتنظيم القاعدة، وقاد حملة ضد المليشيات الشيعية الموالية للزعيم الديني الشيعي الأصولي مقتدى الصدر في عام 2008. وتحت نيران الحلفاء الشيعة من جهة والضغوط التي كانت تدفع به في اتجاه المصالحة مع المجتمع السني بالعراق من جهة أخرى، انفصل المالكي عن الائتلاف العراقي الموحد وكون ائتلافا جديدا يتمتع بقاعدة شعبية أوسع تحت اسم “ائتلاف دولة القانون”. وخاض الائتلاف الجديد الانتخابات البرلمانية في 2010 بحملته التي حملت شعار “عراق واحد”، إلا أنه مُني بخسارة بفارق مقعدين عن ائتلاف “العراقية” المدعوم بأغلبية سنية والموالي لرئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي.والواقع أنه مثلما كان المالكي طائفياً بامتياز، فإنه لم يخف تعلقه بإيران على حساب بلده، لذا كان يرى أن “الخميني أنقذ الإسلام من قيود الأسر وبعث روحًا جديدة فيه”. هكذا قال في أحد أحاديثه في 1998. عرف المالكي بأنه رجل إيران الأول في العراق، وأنه الذي عمل على تنفيذ أجندتها الطائفية في المنطقة، حتى لو تعارضت مع مصلحة بلاده، لذا “كانت زياراته المتتالية، ودعم مشاريعها بشكل غير مباشر، إشارة واضحة على ذلك. إذ واجه اتهامات بالتوجه إلى إيران لمساعدته في تدعيم سلطته للاستمرار في منصب رئيس الوزراء. وكان الدعم الذي تلقاه من تكتل مقتدى الصدر – والذي نظر البعض إليه على أنه جاء بضغط من الحكومة الإيرانية على الصدر – من أهم العوامل التي دعمت المالكي. وبحسب الباحث فلاح العراقي، فإنه خلال 8 سنوات من الإقامة في إيران، كان المالكي يتولى مسؤولية الذراع العسكرية لحزب الدعوة، وقيادة قرابة حوالي ألف من عناصر أفواجه المتمركزة في معسكر “غيور” الرئيسي بأحد مقرات القوة البرية للحرس الثوري في مدينة الأهواز، وكان يطلق عليهم اسم “جنود الإمام الخميني”.لكن إيران باعته مع إعلان علي شمخاني، سكرتير مجلس الأمن القومي الأعلى في إيران، دعم التحرك في بغداد لاختيار رئيس وزراء جديد. ودعا شمخاني كل الجماعات والائتلافات العراقية الحفاظ على وحدتها والعمل معا لحماية الوحدة الوطنية، وهذه الدعوة كانت بمثابة رسالة للمالكي بأن وقته قد نفد. وانتهجت صحيفة “جافان” المتشددة، التابعة للحرس الثوري الإيراني، اللهجة نفسها، ودعت المالكي في مقالتها الافتتاحية للامتثال لقرار الرئيس العراقي. وجاء المسمار الأخير في النعش من أية الله خامنئي، إذ أعلن دعمه اختيار العبادي. فالمهم بالنسبة لإيران هو رؤية كتلة شيعية موحدة في العراق وتشكيل حكومة جديدة بدون المزيد من التأخير. وإذا لم يستطع المالكي تحقيق أياً من هذه الامور، فإنه وفقا لحجم القلق الذي تشعر به إيران، قد نفد وقته، ولا بد من تجريب قيادي شيعي آخر. وسبق أن كشف المستشار العسكري للمرشد الإيراني، اللواء يحيى رحيم صفوي، أن المالكي “تنحى بتوصية من خامنئي وذلك للحفاظ على المصالح الشيعية”.

