مملكة الدم 2/2 بشار الأسد.. النفق المظلم

حافظ الأسد الذي اكتشفت إصابته بسرطان الدم وواجه أولى أزماته الصحية عام 1983؛ لم يتسنَّ له أن يشهد تولية ابنه باسل الحكم الذي مات بداية عام 1994، فسنوات تهيئة الابن عسكرياً أضاعها حادث سيارة قرب مطار دمشق الدولي. وصل بشار الابن الثاني لحافظ من بريطانيا، وبدأت رحلة المستشارين لإعداد طبيب العيون لدور آخر سينتهي لاحقاً بوراثة الحكم، وبمباركة عربية ودولية.

باسل كان قد أسس عام 1989 الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية، وأوكلت رئاستها بعد موته إلى بشار الذي وصف Hafiz-Al-Assad1بالخجل والانعزال وعدم امتلاك زمام المبادرة في طفولته، ولتهيئته نفسياً ثم بدنياً أوكلت إليه مهام أخرى، كما تطوع في الكلية الحربية، وبعد تخرجه منها منح رتبة شرف، سمحت له بالوصول إلى رتبة عقيد ركن، قفز بعدها إلى رتبة فريق مع توليه الرئاسة.الأب الذي بويع إلى الأبد عام 1988؛ مات بداية عام 2000، وتم تسليم الابن بلداً مليئاً بالتناقضات، فسوريا التي لم يعرض تلفزيونها فيلم “The Lion King” – ربما لأن أحداثه تشبه فصلاً مهماً من حياة الأسرة الحاكمة – هي ذاتها “سوريا الأسد” التي كانت تفرغ من الطاقات والكفاءات البشرية، إما اغتيالاً أو سجناً أو تغييباً أو نفياً إجبارياً كان أم طوعياً، وهي ذاتها البلد المُستغلّة ثرواته وإيراداته من فئة قليلة، تتمثل في أسرة الحاكم وعائلته الأكبر، ومواليه الأشد إخلاصاً له من زعماء العشائر والتجار والموظفين أصحاب المناصب العليا والمنتفعين، فكان كل هؤلاء يتحكمون بالثروة بما يرضي أطماعهم، ويشبع جوعهم، وهو ما لم يحصل حتى الآن، فالرضى شعور لا يعرفه كل هؤلاء، لا بل كانوا يورثون حالة الجوع لأبنائهم وأحفادهم.ممثلاً بحزب البعث؛ اتجه النظام السوري منذ عهد الرئيس الأب نحو تجهيل الشعب وتحييده عن القرار، وإدخاله في دوامة العمل من أجل ثمن “رغيف الخبز”، كما سمح بانتشار الفساد الذي أصبح مثل حمى معدية أصابت بداية مختلف أجهزة الدولة، ثم أصيب بها الشعب السوري، وكيف لأي كان أن ينجو من تلك الحمى سابقاً ولاحقاً طالما أنه يعيش في مملكة الخراب التي تقودها ثلّة فاسدة، وكيف لصوت أن يعلو فوق صوت “أصحاب السلطة والقرار” الذي هم أسّ الداء والوباء، ولا يخفى على أحد فساد آل الأسد بدءاً من الشقيق رفعت الذي حاول الاستيلاء على الحكم عام 1984 مستعيناً بقواته “سرايا الدفاع”، فما كان من الرئيس إلا استخدام الحيلة وإبعاده مقابل أموال طائلة ذهب بها إلى أوروبا ليعيش وبعض رجالاته رفاهيةً جاءت على حساب جميع السوريين، حاله في ذلك حاله عائلة الأسد ومخلوف وشاليش.

مباركة عربية ودولية

مات حافظ الأسد، ووصلت وفود المعزين لأداء واجب العزاء. كان من بين الشخصيات التي حضرت مادلين أولبرايت وزيرةuntitled26 الخارجية الأمريكية، يومها – وعلى ذمة معزين كانوا موجودين – اجتمعت أولبرايت بالأسد الابن. وبعد 4 أشهر كي يتمكن الابن من تسلّم الحكم عدّل مجلس الشعب الدستور بإجماع تام من قبل أعضائه لخفض الحد الأدنى لعمر الرئيس من 40 عاماً إلى 34 عاماً. آنذاك كان عبدالحليم خدام الرئيس المؤقت الذي تولى المنصب من 17 تموز إلى 10 حزيران 2000، أصدر خلال تلك الفترة قرارين تشريعيين هما ترفيع العقيد بشار الأسد إلى رتبة فريق، وتعيينه قائداً عاماً للجيش والقوات المسلحة.على طبق من ذهب قدّم المنصب كأنه هدية، فورث الابن الشاب دولة مهمة ومؤثرة في الصراع في الشرق الأوسط، وأدى اليمين الدستورية لتولي الحكم 7 سنوات. في تلك الآونة أشادت أولبرايت (بالانتقال السلس والهادئ والمنظم للسلطة في سوريا)، ووصلت البرقيات من مختلف الزعماء العرب وغير العرب، مهنئة الرئيس على الثقة التي أولاه إياها الشعب السوري الشقيق لقيادته ومواصلة مسيرته الخيرة، ومتمنية له دوام التوفيق لإنجاز آمال شعبه الشقيق الذي يتطلع إلى قيادته وحكمته.

