فلايمير بوتين ديكتاتور يتقن لعبة تبادل الأدوار  واستخدام شماعة الارهاب 1/2

في الأول من كانون الثاني العام 2000، أعلن الرئيس الروسي بوريس يلتسين آخر قراراته، وأكد استقالته كرئيس لدولة روسيا الاتحادية في خطاب تلفزيوني تلاه بصوت خافت. جاء ذلك بعد ثماني سنوات ونصف السنة قضاها يلتسين في رئاسة البلاد، وتنازل عن السلطة لرئيس الوزراء فلاديمير بوتين، الزعيم السياسي، الذي اشتغل عميلاً لجهاز المخابرات، وتولى رئاسة بلاده ولايتين متتاليتين (2000 – 2008)، ثم منصب رئيس الوزراء، قبل أن يعود مرة ثالثة لسدة الرئاسة في العام 2012. 

سيرة غامضة وبدايات تسلم السلطة

تحتوي السيرة الذاتية بوتين على معلومات قليلة جداً، من الصعب التأكد منها بشكل موثوق، وهذا ما يدفع ببعض المراقبين إلى القول إن بوتين “رجل بلا وجه ولا روح”. free-2538224113700120300يوصف بالسياسي الغامض، الليبرالي الحالي، والشيوعي السابق، الذي يحلم بعودة أمجاد الدولة الروسية العظمى، بشقيها القيصري والسوفييتي. ولد فلاديمير فلاديميروفيتش بوتين يوم 7 تشرين الأول 1952 في سانت بطرسبورغ، وتخرج من كلية الحقوق عام 1975 متخصصاً في العلاقات الدولية. كما حصل على الدكتوراه في فلسفة الاقتصاد، ويجيد اللغتين الألمانية والإنجليزية. وعمل بوتين عضواً في الاستخبارات السوفياتية (كي جي بي) سابقاً في ألمانيا الشرقية خلال 1985-1990، ثم عاد إلى بلاده وشغل منصب مساعد رئيس جامعة سانت بطرسبورغ للشؤون الخارجية.

ديكتاتورية وتبادل أدوار

حين انقضت فترة الولاية الرئاسية الثانية لبوتين، وهي الحد الأقصى لتولي الرئاسة على التوالي دستورياً، تبادل بوتين الأدوار مع ديمتري مدفيديف الذي نجح في انتخابات الرئاسة، وعلى الفور عُين بوتين في منصب رئيس للوزراء، ومن ثم استمر قابضاً على السلطة إلى أن عاد إليها مرة أخرى. فاز بوتين في الانتخابات الرئاسية في أيار 2012، وذلك بحصوله على 63.6% من أصوات الناخبين، وسط احتجاج من المعارضة الروسية وبعض المنظمات الدولية التي رأت أن الانتخابات شابتها خروق. إذ عندما عاد “قيصر روسيا” إلى الرئاسة للمرة الثالثة في ظروف داخلية وخارجية غير عادية، كثفت المعارضة احتجاجاتها مطالبة بعدم ترشحه للانتخابات الرئاسية ثم برحيله عن السلطة، ليرد هو عليها بالاعتقالات وبأساليب وصفت بالقمعية. 544e6c16611e9b21398b460eوبرزت المظاهرات بروزاً كبيراً بعد الانتخابات التشريعية في العام 2012، وسط اتهامات بعمليات تزوير لمصلحة حزب “روسيا الموحدة” الحاكم، أعقبها تجمع نحو 80 ألف شخص في موسكو وقابلته السلطات بقمع شديد واعتقلت على إثره الآلاف من المعترضين. ويقول غاري كاسباروف، قائد المعارضة الروسية عن الرئيس بوتين، أنه حوّل روسيا إلى دولة ديكتاتورية، فيما اتهم الدول الغربية بالتساهل معه. ويؤكد كاسباروف أن “بوتين يحتاج الى حروب لشرعنة موقعه، فهي الحركة الوحيدة التي تبقت له”، ويضيف أن بوتين سبق أن ألقى كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، تحدث فيها “بلا حياء عن أهمية السيادة الوطنية في سوريا، وهي مفهوم قريب الى قلبه وعزيز عليه كما يبدو، إلا حين يتعلق بسيادة جورجيا أو أوكرانيا أو أي بلد آخر يتدخل فيه، ثم عرض تعاونه، ولكن من دون تقديم أي تنازلات ملموسة، فهو لديه دبابات في أوكرانيا ومقاتلات في سوريا وباراك أوباما في البيت الأبيض”، وقد وصف خطاب الأخير في الأمم المتحدة بأنه “بلا أي أسنان، فالغرب لا يستطيع أن يأتي بأي شيء للتعامل مع موسكو سوى التهدئة”.  وعلى صعيد السياسة الخارجية، انتقد الرئيس بوتين سياسة الولايات المتحدة الأميركية في محطات عديدة، وقد كان ضد الغزو الأميركي للعراق عام 2003 بدون موافقة مجلس الأمن. كما عبر عن معارضته لاستقلال كوسوفو عن صربيا واعتبره غير شرعي. وأعلن بوتين موقفه الرافض لقيام حلف شمال الأطلسي (الناتو) بالتمدد شرقاً وضم دول مثل أوكرانيا وجورجيا والجبل الأسود واعتبر ذلك تهديداً لروسيا. بالإضافة إلى موقفه الرافض كذلك لنظام الدرع الصاروخية الأميركية الذي اعتبره تهديدا قريباً من حدود روسيا.