سقوط الموصل

كان المالكي في طهران حين تلقى الأخبار على غير ما يشتهيها، إذ لم يعد نائبا لرئيس الجمهورية، وأصبح ضمن لائحة متهمين بالإهمال في سقوط الموصل بيد تنظيم “داعش” ومحالاً إلى الادعاء العام. جاء القرار من العبادي. وأحال البرلمان إلى المدعي العام تقريراً يدعو لمحاكمة المالكي و35 من كبار المسؤولين الآخرين، ودعت لجنة التحقيق البرلمانية المالكي والمسؤولين الآخرين للمثول للمحاكمة بتهمة الإهمال من بينهم أثيل النجيفي محافظ نينوى السابق. واتهم التقرير، المالكي والمسؤولين الآخرين بالتقصير، مشيراً إلى أن رئيس الوزراء السابق لم تكن لديه صورة دقيقة عن الخطر المحدق بالمدينة وأنه اختار قادة منغمسين في الفساد، كما أنه لم يحاسبهم. في حين اكتفى المالكي بوصف النتائج التي خرجت بها لجنة التحقيق بأنها “لا قيمة لها”.ويرى الكثير من العراقيين في القرار محاكمة لعهد المالكي برمته باعتباره كان سبباً في تفشي الفساد بدوائر الدولة، إضافة للمعالجات الطائفية والأمنية للأزمات وأهمها في الأنبار، ما جعل مناطق في العراق تقع فريسة سهلة بيد التنظيم. ونقل نائب في البرلمان العراقي عن القائد السابق للقوات البرية العراقية علي غيدان اتهامه نوري المالكي بأنه هو من أصدر الأمر بالانسحاب من مدينة الموصل، في حين قال أسامة النجيفي نائب رئيس الجمهورية إن انسحاب القوات الحكومية من مدينة الرمادي غربي بغداد تم وفق أوامر لا يعرف رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي مصدرها. كذلك طالب عادل نوري، النائب في البرلمان العراقي عن حزب الاتحاد الإسلامي الكردستاني، بتقديم المالكي إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، بسبب ما أسماها “مسؤوليته عن سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على مدينة الموصل الصيف الماضي”.

طائفية المالكي

بعد سقوط نظام البعث في العراق بزعامة صدام حسين، عاد المالكي إلى البلاد -بعد أكثر من عشرين عاما في الخارج- تحت المظلة الأميركية وعاد حزب الدعوة الإسلامي، ذو الجذور الشيعية (1957)، إلى ممارسة العمل السياسي. علماً أن هذا الحزب هو المنطلق والبداية لمسيرة المالكي السياسية بعد أن انضم إليه عام 1968. sadam-huseimواختاره الحاكم الأميركي للعراق بول بريمر لشغل منصب نائب رئيس لجنة خاصة لاجتثاث عناصر حزب البعث، وهنا لمع نجم المالكي في عالم السياسة. وتحت ذريعة محاربة البعث، تمت تصفية عدد من الشخصيات من طرف المالكي بهدف إقصائهم من أي دور سياسي في العراق مستقبلا.  ويكشف فيلم وثائقي عرضته قناة “الجزيرة” القطرية أخيراً “أسرارا تعرض لأول مرة عن تاريخ نوري المالكي الذي لا يزال يتصرف وكأنه زعيم البلاد، فرغم أنه فقد كل مناصبه السياسية الرسمية، فقد ظل رجل الظل الأقوى القابض على مفاصل الدولة”. وبحسب الفيلم عمل المالكي أثناء ولايته الأولى إلى “تكريس الطائفية داخل العراق إقصاء وقتلاً، حيث أدار فرقا للقتل والاعتقالات تأتمر بأوامره، وأنشأ سلسلة من السجون السرية تديرها المليشيات الشيعية تسببت بمقتل 75 ألفا بينهم 350 عالما و80 طياراً عبر معلومات وفرها المالكي للموساد والحرس الثوري”. ويقول فريق التحقيق إنه “تمكن من الحصول على عشرات الوثائق السرية المسربة، جميعها يتعلق برئيس الوزراء العراقي (المالكي) إبان فترة حكمه، وبعضها صادرة عن مكتبه وتحمل توقيعه الخاص.. الوثائق ذات طابع أمني تتعلق بأحداث أمنية وقعت في عهده، شملت التعذيب والسجون والقتل على الهوية والإعدام خارج إطار القانون والاختفاء القسري”. وكلها صنفت “جرائم ضد الإنسانية مورست بحق الشعب العراقي وتحت إشراف المالكي نفسه بعيداً عن وزارة العدل”.  وسبق أن أفادت صحيفة “واشنطن تايمز” الأميركية عن مسؤولين أميركيين وعراقيين بأن “البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأميركية وضعا ثقلهما خلف رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الذي يعتبرونه أقل تشدداً من المالكي الذي يوصف بأنه شيعي متشدد وغير متعاون بطبعه، وضغطت عليه واشنطن ليسلم السلطة لخلفه”. وتقول الصحيفة إن العبادي أتى إلى السلطة وتعهد بإطلاق “صحوة سنية” ضد تنظيم (الدولة الإسلامية)، إلا أنها استطردت بالقول إن ذلك لم يتحقق منه إلا النزر اليسير”. وعزت الصحيفة عدم تمكن العبادي من تحقيق رؤيته إلى استمرار تدخل المالكي في المشهد السياسي العراقي.

فريق تحرير ضوضاء


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.