حرس المملكة القديم

حاول “الحرس القديم” من العسكريين والمدنيين من أنصار حافظ الأسد – وعلى مدار سنتين تقريباً – السيطرة على الدولة ومؤسساتها، وحماية ما فيها من فساد هم صانعوه أساساً، إذ خشوا من أي محاولة إصلاح قد يقوم بها الرئيس الشاب الذي كان موضع أمل بالنسبة لكثير من السوريين منذ خطابه الأول، وثقة بأن مرحلة جديدة ستدخلها سوريا “المعاصرة”، خاصة وأن قيادات شابة دخلت إلى كلا المؤسستين المدنية والعسكرية، حيث قام بشار الأسد باستقطابها وتعيينها، بعضهم من رفاقه، والبعض الآخر تمت تزكيتهم من قبل عائلته وأصدقائه والمحيطين به، إلى جانب ذلك زواجه من أسماء الأخرس الحمصية مولداً، البريطانية جنسية، صديقته أيام دراسته في لندن، فأدخل بهذا الزوج أقرباء زوجته إلى الحكومية ومفاصل الاقتصاد في البلد، لتزيد كارثة الفساد وتستشري.أراد الرئيس الشاب أن يعطي السوريين انطباعاً أنه مواطن سوري عادي مثلهم، فكان يذهب وزوجه إلى مؤسسات الدولة، وأولى مؤسسات التعليم الشق الأكبر من الزيارات، والأمر الجديد الذي لم يعهده السوريون هو زيارة الرئيس وزوجه ولاحقاً أولاه إلى الأسواق والمطاعم والأحياء الدمشقية أو الحمصية أو الحلبية، بلا مواكب حراسة تثير الخوف ولا مشاهد عسكرية تبعث الذعر في نفوس المواطنين الذين كان يبادلهم الأحاديث، ويتلقى شكاويهم، ما جعل السوريين لاحقاً يرون فيه منقذ البلد، كل ذلك أثار مخاوف “الحرس القديم” من هز عروشهم.تصريحات بشار الأسد ووعوده باستحداث مشاريع تنمية وإجراء إصلاح في مختلف مؤسسات الدولة كانت حاضرة في خطاباته الطويلة، وبالتالي فإن الوفاء بتلك الوعود كان يتطلب منه بناء منظومة تحالفات جديدة. صورة البلد المتهالك اقتصادياً “التي نقلت إليه” ستعيق مسيرته الإصلاحية، ما دفعه إلى تكثف الأسد زياراته إلى دول عربية وأجنبية، ليعزز مكانته كرئيس جديد، وليبني تحالفات جديدة خارج المنظومة الاشتراكية، عكس ما فعل والده، وليضع صورة “سوريا المستقبل” بين أيديهم، فتلقى دعماً كبيراً من الدول الشقيقة والصديقة على مختلف الأصعدة.

