سوريون تحت الحصار وفشل إنساني ذريع

في الوقت الذي يتوجب فيه على جميع الأطراف الدولية حمل المساعدات الإنسانية إلى سوريا وعلى نطاق واسع، نجد أن هذا لم ولن يكون ممكناً طالما أن أطراف النزاع لا تمتلك إرادة الحوار مع المنظمات الإنسانية وتحديد التدابير والاجراءات الفعالة للعمل في ظروف آمنة وبكفاءة. يجب على جميع أطراف النزاع، بموجب القانون الإنساني الدولي، أن تسمح بوصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين، ولا سيما المحاصرين منهم والذين هم بحاجة ماسة لهذه المساعدات. unnamed-624

لقد دخل الصراع في سوريا عامه الخامس، والوضع الذي يعيش فيه الملايين من السوريين، بات أكثر تعقيداً وبعيداً كل البعد عن إيجاد حل له في ظل هذه الحرب الداكنة. و في هذه المقالة، تتناول الدكتورة جوانا لي، رئيسة منظمة أطباء بلا حدود الدولية، العواقب الرهيبة الناجمة عن الحرب التي لا تزال متفشية، وتتحدث عن التحديات التي تواجه العاملين في المجال الإنساني الذين لون جهوداً مضنية للعمل في بيئات مأهولة بأولئك الأكثر ضعفاً والمقطوعين من المساعدات الإنسانية.                        

وعلى الرغم من دخولها عامها الخامس، فإن الحرب في سوريا ما تزال تتسم بعنف شي غير مسبوق يستهدف دون تمييز بين المدنيين والمقاتلين. مئات الآلاف قتلوا في هذه الحرب ونصف الشعب فرّ، إما إلى مناطق أخرى داخل البلاد أو إلى دول الجوار. وعدة مدن سورية تعيش حالة من الحصار المميت ولا يدخلها أي نوع من المساعدات، ليجد سكان هذه المدن أنفسهم عالقين في خطوط الجبهة الأمامية التي لا يتوقف القتال فيها بين قوى النظام وحلفاؤه ومقاتلي المعارضة المسلحة. 

كما أن آلاف الأطباء والممرضين والصيادلة والعاملين في مجال الصحة، إما قتلوا في هذه الحرب، أو اختطفوا أو هجروا kidnapped3_741537_largeنتيجة العنف الدائر في مناطقهم. ونتيجةً لذلك، باتت الكثير من المناطق والمدن تعاني من نقص حاد في الكفاءات والخبرات الطبية، كمدينة حلب، ثاني أكبر مدينة في سوريا، التي كانت تشتمل على أكثر من 25000 طبيب قبل الحرب، اليوم لا يوجد فيها إلاّ المئات منهم. خمس أعوام من الصراع والمساعدات الطبية مشلولة نتيجة الفشل في توصيلها. 

التفاوض المباشر مع أطراف النزاع للوصول للمرضى                                                

ينظم السوريون، من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، حملات عدة من أجل المطالبة بوصول المساعدات للمناطق المحاصرة، ولكن هذه النداءات أضحت بمثابة لوحة خلفية للحرب، وهمسات لا أحد يسمعها. وفي حين أن ملايين الأشخاص هم بحاجة ماسة للمساعدة، لم تتمكن منظمة أطباء بلا حدود من تنفيذ واحد من أكبر برامجها الطبية خلال 44 عاماً منذ تأسيسها، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، لماذا؟                       

كانت المنظمة، في بدايات الحرب، تزود العاملين في المجال الطبي في سوريا، بالمعدات والأدوية لمساعدة الجرحى والمصابين، وكان من المستحيل آنذاك الحصول على موافقة الحكومة للعمل داخل البلاد. لكن وبفضل التواصل المباشر مع المعارضة، نجحنا في التفاوض على إدخال المساعدات وإيصالها إلى المناطق التي تسيطر عليها في شمال البلاد. في العام 2013، كانت منظمة أطباء بلا حدود تدير ست مشافي في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة وكانت تقوم بتأمين آلاف الاستشارات الطبية وعمليات الولادة والعمليات الجراحية. وعلى الرغم من صعوبة التفاوض، في بعض الأحيان، مع عدد من الجماعات المسلحة، إلاّ أن هذه الجماعات سمحت لنا بإرسال فرق طبية للعمل مع الكوادر الطبية المحلية.32ipj1-400x2592

وقد قامت المنظمة بالتفاوض مع مختلف جماعات المقاتلين المحليين لضمان التعامل باحترام مع الطواقم الطبية المرسلة للعمل في المناطق التي تسيطر عليها وكذلك ضمان تأمين الحماية اللازمة لهذه الطواقم وعدم التدخل في آليات عملها. وكلما كانت الجماعات المسلحة تتغير على الأرض، كانت المنظمة تعاود التفاوض من جديد على نفس الشروط، ولا سيما مع جيش المجاهدين والجبهة الاسلامية وجبهة النصرة، وهي جماعات مختلفة تنتمي إما للجيش السوري الحر أو لتنظيم الدولة الاسلامية في الشام والعراق.                  