سوريا وأوكرانيا

مع بداية هبوب رياح “الربيع العربي”، عارض بوتين التدخل الغربي ضد معمر القذافي في ليبيا، وساند بقوة نظام بشار الأسد في مواجهة الثورة الشعبية ضد نظام حكمه، واستخدمت روسيا حق النقض (الفيتو) مرات اعتراضاً على صدور قرارات من مجلس الأمن الدولي تدين النظام السوري. وبالرغم من الجرائم التي ارتكبها قوات النظام السوري يقول بوتين إنه لا بديل عن دعم جيش الأسد، وذلك تحت ذريعة محاربة الارهاب في سوريا. ويتهم بوتين الولايات المتحدة ودول الغرب “بتغذية الإرهاب” والعمل على خلق ظروف تفضي للعبث بأمن الشعوب واستقرارها. ويدلل على وجهة نظره بالقول إن العديد من عناصر تنظيم “داعش” جنود سابقون في الجيش العراقي الذي حلته أميركا عقب غزوها للبلاد عام 2003.

ولا شك في أن سياسات بوتين ساهمت في توسيع الخلافات مع الكثير من الدول العربية والاقليمية، مثل تركيا وقطر والسعودية، وسبق أن اعتبر الرئيس السابق للاستخبارات السعودية، الأمير تركي الفيصل، التدخل الروسي في سوريا “خطأ غير محسوب عواقبه” من جانب موسكو، قد يضع روسيا في “عداء” مع أكثر من 1.25 مليار مسلم. ويضيف الفيصل، خلال حوار سابق، أن “الأمر الآخر الذي أود قوله للروس هو: “ما الذي يجعلكم تقفون مع دولة ذات طموحات توسعية أيديولوجية مثل إيران، للتدخل في شؤون دول عربية.. وتضعون أيديكم في أيديهم بينما يحاولون إثارة الاضطرابات والانقسامات الطائفية في العالم العربي”.ويبدو أن الوضع المعقد في سوريا قد خلق خلاف يمكن أن يكون له تبعات خطيرة نتيجة التوتر الروسي- التركي بعد إسقاط تركيا للمقاتلة الروسية. وتؤكد تركيا أنها أسقطت طائرة (سوخوي 24) لأنها كانت تنتهك مجالها الجوي وبعدما حذرتها عشر مرات، لكن روسيا تقول إن طائرتها لم تدخل المجال الجوي التركي ولم يتم الاتصال بها لتحذيرها قبل إسقاطها. وأكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنه لن يعتذر لـ روسيا مطالبا إياها بالاعتذار على “انتهاك المجال الجوي التركي”. الطائرة-الروسية2-740x425وعبر بوتين عن أسفه لعدم تلقي روسيا أي “اعتذارات واضحة من قادة تركيا ولا عروض للتعويض عن الأذى والضرر”، بعد إسقاط الطائرة. وفي تعليقه على التطورات، يقول الكاتب داؤود الشريان إنه من الواضح “حتى الآن، أن تركيا تنال من الغطرسة الروسية بدهاء سياسي، وأعصاب باردة. والأهم أنها تتجه إلى وسم التدخُّل الروسي بصفته دعماً للنظام السوري، وتكراراً للدور الإيراني في سوريا”. ويضيف الكاتب أنه “لا شك في أن تركيا سعيدة بالتهوُّر الروسي، والتهديد بـ (حق الرد)… الأكيد أن أنقرة أفسدت خطط بوتين، ونجحت في إذلال روسيا ولجم غطرستها، واستفزتها على نحو يهدد بفشل مهمتها الملتبسة”.