التدخل في العراق

دخلت القيادة السورية مرحلة أخرى من التجاذبات والتناقضات، بسبب اختلاف وجهات النظر بين واشنطن ودمشق بعد asad01أحداث 9/11 في أمريكا التي أعلنت الحرب على الإرهاب. عقب الاحتلال الأمريكي للعراق قامت شخصيات متنفذة في القيادة السورية بالتعامل مع شخصيات قيادية عراقية لتهريب الأموال والآثار عن طريق لبنان، إلى جانب استضافة عدد كبير من قياديي البعث العراقي المطلوبين لأمريكا. سلّمت دمشق بعض تلك الشخصيات واحتفظت بأموالهم، فيما تعاونت مع البقية، واستثمرت الكثير من الأدمغة العراقية في منشآتها الحيوية ومراكز البحوث العلمية. ومثلما فتحت دمشق أبوابها في وجه العراقيين من السنّة البعثيين، فتحتها كذلك في وجه العراقيين الشيعة بما حملوه من أموال وآثار من بلدهم التي بدأت تعيش فصلاً طويلاً من حرب طويلة. استفاد أقرباء بشار من هذه الأموال، وكان على دراية ومعرفة بما يجري، وبدأ نهجاً جديداً بإصدار قرارات من شأنها إدخال المزيد من أموال العراق المنهوبة إلى دمشق، وفي المقابل سمح للجهاديين الذين دربتهم المخابرات السورية في معسكراتها عبور الحدود لتنفيذ عمليات تفجيرية في العراق ضد القوات الأمريكية، وقد أثبتت أمريكا ضلوع النظام السوري في هذه العمليات. ما وضع القيادة السورية السياسية والعسكرية في مأزق بسبب سياسته تلك، بعد إدراكها أن المحاسبة الأمريكية ستطال سوريا، ما دفعها إلى توجيهه دائماً بضرورة الإنكار، وتحميل المسؤولية لعناصر مخابراتية كي يحمي النظام نفسه.وفي ذات الوقت كان الأسد مستمراً في إطلاق شعارات المقاومة والممانعة التي كان عززها بعلاقته المكشوفة مع إيران “ولي الفقيه” وحزب الله اللبناني، وكل ذلك تم على حساب الشعب السوري وقوتِه.

اغتيال الحريري

سارت الأمور على غير ما يشتهي السوريون واللبنانيون ومؤيدو الرئيس الأسبق رفيق الحريري الذي قضى في تفجير قضّ مضجع الجميع، وفجّر معه قصصاً قديمة من زمن الأسد الأب، وحديثة من زمن الابن كانت مخفية عن كثيرين، ولولا مقتل غازي كنعان لانكشف الستار أكثر عن فضائح النظام السوري في لبنان، إذ كان كنعان “الحاكم” الفعلي في لبنان، ينفذ قرار القيادة السورية، إلى أن أُنهيت حياته ببضع رصاصات في الرأس كما تردد. لم تتوقف فكرة تخلص النظام السوري من الشخصيات السياسية والإعلامية المؤثرة في لبنان، والتي وقفت في وجه سياسة الأسد، فنفذت المخابرات السورية عدة اغتيالات، بعضها نجح، وبعضها الآخر فشل، فظل الشهود أحياء تحدثوا للمحققين في المحكمة الدولية عن أسرار كثيرة. وبعد أن أصبح الشريكان حزب الله ونظام الأسد وجهاً لوجه مع المحكمة الدولية رغم رفضهما الخضوع إليها؛ برز الحضور الإيراني في أكثر أركان النظام السوري حساسية.

قمع الحريات

على مستقبل سوريا خشيت المعارضة السورية في الداخل ممثلة بـ (التجمع الوطني الديمقراطي) المكون من شخصيات المجتمع المدني الحزبية والمستقلة وغيرها من الشخصيات الإسلامية والليبرالية، فوقّع الجميع على وثيقة “إعلان دمشق” الذي صدر في العاصمة السورية، يوم 16 تشرين الأول 2005، وكان يدعو إلى إنهاء حكم أسرة الأسد واستبداله بنظام ديموقراطي، إلى جانب بنود أساسية ترسم خطوطاً عريضة لعملية التغيير الديمقراطي، ولإنهاء النظام الأمني الشمولي الذي سيطر على الشعب السوري ومقدراته أكثر من 40 عاماً، مع ضرورة إيجاد حل عادل للقضية الكردية، وجاء في الوثيقة (تتعرض سوريا اليوم لأخطار لم تشهدها من قبل، نتيجة السياسات التي سلكها النظام، وأوصلت البلاد إلى وضع يدعو للقلق على سلامتها الوطنية ومصير شعبها. وهي اليوم على مفترق طرق بحاجة إلى مراجعة ذاتها والإفادة من تجربتها التاريخية أكثر من أي وقت مضى. فاحتكار السلطة لكل شيء، خلال أكثر من ثلاثين عاماً، أسس نظاماً تسلطياً شمولياً فئوياً، أدى إلى انعدام السياسة في المجتمع، وخروج الناس من دائرة الاهتمام بالشأن العام، مما أورث البلاد هذا الحجم من الدمار المتمثل بتهتك النسيج الاجتماعي الوطني للشعب السوري، والانهيار الاقتصادي الذي يهدد البلاد، والأزمات المتفاقمة من كل نوع. إلى جانب العزلة الخانقة التي وضع النظام البلاد فيها، نتيجة سياساته المدمرة والمغامرة وقصيرة النظر على المستوى العربي والإقليمي وخاصة في لبنان، التي بنيت على أسس استنسابية وليس على هدى المصالح الوطنية العليا).فشل الأسد الابن في أول اختبار ثقة بينه وبين المعارضة السورية التي كان قد طمأنها سابقاً بتغيير الأوضاع في الداخل، فلم يلغِ حالة الطوارئ، ولم تطل فترة إطلاقه الحريات السياسية، فسرعان ما قبض يده ثانية، وأمر بإغلاق المنتديات التي كان قد سمح بها، كما تراجعت الحريات الإعلامية، وتعثرت سياسة الإصلاحات التي بدأ بتنفيذها، كما زاد عدد الأفرع الأمنية ليحكم قبضته الأمنية على بلد بدأ يفقد السيطرة.

