الطريق إلى المملكة حافظ الأسد.. الديكتاتور الذي قتله السرطان1/2

بعد انطلاق المظاهرات في درعا عام 2011، وانتقالها إلى محافظات أخرى؛ التقيت الكاتب مصطفى خليفة وحاورته، وكانت آخر أسئلتي له: “هل تحطمت جمهورية الخوف؟”، أجاب: “نعم. قد لا تكون تحطمت 100% لكنها تحطمت بنسبة معقولة، ونحن في مرحلة إتمام التحطيم، ثم تأتي مرحلة البناء، ونحن لا زلنا في الجزء الأول من الفصل الأول من الثورة، أي تحطيم جدران الرعب والخوف والصمت”. مصطفى خليفة سيكتب أيضاً، معللاً ذلك بقوله: “كيف أعيش في ظل نظام حافظ الأسد 30 سنة، وبشار الأسد 11 سنة المليء بالعذاب والسجون والذل والقهر ولا أكتب عنه، هذا عمري..”.كل السياسيين الذين قضوا سنين طويلة خلف جدران السجون في مختلف أرجاء سوريا، وقدّرت لهم النجاة بحيواتهم على الرغم من إذاقتهم أمرّ صنوف العذاب؛ كانوا على يقين بأن سقوط طاغية دمشق آتٍ لا ريب، فالأيام دول، وعلى الباغي تدور الدوائر. 635064611012563750_ser_201369205547حكم العسكر والبعثدولة بموقع وبأهمية سوريا استراتيجيا لا يمكن فصل ما حدث فيها منتصف القرن العشرين عما وصلت إليه اليوم، إذ شهدت انقلابات سريعة ومتتالية، حدثت ثلاثة منها عام 1949، وبعد عامين شهدت انقلاباً آخر، وكذلك انقلاباً عام 1954 تسلّمت فيه القوى المدنية الحكم، وخلال 4 سنوات تم العمل على الوحدة بين سوريا ومصر التي أعلن عنها في شباط 1958، واختير جمال عبدالناصر رئيساً للبلدين. آنذاك التحق النقيب حافظ الأسد بالقوات الجوية في مصر، وفي عام 1961 شهدت سوريا انقلاباً جديداً أطاح بالوحدة، تلاه انقلاب عام 1962، ومن ثم انقلاب 1963 “ثورة 8 آذار” الذي نفذته اللجنة العسكرية لحزب البعث العربي الاشتراكي (تأسست سرياً عام 1960)، ومن بين الضالعين فيه إلى جانب محمد عمران وصلاح جديد؛ حافظ الأسد. SL-476-100تحولت رسالة ومبادئ حزب البعث العربي الاشتراكي إلى مطية من قبل أعضائه المتنفذين، وبينما أُعفي الأسد من مهامه لأنه رفض الانفصال، عاد بقوة بفضل جديد، ورقّي من رتبة رائد إلى لواء، ثم عيّن قائد القوى الجوية والدفاع الجوي، ما أثار حفيظة كل من ميشيل عفلق “الأب الروحي” للحزب الذي قال: “ليس هذا حكم البعث، وليست هذه ثورة البعث، ولا الأهداف أهداف حزبنا وشعبنا، ولا الأخلاق أخلاق حزبنا وشعبنا”، وزميله صلاح البيطار، ولأن الثنائي شكّلا عثرة في طريق القيادة الجديدة (عمران، الأسد، جديد) فقد ارتأت ضرورة إزاحتهما، وكان لهم ذلك في شباط 1966، وحكما بالإعدام، ما اضطرهما للتوجه إلى لبنان، ومنها غادر عفلق إلى العراق.في السنة ذاتها وعندما خلت له الساحة أصبح وزيراً للدفاع بدعم (عمران – جديد)، وتمكن من الوصول إلى الإعلام الرسمي، فظهرت صورته على صفحة جريدة الثورة مصرحاً: (لا بد على الأقل من اتخاذ حد أدنى من الإجراءات الكفيلة بتنفيذ ضربة تأديبية لإسرائيل تردها إلى صوابـها. إن مثل هذه الإجراءات ستجعل إسرائيل تركع ذليلة مدحورة، وتعيش جواً من الرعب والخوف يمنعها من أن تفكر ثانية في العدوان)، رداً على العمليات العسكرية التي قامت بها إسرائيل في الجولان والأردن. كان حافظ الأسد يملك من الدهاء ما يكفي لاستغلال الوقائع والظروف والتغيرات لصالحه، فها هو يبدأ بصياغة دور جديد يمكنه من الاستئثار بألقاب البطولة والشجاعة والدفاع عن العروبة وفلسطين.