أطفال الزبداني: كيف نذهب إلى المدرسة جائعين؟

“طارق” ابن السنوات السبع، الذي هُجر مع عائلته من أطراف مدينة الزبداني المحاصرة إلى بلدة مضايا المحاصرة أيضاً في ريف دمشق, أجاب عندما سألناه إذا ما كان لا يزال يذهب إلى المدرسة: “كيف بدي روح على المدرسة وأنا جوعان، أصلاً بالمدرسة ما في أكل، ونحنا بس منروح نلعب وكل الولاد بالمدرسة جوعانين متلي”.

أكثر من سبعة أشهر ولا تزال الزبداني وجارتاها مضايا وبقين تعاني مر الحصار وقسوة الجوع والبرد، مضى على إعلان الهدنة المتفق عليها بين حركة “أحرار الشام” الإسلامية والوفد الإيراني في تركيا أكثر من سبعة أشهر, نفذ منها وقف إطلاق النار وإخراج الجرحى باتجاه محافظة إدلب, بينما لم تشهد المناطق الثلاث دخول أي مساعدات أو فتح الطرق إليها، وكانت المبادرة تضمنت شروطاً بينها دخول مساعدات إغاثية، من طعام ودواء.

يعاني المحاصرون داخل المناطق المذكورة شح الطعام وفقدان الدواء بشكلٍ تام, ومع قدوم فصل الشتاء والبرد القارس الذي تشتهر به منطقة الزبداني وجوارها، المرتفعة عن سطح البحر 1250م – 1400م, يفتقد المدنيون إلى مواد التدفئة التي تقيهم البرد، وما يحمله لهم من مرض ومعاناة.12386681_764625710309612_760061460_n

يقول “أحمد” وهو من مدينة مضايا ويعمل في المجال الإغاثي: “لم يعد لدينا ما نقدمه للناس، الذين بلغ عددهم أكثر من 40 ألف نسمة، لا يوجد شيء ليأكلوه سوى أوراق التوت اليابسة وبعض الأعشاب التي تنبت على أطراف الطرقات وبين البيوت, حتى الأعشاب نخاطر لأجلها، حيث نضطر للبحث عنها قرب حواجز قوات النظام، وأغلب الحواجز زُرعت حولها الألغام”.

كذلك حال “أم براء” التي تبلغ من العمر 40 عاماً، وهُجرت قسرياً أيضاً من مدينتها الزبداني إلى بلدة مضايا، بعد أن كانت تعيش في بلدة بلودان المجاورة, تقول: “لدي ثلاثة أطفال، أكبرهم يبلغ من العمر 13 عاماً وأصغرهم خمس سنوات, بطونهم خاوية، يشكون دائماً من الجوع وليس لدينا معيل، فزوجي استشهد في الزبداني عندما كان يزرع أرضنا في السهل العام الماضي، عندما أصيب بشظية في الرأس وفارق الحياة إثرها”, وتضيف بيأس: “الآن ابني الأكبر براء يساعدني في جمع الحطب وقطف الأعشاب لنأكل, نحن نعيش على وجبة واحدة في اليوم، وهذا بالكاد يساعدنا على أن نستمر في الحياة”.

هذه المعاناة والمتاعب التي تخطف ابتسامات الأطفال وبراءتهم, ليست المصيبة الوحيدة التي ألقى بها الحصار على كاهل الأهالي, فالوضع الطبي المتردي يحصد أرواح مزيد من الأبرياء، بينما يقف الجميع إما عاجزين وإما مكتوفي الأيدي، وفي هذا السياق يقول “أبو نضال” وهو مدير المستشفى الميداني في الزبداني: “نحن كهيئة طبية نعاني فقدان الأدوية بكافة أنواعها, ولا يوجد لدينا ما نقدمه للمرضى أو الجرحى، يأتينا يومياً أكثر من 35 حالة إغماء جراء الجوع معظمهم من الأطفال والمرضى”, ويضيف: “أيضاً توفي ما يقارب 15 شخصاً، بينهم أطفال حديثي الولادة ورجال ونساء نتيجة سوء التغذية، أو أطفال بحاجة لحاضنات وهي غير متوفرة لدينا، ولم يسمح النظام لذويهم بأن يسعفوهم إلى مستشفيات خارج البلدة”.

وبينما ضاق الأهالي بهذا الحصار الخانق, نظم بعض الناشطين مظاهرات طالبت النظام بفك الحصار وفتح الطريق وإدخال المواد الغذائية، وتحييد المدنيين عن المعارك الجارية، كما نظموا اعتصاماً مفتوحاً في ساحة “دانات” الواقعة بين بلدتي بقين ومضايا، نصبت فيها الخيام ورفعت على جانبي الطرقات لافتات كتب عليها شعارات مثل: “لا للحصار” و”لا للجوع”، “اقتلونا بالبراميل والمدافع ولا تقتلونا جوعاً وقهراً”، فيما نددت بعض اللافتات بالسياسات الدولية.

في الوقت ذاته، يحاول ناشطون لفت الانتباه إلى المأساة التي يعيشها المدنيون في المنطقة، من خلال حملات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لاقت أصداء لا بأس بها، واستطاعت بالفعل توجيه الأنظار إلى الجريمة المرتكبة بحق المدنيين المحاصرين، كما نظم سوريون وقفات تضامنية في مدن كالعاصمة الألمانية برلين واسطنبول في تركيا، رفعوا خلالها لافتات تطالب بفك الحصار وإنهاء الجوع وتندد بالنظام السوري وحليفه “حزب الله” اللبناني.

من جانبه، وعد النظام السوري بالسماح بإدخال مساعدات إلى بلدة مضايا عبر المنظمات التابعة للأمم المتحدة، و لا تزال هذه الوعود وعوداً حتى اللحظة، ولا يزال الأهالي يموتون جوعاً وبرداً على مرأى العالم أجمع.

عمر محمد


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.