سلاح فتاك ضد المدنيين التجويع سياسة النظام في سوريا والحوثيين في اليمن

تعتبر سياسة تجويع المدنيين خلال الحروب جريمة في القانون الدولي الإنساني الذي منح السكان المدنيين غير المشاركين في الحروب والنزاعات المسلحة حقوقاً متعددة لاعتبارات إنسانية من أهمها الحق في الحياة. والواقع لا يقتصر تجويع المدنيين على منع الطعام والشراب والدواء عنهم، ولكن يمتد ليشمل تعمد مهاجمة أو تدمير أو نقل أو تعطيل الأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين من المواد غذائية والمناطق زراعية التي تنتجها، والمحاصيل، والماشية، ومرافق مياه الشرب وشبكاتها. وتعتبر المحكمة الجنائية الدولية جريمة تجويع المدنيين من الجرائم ضد الإنسانية.8f8acb1a6bdc33eedbe486e4436fd183.jpg_2

وفي ظل الصراعات والازمات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط اليوم، يبدو جلياً استخدام بعض الأطراف سياسة التجويع كسلاح فتاك ضد المعارضين لهم. ولعل أبرز الأمثلة على ذلك ما يطبقه النظام السوري، وحلفائه من حزب الله وغيره من الميليشيا، من سياسيات لتجويع المعارضين. كذلك استخدمت ميليشيات الحوثيين هذه السياسة ضد المدنيين في مدن باليمن.

سياسة التجويع في سوريا

بعد مرور حوالي عام على اندلاع الثورة السورية في آذار 2011، سارعت قوات النظام وحلفائها إلى بدء استخدام الحصار كسلاح في كثير من المدن والبلدات، وذلك بهدف فرض الاستسلام على المعارضة المسلحة، ما تسبب في وفاة المئات جوعاً، وسط صمت عالمي ملفت. وسبق أن أصدر مجلس الأمن الدولي قراراً يطالب بوقف جميع أشكال الحصار، إلا أن ذلك لم ينجح نسبياً في تحقيق أي تقدم ملموس يتعلق بأوضاع المدنيين المحاصرين. وكانت منظمة “هيومان رايتس ووتش”، أدانت سياسة التجويع التي ينتهجها النظام السوري ضد المدنيين قائلة إن النظام “اختار استخدام المدنيين كأداة حرب عبر تجويعهم”، مؤكدة أن ذلك يمثل انتهاكا لحقوق الإنسان، وجريمة حرب. وأشارت المنظمة إلى أن مجلس الأمن وجه العديد من الدعوات للسماح بوصول المساعدات الإنسانية للمدنيين، إلا أن روسيا حالت دون صدور قرار من المجلس بهذا الخصوص. وانتقدت موقف المجتمع الدولي، وخاصة الأمم المتحدة، من الأزمة السورية، قائلا إنه غير كاف.

واستناداً إلى تقارير المنظمات الحقوقية الدولية، وعلى رأسها منظمة العفو الدولية، نجد أن النظام السوري لجأ إلى تجويع baschar_al-assad_reuters_sanaالمدنيين كأسلوب من أساليب الحرب. وتؤكد المنظمة على أن العائلات أجبرت على السعي بحثاً عن الطعام في الشوارع، وهو ما عرضهم لخطر القتل برصاص القناصة. وقال فيليب لوثر، مدير قسم الشرق الأوسط في المنظمة، إن قوات النظام ارتكبت “جرائم حرب بتجويعها للمدنيين واستخدام ذلك كوسيلة من وسائل الحرب.” وتابع لوثر قائلا: “لقد أصبحت الروايات الشنيعة التي تصف العائلات وهي تلجأ إلى أكل القطط والكلاب، إلى جانب المدنيين الذين يتعرضون لإطلاق النار من قبل القناصة أثناء بحثهم عن الطعام، أمرا شائعاً يصور قصة الرعب التي يشهدها مخيم اليرموك.” كما وصف لوثر الحصار الذي شهده المخيم بأنه أشبه “بالعقاب الجماعي” للمدنيين. وكانت منظمة العفو قد نقلت عن بعض اللاجئين من المخيم قولهم إنهم لم يتناولوا فاكهة أو خضروات لشهور، وأن ما لا يقل عن 60 في المئة من سكان المخيم يعانون من سوء التغذية.

تحولت القطط والكلاب، والحشائش وأوراق الأشجار، والماء الدافئ مع الليمون والبهارات، طعام المجوَّعين في سوريا، بعدما غيّرت قوات النظام السوري المدعوم من خططه العسكرية، واتخذ التجويع تكتيكاً في الحرب. وكانت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) أعلنت في كانون الأول 2015، أن المجاعة ضربت نصف الشعب السوري سنة 2015. وذكرت في تقرير أن هناك “13.6 مليون جائع يتوزعون بين عشرة ملايين داخل سوريا، ونحو 3.5 ملايين في دول اللجوء، والعدد مرشح للزيادة”. وأعلن “تجمع ثوار سوريا” أن سنة 2015 شهدت وفاة 208 أشخاص على الأقل بسبب الجوع والحصار في سوريا، جلهم في مناطق دمشق وريفها.

وكما مخيم اليرموك، عانت بعض أحياء حمص من حصار خانق منذ 2012، حيث قطعت قوات النظام وحلفائها، كل image-257إمدادات الغذاء والدواء والماء والكهرباء عن هذه المناطق، ما أدى إلى انتشار أمراض، حيث يؤدي تناول هذه النباتات إلى القيء والإغماء والإسهال، وحتى فقدان الذاكرة مؤقتا، والبعض توفي بسبب ذلك. وقال متحدث باسم برنامج الأغذية العالمي إن الأشخاص الذين خرجوا من حمص، بعد اتفاقيات مع النظام السوري، كانوا في حالة وهن شديد وعليهم علامات ضعف واضحة بسبب سوء التغذية، وتابعت “قالوا إنهم يبقون على قيد الحياة بتناول أوراق الشجر والعشب والزيتون”.