مرة أخرى تحركت إسرائيل جواً وبراً في 5 حزيران 1967، وكانت لديها معلومات كثيرة عن سلاح دمشق شخصية الأسد ورفاقه الذين تحاصصوا السلطة عن طريق إيلي كوهين الجاسوس الذي أعدم عام 1965، وباتت جثته ورقة بيد النظام، وثم وخلال 6 أيام تمكنت إسرائيل من احتلال سيناء وغزة والضفة الغربية والقنيطرة، فزئير الأسد لم تسمعه، وإن سمعته فإن لم تعره اهتمامها، فهي تعرف متى وكيف وأين تؤكل الكتف، وتعرف كتف من ستأكل أيضاً.مع إعلان النفير العام كان الجيش العربي السوري مستعداً للدفاع عن هضبة الجولان، وبينما بدأت مصر والأردن عملياتهما في 5 حزيزان؛ أمر الأسد بتفريغ القنيطرة من ساكنيها، ويوم 9 حزيران بدأت إسرائيل باحتياج الجولان، وبثت إذاعة دمشق البيان رقم (66) بأمر من الأسد، جاء فيه: “إن القوات الإسرائيلية استولت على القنيطرة بعد قتال عنيف دار منذ الصباح الباكر في منطقة القنيطرة ضمن ظروف غير متكافئة، وكان العدو يغطي سماء المعركة بإمكانات لا تملكها غير دولة كبرى. وقد قذف العدو في المعركة بأعداد كبيرة من الدبابات واستولى على مدينة القنيطرة على الرغم من صمود جنودنا البواسل. إن الجيش لا يزال يخوض معركة قاسية للدفاع عن كل شبر من أرض الوطن كما أن وحدات لم تشترك في القتال بعد قد أخذت مراكزه”. استخدم الأسد تكتيكاً لم يكن في حسبان القادة العسكريين الذي ارتابوا كثيراً مما تم بثه، فكيف يتم الإعلان عن سقوط القنيطرة والمعارك ما تزال دائرة.General_Salah_Jadid ترى ماذا كان يدور في خلد الأسد؟خطة الهجوم الكاذبة المندوب الإسرائيلي في الأمم المتحدة، والسفير السوري في باريس سامي الجندي حسب شهادته في كتابه (كسرة خبز)، وغيرهما من الشخصيات العسكرية أكدوا أن القنيطرة لم تكن قد احتلت حينها، ولم تصبح قوات إسرائيل على مشارف دمشق، وهو الأمر الذي شكر الله عليه مذيع راديو دمشق: “الحمد لله استطاعت قواتنا الباسلة حماية مكاسب الثورة أمام الزحف الإسرائيلي، الحمد لله الذي أفسد خطة العدو وقضى على أهدافه الجهنمية، إن إسرائيل لن تحقق نصراً يذكر، طالما أن حكام دمشق بخير”.الانـهيار النفسي تبعه انهيار التحصينات العسكرية السورية، وسلِّمت القنيطرة للعدو، فأعلنت قيادة حزب البعث ممثلة بصلاح جديد أن الأسد هو المسؤول الأول والأخير عن ذلك، فطلب منه الاستقالة بداية، قرار تراجع عنه جديد، ولا بد أن ثمناً دُفع مقابل تلك الردة عن القرار ضد شخص كان يدّعي أن المعركة الأهم هي تحرير فلسطين، وأن القوات السورية المسلحة كانت جاهزة عام 1967 لنسف الوجود الصهيوني من الوطن العربي، وهو ما نفاه الرائد خليل مصطفى المغيّب في سجون نظام الأسد بسبب كتابه (سقوط الجولان) الذي أصدره عام 1975، وسرد فيه كيف أن كل سيناريوهات وزير الدفاع حافظ الأسد لم تكن سوى (خطة الهجوم الكاذبة) كما أطلق عليها. خلف الكواليس كانت أمريكا ودول أوروبية عديدة وإسرائيل تتفاوض مع شخصيات من الحكومة السورية ومن قيادة حزب البعث كي لا تسقط دمشق مقابل أثمان باهظة، وهي التخلي عن هضبة الجولان، فأثمرت المفاوضات، وكوفئ الأسد. تحت اسم “الحركة التصحيحية” انقلب الأسد ورفاقه على الرئيس نور الدين الأتاسي في أيلول 1970 ، وتسلم البعثي أحمد الخطيب الرئاسة لفترة انتقالية، وقتذاك أصبح الأسد رئيس الوزراء ووزير الدفاع، وفي شباط 1971 استلم الأسد الحكم بعد أن زج  برفاق الانقلابات في السجن، ومن بينهم جديد.قاد الأسد بلداً بأكمله سنة بعد سنة إلى حافة الهاوية، فأخرج من اللعبة كل من عارض نظام البعث ومن عارضه شخصياً، مستولياً على المشهد السوري كاملاً، لتبدأ سوريا فصلاً تاريخياً جديداً يتسم داخلياً بقمع الحريات والتحكّم بالسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وخارجياً بالتفاوض لصالحه في كل شيء، ومعروف أن الأسد عنيد، صلف، مستبد، براغماتي، وميكافيللي أيضاً، يعقد الصفقات مع خصوم خصومه، يعشق كسب الأوراق، راهن على ولاء الشعب وكسب الرهان، لكن بالقوة والجبروت والإجرام.