ويتحدث محللون عن أسباب عدة وراء قرار بوتين الدخول في سوريا، حيث اتخذت روسيا عدة إجراءات، بينها إرسال كمية كبيرة من المعدات العسكرية إلى سوريا، وهذه خطوة جريئة من بوتين لإظهار بأنه لاعب ويجب أن يحسب حساب له ولبلاده. فجنود نظام الأسد كانوا في ورطة وبوتين أدرك أن الوقت قد حان للدخول والتأكد من عدم سقوط الأسد. وسبب آخر لرغبة بوتين بالتدخل هو صرف التركيز عما يحدث في أوكرانيا، إذ أنه وبلاده تلقوا الكثير من الانتقادات بجانب وضع الكثير من العقوبات. ومن المحتمل أن ظهوره كمعالج لمشكلة في العالم سيفيده، فقد لا تود أوروبا والولايات المتحدة تجديد العقوبات بحقه في ديسمبر. والواقع أنه بعد اندلاع الأزمة السياسية في أوكرانيا عام 2013، ازدادت حدة الخلافات السياسية بين بوتين وزعماء الدول الغربية، ما قاد هذه الدول لفرض عقوبات اقتصادية على روسيا شملت عشرات الشخصيات الرسمية والشركات الروسية الأمر الذي أثر سلبا على أداء اقتصاد بلاده.في المحصلة، يمكن وصف سياسة بوتين الداخلية، كما يرى منتقدوه، أن الرئيس الروسي يحاول فرض ديكتاتورية من “الطراز القديم” على الشعب الروسي مثل تلك التي فرضها فرديناند ماركوس، وأناستاسيو سوموزا، وبارك تشنج (رئيس كوريا الجنوبية من 1936-79) من قبله، تحت ذريعة “الحرب على الإرهاب”. كما ان التدخل في سوريا يشير إلى أن بوتين لديه “كراهية جمة لأي نوع من أنواع إضعاف سلطة الحكومة، ولذا فإنه يدعم الأسد حتى النهاية لأنه بكل بساطة، رئيس سوريا. بوتين لا يريد سقوط الحكومات حتى إن كانت قمعية لأنه يشعر بأن الفوضى ستنتشر بعد ذلك”. ويصف محللون النظام السياسي في روسيا بأنه “نظام استبدادي (أو نظام شمولي ذي غلاف ديمقراطي زائف، ومن البديهي القول إن العلمانية والاستبداد لا يلتقيان أبداً، فكل نظام استبدادي هو نظام غير علماني بالضرورة”. كما أن الموقف “المرضي” للنظام الروسي تجاه الإسلام هو موقف “غير علماني بالتأكيد، حتى ليظن المرء أن العلمانية بمفهوم بوتين = المسيحية الأرثوذكسية، أي إنه يحول العلمانية إلى أيديولوجية مسيحية أرثوذكسية معادية للإسلام، وتصريحات أركان نظام بوتين خلال السنوات الخمس الماضية تؤكد ذلك”.

أحمد محمد 


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.