الخطف والتهديد            

فُرض الحصار على المساعدات الطبية، وانتقلت المنظمة من مرحلة تقديم المساعدات تحت وابل من الرصاص إلى مرحلة أصبح فيها تقديم المساعدات الإنسانية مستحيلاً.            

في جميع الأحوال، لم تكن المنظمة في وضع يسمح لها بتقديم المساعدات الإنسانية لغالبية السوريين العالقين بين أطراف الصراع. فالعنف وانعدام الأمان طال أيضاً المرافق الصحية والعاملين في هذا المجال، كما أن عدم سماح الحكومة السورية للمنظمة بالدخول والعمل في الأراضي السورية، شكل أحد أهم العوائق والتحديات التي واجهتها المنظمة لتطوير أنشطتها الطبية داخل سوريا. ومع ذلك كانت المنظمة تبذل أقصى الجهود لإيصال مساعداتها للداخل، أكثر بكثير مما تفعله اليوم. في العام 2014 وعندما وصل مقاتلو الدولة الاسلامية إلى المناطق التي تعمل بها منظمة أطباء بلا حدود وتدير فيها مستشفيات عدة،

إبرام عدة اتفاقيات معهم تنص على عدم تدخلهم في إدارة المستشفيات التي تشرف عليها المنظمة داخل المنطقة وكذلك6420826737 عدم المساس بالكوادر الطبية العاملة، سواء كانت محلية أو من خارج البلاد، والمحافظة على احترام هذه الكوادر وعدم التدخل في أنشطتها. وقد أبرم هذا الاتفاق بعد ما قام مقاتلو الدولة الاسلامية في الثاني من شهر يناير للعام 2014، باختطاف وأسر 13 عضواً في منظمة أطباء بلا حدود، 8 منهم من السوريين، أُطلق سراحهم بعد 8 ساعات لاحقاً في ذلك اليوم. أما الخمسة الباقون وهم أطباء من خارج سوريا، فقد استمر اعتقالهم مدة 5 أشهر. حادثة الاختطاف هذه أدت إلى استقالة الطواقم الطبية القادمة من الخارج وإغلاق المرافق الصحية التابعة لمنظمة أطباء بلا حدود في المناطق الخاضعة لسيطرة الدولة الاسلامية.                                        

طالبت بعض القيادات المحلية في تنظيم الدولة الاسلامية وفي عدة مناسبات، المنظمة بإعادة تفعيل أنشطتها الطبية في المناطق التي يسيطرون عليها، لكن هذه المطالبات لم تؤخذ على محمل من الجد من قبل المنظمة ولا سيما بعد تعرض طواقمها للاختطاف والأسر وخرق جميع الاتفاقيات التي أُبرمت مع تنظيم الدولة الاسلامية، بالإضافة إلى عدم تأمين جميع الضمانات الضرورية التي تمت المطالبة بها من قبل المنظمة والمتعلقة بعدم اختطاف أو أسر أي من المرضى أو الطواقم الطبية إلاّ في حالات الإساءة المباشرة للتنظيم. ومع أن المنظمة لا تزال تمتلك ثلاث مستشفيات تعمل بفضل كوادر طبية سورية، أحدها في مدينة أطمة واثنان في حلب، وثلاث مرافق صحية أخرى في شمال سوريا، إلاّ أن حجم المساعدات الطبية لا يزال محدوداً.                                    

القصف الجوي لمدينة حلب أدى إلى موت وجرح الآلاف، كما أنه تسبب بتدمير المنازل والبُنى التحتية في المدينة. وأصبح الحصول على الرعاية الصحية، في شرق مدينة حلب، ضرباً من المستحيل وذلك بسبب النقص الحاد في الأدوية وفي الكوادر الطبية والكفاءات. وقد لاحظت فرق منظمة أطباء بلا حدود، تزايد كبيراً في المضاعفات الطبية، بما في ذلك

المضاعفات الناجمة عن الولادة والاجهاض والولادة المبكرة. كما أن الفرق سجلت ملاحظات تتعلق بصعوبات توفير الرعاية اللاحقة للعمليات الجراحية وعدم وجود المضادات الحيوية، وهذا أدّى بالنتيجة إلى الزيادة في الالتهابات والزيادة في معدل الوفيات بين المرضى الذين خضعوا لعمليات جراحية.                dsc_2133