موت حافظ الأسدمات الديكتاتورفي 10 حزيران من عام 2000 نقلت كاميرا التلفزيون العربي السوري بكاء “جماهير” الشعب السوري الذي اتشح بالسواد على “قائد الوطن، الزعيم الأوحد، الأب العظيم، المناضل الكبير، الزعيم الاستثنائي”، الذي قضى عليه السرطان، فيما قضى هو على أحلام شعب بأكمله. مات الديكتاتور، وخلف الأبواب داخل سوريا وخارجها عاش الفرح كل من عانى فترة حكمه، ومن فقد عزيزاً بسببه، ومن دخل السجن لأنه قال لا له أو لنظامه ولأجهزته الأمنية التي كانت تعيث فساداً ولا رادع لها، ولا محاسب عليها.  مات الطاغية المستبد الديماغوجي الذي حكم سوريا 30 سنة حكماً مطلقاً، وقرر وحده نهجها وسياستها، وتمّكن من بناء صرح ضخم من الخوف الذي أخضع الشعب بكل فئاته، والذي خدع الشعب ليس فقط للوصول إلى السلطة، إنما للاستمرار فيها.مات من تمكّن من تكميم الأفواه، وكتم أنفاس الصحافيين وأصحاب الأقلام الحرة، وشراء الذمم، والذي لم يكن يتوّرع حتى عن اغتيال أصدقائه أو سجنهم وتغييبهم، وهم كثر، ومن بينهم صلاح البيطار الذي كان قد استدعاه الأسد عام 1978 بحجة إحداث توازن بين جناحي حزب البعث السوري والعراقي، وحين انهارت المحادثات بين “الرفيقين”؛ غادر البيطار إلى باريس، وهناك انتهت حياته اغتيالاً، وإصبع الاتهام تشير إلى حاكم دمشق الذي استقبل وعلى مدار سنوات حكمه أعداء أعداءه لسنوات من باب (عدو عدوي صديقي)، وفاوض بهم عند اللزوم، فمثلما لعب على حبال المتناقضات المحلية، لعب كذلك على التناقضات الإقليمية والدولية، ولعل أوضح مثال على ذلك عبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني الذي أبعده عن دمشق بُعيد تهديد أنقرة الجديّ والحاد له، وخوفاً من وصول الجيش التركي إلى قصر المهاجرين تخلى الأسد عن أوجلان.624مات الذي مهد لأبناء طائفته طريق الاستيلاء المطلق على السلطة، فخرج بقية السوريين بخفي حنين، إلا من والاه وقدم له خدماته المجانية والكبيرة في آن معاً، ومع إدراك الأسد نهاية السبعينيات أن الأمور بدأت تتفلت من يديه لدى تحرك جزء من الشارع السوري؛ استغل تحرك “الإخوان المسلمون” وأمر باعتقالهم فرادى وجماعات، ومع أن منفذ حادثة مدرسة المدفعية كان سنياً، ومعظم القتلى فيها من أبناء طائفته إلا أنه أشاد بالجماعة في خطاب عام 1980، وأشار أن لا علاقة لهم بما حدث، وإثر نجاته في ذات العام من محاولة اغتيال أصدر القانون (49) الذي ينص على الحكم بإعدام كل من ينتمي إليها، ولإنهاء حالة تمرد الطليعة المقاتلة في الجماعة؛ تصدى رفعت الأسد لعملية اجتياح حماه معقل قيادات “الإخوان المسلمون” مع نخبة من قيادات الجيش، وانتهت الحملة العسكرية التي بدأت في 2 شباط 1982 بعد 27 يوماً، قصفت خلالها بالمدفعية، وارتكبت بحق عشرات الآلاف من أهلها مجازر مروعة، عدا عن عشرات آلاف الضحايا والمعتقلين من مختلف المدن السورية، على رأسها حلب وإدلب وحمص وجسر الشغور، ولم ينج الشيوعيون من حملة التطهير رغم سلمية تحركهم، ومع ذلك سكت زعماء العالم أجمع عن انتهاك نظام الأسد حقوق الإنسان، ففترة الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي ممثلاً بالاتحاد السوفييتي، والغربي ممثلاً بالولايات المتحدة الأمريكية كانت مليئة بالانتهاكات.rifaat_hafez_1_-a4ab8مات حافظ الأسد الذي انتشرت صوره في كل