وفي غوطة دمشق الشرقية حذرت منظمة “أطباء بلا حدود” في شباط الفائت، من وضع صحي خطير جراء القصف و الحصار الخانق الذي عانت منه منذ 2013. وتسبب حصار قوات النظام في نضوب المواد الغذائية والطبية، ما تسبب في انتشار أمراض خطيرة بين المواطنين. وفي الشهر ذاته، أظهر شريط مصور بثه ناشطون سوريون على الإنترنت مجموعة من الأطفال يحاولون الحصول على بقايا طعام يُوزع في مناطق جنوب العاصمة وأجزاء واسعة من ريف دمشق، وهي مناطق محاصرة منذ 2012. وحذّرت تقارير عدة من ارتفاع معدل الوفيات بين الأطفال وكبار السن نتيجة الحصار في الزبداني ومعضمية الشام وغيرها من المناطق، في حين حملت أطراف من المعارضة السورية، المسؤولية للمجتمع الدولي وأصدقاء الشعب السوري، داعية الأمم المتحدة إلى تصنيف الوضع بالكارثة الإنسانية، وإقرار تدخل دولي إنساني عاجل وتقديم المساعدات عبر الجو. كذلك عانت يبرود تحديدا عام 2014 من قصف متواصل ومعارك وحصار لم يترك للسكان من حل سوى الهرب باتجاه مدينة عرسال اللبنانية، للنجاة بأنفسهم من القصف والجوع والمرض. أما “من بقي منهم داخلها فقد عانوا من التجويع وقلة المواد الطبية والماء الصالح للشرب، بسبب الحصار واستمرار المعارك”. أما في مدينة مضايا، التي تحاصرها قوات النظام السوري ومليشيات حزب الله اللبناني، فقد وصلت إلى “حالة احتضار حيث انعدمت مقومات الحياة فيها وجفت أوراق الشجر واختفت حتى الحيوانات التي كان يأكلها سكانها بسبب الحصار”.

الحوثيين والتجويع في اليمن

اتخذت مليشيا الحوثيين وقوات الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح في اليمن سياسة مماثلة لتلك التي طبقها النظام السوري وحلفائه في سوريا، وذلك عبر فرض حصار على مدينة تعز ومنع عن الأهالي الغذاء والدواء. ويقول مراقبون للتطورات الميدانية هناك إن المدنيين “هم الضحية الأولى للعنف، فمنذ شهر آذار الفائت أصبح 90% من سكان محافظة تعز -البالغ عددهم نحو أربعة ملايين- بحاجة إلى إغاثة عاجلة، وأن تعز هي النسخة اليمنية من مدن الرقة والزبداني في سوريا، وأن شوارعها كأطلال مخيم اليرموك بدمشق”. ويضيف هؤلاء أن “تعز لم يعد فيها حجر على حجر، حيث اختلط الدم بالتراب بالصراخ بالجوع بالظمأ بالبارود بحمى الضنك، وأصبح اسم تعز التي كانت عاصمة للثقافة مرادفا للموت والحصار والجوع”.

كما شدّدت مليشيات الحوثيين حصارها على مناطق عدن، الأمر الذي فاقم معاناة السكان معيشياً، ذلك في ظل انقطاع التيار الكهربائي والمياه، وانعدام المتطلبات الأساسية من مواد غذائية وخضار من أسواق المدينة. وأوضح ناشطون في المدينة أن الحوثيين “منعوا منذ دخول كافة أنواع الخضار والفواكه واللحوم والدواجن إلى المدينة عبر المنفذين الشمالي والشرقي”. وقال الناشطون إن الحوثيين يلجؤون إلى سياسة التجويع من أجل فرض السيطرة الكلية على المدينة، وبالتالي من لم يمت بالرصاص سيموت جوعاً. وأشاروا إلى انعدام أسواق مدينة عدن للخضروات، وإن وجدت في بعض المحلات فإنها تباع 26-02-15-947998681بأسعار مضاعفة 5 مرات.

وسبق أن حذرت مقررة الأمم المتحدة المعنية بالحق في الحصول على الطعام، هلال ايلفر، من أن نحو ثلاثة عشر مليون يمني يعيشون حالياً دون الحصول على الحد الأدنى من الغذاء بسبب سياسات الحصار والغارات التي تستهدف الأسواق ومستودعات الغذاء. وقالت ايلفر إن وضع الأطفال في اليمن مقلق، حيث يتعرض ثمانمائة وخمسون ألفاً منهم لنقص حاد في التغذية. وقالت المسؤولة الأممية إن “التجويع المتعمد للمدنيين في كل من الصراع المسلح الدولي والصراع الداخلي يمكن أن يشكل جريمة حرب، ويمكن أيضا أن يشكل جريمة ضد الإنسانية في حالة الحرمان المتعمد من الغذاء وكذلك الحرمان من مصادر الغذاء والإمدادات”. وأشارت الأمم المتحدة إلى أن الحق في الغذاء لا يتوقف في أوقات الصراع، بل يصبح أكثر أهمية نتيجة لحالات الضعف الشديد الذي يجد الأفراد أنفسهم فيها. وأوضحت ايلفر أن “في بلاد تعتمد على 80 في المائة من الواردات الغذائية، أدت القيود الحالية إلى ارتفاع حاد في الأسعار، أحدثت، جنبا إلى جنب مع الزيادات في أسعار الديزل بنسبة نحو 47 في المائة، تأثيرا مدمرا على الأمن الغذائي.

أحمد محمد


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.