ونتيجةً لهذه الظروف، وجدت المنظمة نفسها مطرةً للحد من أنشطتها الطبية المباشرة في سوريا، لكنها واصلت تقديم الدعم لشبكات الأطباء السوريين التي تبذل جهوداً دؤوبة لعلاج المرضى. ومع أن نسبة التعرض لخطر النهب والسرقة ومصادرة المعدات الطبية وخطر الموت في بعض الأحيان، كانت مرتفعة،    

فإن المنظمة حرصت على ترك الأدوية والمعدات الطبية الضرورية للكوادر الطبية السورية التي تعمل في المناطق المحاصرة ومناطق الحرب. ولكن من الواضح أن هذا الدعم لا يزال دون المطلوب. فالعديد من الهياكل الطبية لا تزال تفتقر إلى المعدات والأفراد، والمنظمة لا تستطيع تقديم المساعدة المباشرة لتلبية الاحتياجات الضرورية والأساسية. ويقول مدير مستشفى يقع في إحدى المناطق المحاصرة بالقرب من مدينة دمشق، أنهم تلقوا في إحدى المرات حوالي 128 مصاب بعد تعرض أحد أسواق المنطقة لقصف جوي عنيف، قد نجح فريق المستشفى بإنقاذ 60 مصاب مقابل 68 لقوا حتفهم في ذلك اليوم. وقد استنفذ الفريق حينها جميع الأدوية والمعدات التي كانت متبقية لديه.          

دروس من الخارج                              

الطواقم الطبية التابعة لمنظمة أطباء بلا حدود تعمل اليوم في مناطق الصراعات الأكثر تعقيداً، في أفغانستان وجنوب السودان واليمن. وتقول الدكتورة جوانا لي، أنها زارت مؤخراً مركزاً طبياً تديره المنظمة، يقع في شمال أفغانستان، ومتخصص بعلاج الصدمات، وبحسب لي، فإن هذا المركز يمثل نموذجاً للمراكز الطبية التي يجب حملها للشعب السوري. مركز علاج الصدمات هذا، التابع لمنظمة أطباء بلا حدود والموجود في مدينة قندوز شمال أفغانستان، يستقبل الجرحى من المقاتلين التابعين لجميع أطراف النزاع، ويتواجدون جنباً إلى جنب ساء مع الأعداء أو المدنيين. وقد تم قبول الأطباء الأفغان ومن غير الأفغان العاملين في المستشفى، من قبل جميع الفئات في المنطقة المتنازع عليها في البلاد. كما وتم التفاوض مع جميع الجهات المعنية وأطراف النزاع على ظروف العمل الآمنة وعدم التدخل في الأنشطة الطبية، بما في ذلك الحكومة الأفغانية، وقيادة طالبان (إمارة أفغانستان الإسلامية) وقوات المساندة الأمنية الدولية بقيادة الأميركان.        

وعلى الرغم من الضرورو القصوى التي تلزم المجتمع الدولي بحمل المساعدات الإنسانية إلى الشعب السوري وعلى نطاق واسع، إلاّ أن هذا لن يكون ممكناً قبل أن تتفق جميع الأطراف المتنازعة على آليات للحوار المشترك والتفاوض مع المنظمات الدولية العاملة في مجال حقوق الإنسان والمساعدات، وتحديد الاجرءات العملية التي تسمح بالعمل في ظروف آمنة وبكفاءة عالية. يجب على جميع أطراف الصراع أن تسمح بوصول المساعدات الإنسانية للمدنيين وذلك وفقاً لشرعة الأمم المتحدة والقوانين الدولية التي تنص على هذا البند.                                   

لقد عانى السوريون خلال السنوات الأربع الماضية، معاناةً لا يمكن تصورها، وقد ترافقت هذه المعاناة بانسداد الأفق وإعاقة جميع المنظمات الدولية من تقديم مساعدات إنسانية، كذلك استمرارية تفاقم الفقر إلى حد كبير. وتختم الدكتورة جوانا لي قائلةً أنه لا يمكن الاستمرار في رفض تقديم المساعدة الأساسية للشعب السوري، كما أنه ليس من الممكن أن يستمر المجتمع الدولي في النظر بعيداً، هناك مسؤوليات علينا تحملها اتجاه هذا الشعب وجهوداً يجب بذلها حتى النهاية.

إعداد د. جوانا لي/ منظمة أطباء بلا حدود

ترجمة زويا منصور

تجدون المقالة الأصلية على الرابط التالي:

http://www.msf.ca/fr/article/syrie-un-echec-humanitaire-inacceptable-selon-dre-joanne-liu-de-msf            



أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.