بقالة وجامع وكنيسة ودائرة عمومية أو خاصة، مات “الإله” الذي نُصبت تماثيله في كل مدن سوريا والكثير من أريافها، وبالقبضة الأمنية بنى منظومة أفرغت البلاد من طاقاتها البشرية وثرواتها لصالحه وصالح أبنائه وأقربائه ومواليه، وعندما صارعه شقيقه على الحكم أبعده إلى غير رجعة بالحيلة والدهاء والمال. مات من حكم لبنان بعد تفويضه من قبل عدة أنظمة عربية على رأسها السعودية، وغربية على رأسها الولايات المتحدة، فبسط سلطته عليها تحت مظلة جامعة الدول العربية وقوات الردع العربية، وحولها إلى ساحة مفاوضات وحرب له، إذ لعب دوراً خطيراً جداً فيها، وكسب منها أوراقاً فاوض فيها في المنطقة والعالم.مات من سكت بداية على التمدد العسكري لياسر عرفات عبر منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، ومن ثم دعم المسيحيين فيها للانقلاب على المنظمة عام 1976، ومن كان يبيع ويشتري موقفاً أو زعيماً، ويأمر باغتيال كل من يعارضه في لبنان، وحدها الورقة الفلسطينية لم يكسبها على الرغم من اتهام مخابراته باغتيال عدد من رجالاتها، فما كان منه إلا أن شقها. مات ذاك الذي احتل لبنان عسكرياً بصفة الأمر الواقع، وكان السبب الرئيس في تكبيد الجيش العربي السوري خسائر كبيرة في العديد والعتاد خلال اجتياح إسرائيل لبيروت، وعقد صفقات مع كل الأحزاب والحركات اللبنانية ثم نقضها حسب مصالحه ومصالح سياسته.مات من صب الزيت على النار الأهلية فيها، ومن اتُهم بالخيانة من قِبل أصدقائه وأهل بيته، وحتى من قِبل أعدائه، أمثال الرئيسين الأسبقين محمد أنور السادات وصدام حسين، والملك الأردني حسين بن عبدالله، فيما لم يكن موضع احترام وثقة الملك الحسن الثاني كما بيّن الأمير مولاي هشام في “مذكرات أمير منبوذ”.مات حافظ الأسد الذي تمكن الكاتب غسان الإمام من وصفه بدقة في جريدة في الشرق الأوسط، فكتب: “لا حدود لصبر حافظ الأسد. استعاد المبادرة في لبنان، ضرب الموارنة والسنة، اعتمد الشيعة، استوعب الدروز، ناور، لم ينفذ اتفاق الطائف. ملت أمريكا منه، سلمته دور الشرطي فاغتيل رئيسان لبنانيان، وفي مقابل مشاركته في حرب الخليج الثانية؛ سمحت أمريكا وأوروبا له بمحاصرة ميشال عون، فقوض دولته، نفاه إلى فرنسا، ثم استعاده الأسد الابن بعد 15 سنة، حليفاً، مطيعاً”. فالأسد تحالف مع “إيران الخميني” في حرب الخليج الأولى ضد بغداد، ثم شارك في حرب الخليج الثانية فأرسل القوات السورية لتكون في ذات الخندق مع التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، مع العلم أنه هو ذاته الذي أطلق العهد بالتصدي للإمبريالية والصهيونية والرجعية، وسحق أداتهم المجرمة عصابة الإخوان المسلمون العميلة، العبارة التي ما فتئ يرددها إلى أن بدأت مفاوضات السلام بداية التسعينيات برعاية المنسق السعودي.مات مؤسس الخرابقالوا عنهرؤساء وكتاب كثيرون وصفوا حافظ الأسد، من بينهم جيمس بيكر الذي كتب في مذكراته عن جلسات التفاوض الطويلة التي جمعته بالأسد عام 1991 من أجل السلام، وأطلق عليها (دبلوماسية المثانة)، وبيل كلينتون الذي قال إنه كان “قاسياً، ولكن ذكياً”، بعدما كان وسيطاً بينه وبين الإسرائيليين من أجل السلام أيضاً. وفي (لعنة وطن) كتب كريم بقرادوني الرئيس الأسبق لحزب الكتائب اللبناني إن “حافظ الأسد دخل إلى لبنان وخاض حرباً مجنونة”. وفي (التمرد السوري) كتب فؤاد عجمي: “حافظ الأسد حطّم بلاده، وخلفيته العلوية غذت وحركت الإرهاب. كان ابن فلاحين وانشقاقي”.

رائدة كريم


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.