2006 محور الممانعة

ربما كان الملف اللبناني من أكثر الملفات التي هددت عائلة الأسد، فالدول التي وقفت إلى جانبه بدأت تتخلى عنه، ومن بينها بشار-الأسد-في-صورة-الحيران-550x353فرنسا والمملكة العربية السعودية، وإثر ضغوط دولية كبيرة ومتسارعة خرج النظام السوري من لبنان التي سيطر عليها تماماً ثلاثة عقود، وبدأت الشخصيات التي ساهمت بوصوله إلى الحكم بالتخلي عنه، حيث انشق عبدالحليم خدام الركن المهم من أركان الحرس القديم، لتتالى بعدها انشقاقات مدنيين وعسكريين بعد اكتشاف محاولتهم بخطة انقلاب عليه.ورط حزب الله لبنان في حزيران 2006 في حرب مع إسرائيل، فأسر جنديين إسرائيليين بعد قتلهما جلب الخراب والدمار لبلد لم يكن قد تعافى من ويلات الحرب الطويلة السابقة، وبسبب دعم بشار لحزب الله بالصواريخ والأسلحة “للرد على إسرائيل”، حينها شنت إسرائيل حرباً مدمرة استهدفت مناطق واسعة من لبنان، طالت كل شيء حتى البنية التحية، وحرقت الأخضر واليابس.

خلال أيام الحرب أبدى السوريون محبتهم للشعب اللبناني، ففتحوا قلوبهم قبل بيوتهم للقادمين من الدولة الشقيقة، وقد تمكنت قناة الجزيرة بقوة حضورها من حجب الرؤية عن المشهد الحقيقي، فبيت أن المنتصر هو محور الممانعة الذي انضمت إليه قطر وتركيا. وساهمت الوساطات الدولية في إيقاف الحرب على لبنان التي استمرت 33 يوماً، لكن صور شخصيات محور الممانعة “المنتصر إعلامياً” ارتفعت في كافة أرجاء سوريا، وفي دول عربية كثيرة. واستغل حزب الله وإيران ذلك التعاطف، وتم إغراء كثير من السوريين بالمال والعطاءات في سبيل “تشييعهم” من أجل تحقيق مشروع “الهلال الشيعي الإيراني”.

الحريقة.. الدم.. السقوط

ضمن تلك الظروف والمتغيرات كان الشعب السوري يئن تحت وطأة الوضع الاقتصادي الصعب، والقبضة الأمنية التي طالت السياسيين والعسكريين والمدنيين، فتمت تصفية الكثير منهم داخل المعتقلات التي لم تكتشف ويعرف عددها إلا بعد قيام الثورة، وعلى الرغم من كل ذلك كان الإعلام الرسمي السوري و”الممانع” يصور بشار بأنه “رجل الإصلاح” الذي يقود مرحلة جديدة في تاريخ سوريا نحو التقدم والنمو والازدهار. وفي 17 شباط 2011 انطلقت أول مظاهرة في الحريقة بدمشق إثر ضرب ابن أحد المسؤولين مواطناً، وإطلاق الأعيرة النارية في الهواء، والتهديد بالقتل، ما دفع المواطنين إلى التكاتف وتنظيم مظاهرة عفوية رافعين أول شعار في الثورة السورية (الشعب السورية ما بينذل). تدخل وزير الداخلية وقائد دمشق والمحافظ لتهدئة الوضع والاعتذار للناس.من دمشق إلى درعا انتقل مشهد الحريقة، غير أن حكاية أطفال المدرسة وذويهم لم يكن المسؤولين حكماء بالتعامل معها. انتفض الناس، ونظموا مظاهراتهم السلمية التي بدأت بمطالب إصلاحية، ومع قتل النظام الأمني أول شاب في الثورة بتاريخ 18 آذار 2011؛ أعلن المتظاهرون أن لا عودة إلى البيوت فـ(الشعب يريد إسقاط النظام). ووفي تاريخ 25 آذار 2011 أسقطوا أول تمثال لحافظ الأسد في المدينة.

رائدة كريم


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.