في ظل سياسة التجويع المنظمة… لا محظورات في الحرب السورية

تتصاعد حدة المعارك في مختلف أنحاء سوريا بدلاً من أن تنخفض وتيرتها بالرغم من زعم القوى الدولية والإقليمية رغبتها في إنهاء الصراع الذي تعيشه البلاد منذ حوالي خمس سنوات. والحقيقة تجاوزت هذه المعارك كافة المحظورات أمام أنظار المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان، التي لم تتمكن من الاقدام على أي خطوة ملموسة وجدية لإيقاف الانتهاكات اليومية التي يتعرض لها المدنيون. حيثُ باتت سياسة حصار المدن والقرى وتجويع سكانها المدنيين حتى الموت تكتيكياً عسكريا يُمارس في الحرب السورية، ما جعل هؤلاء المدنيين تحت خطر الموت جوعاً.5699e443cd106

في تعليقه الأخير، يقول الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، إن استخدام سياسة التجويع في الحرب يعتبر جريمة حرب، وذلك خلال تصريح للصحفيين حول مدينة مضايا المحاصرة من قبل النظام السوري، وذلك ضمن سياسة التجويع التي ينتهجها النظام، والميلشيات المتحالف معه، لإعادة فرض سيطرته على المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة. والواقع أن مضايا ليست وحدها الخاضعة للحصار في سوريا، إذ ثمة هناك مناطق عدة في البلاد تعيش أوضاعا مأسوية نتيجة منع سكانها من الخروج والدخول، علاوة عن منع وصول إمدادات الغذاء والماء إليها. لكن بلدة مضايا، الواقعة قرب الحدود السورية – اللبنانية، تخضع للحصار الأكثر قسوة من قبل قوات النظام وميليشيات حزب الله اللبناني. إذ يموت الناس جوعاً هناك أو يتعرضون للقنص والاعتقال عندما يحاولون مغادرة البلدة. وفي المقابل، فإن هناك بلدات وقرى بريفي إدلب وحلب تخضع لحصار فصائل المعارضة المسلحة.

وسبق أن كشفت الأمم المتحدة في بيان بتاريخ 14 كانون الثاني 2016، أن 400 ألف شخص يعانون محنة الحصار من قبل أطراف النزاع في سوريا. وأضافت المنظمة أنه على الرغم من الطلب المتكرر للوصول إلى هذه المناطق المحاصرة، لم تتم الموافقة إلا على 10% من جميع هذه الطلبات التي تنظمها الأمم المتحدة والتي تهدف إلى إيصال المساعدات وتسليمها في المناطق المحاصرة والتي يصعب الوصول إليها.ووفقاً لتعريف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، تعتبر المنطقة تحت الحصار إذا كانت “محاصرة من قبل أطراف مسلحة ما يترك أثراً مستمراً يتمثل في عدم القدرة على إدخال المساعدة الإنسانية بانتظام، وعدم قدرة المدنيين والمرضى والجرحى على الخروج من المنطقة بانتظام”. ووفقاً لـ”أوتشا”، يوجد هناك 4.52 مليون شخص يعيشون في مواقع “يصعب الوصول إليها” في سوريا، بما في ذلك 393,700 شخص في 15 بقعة محاصرة.

ويوضح تقرير لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) في 13 كانون الثاني الفائت، أن أحدث تقرير للأمين العام للأمم المتحدة حول775 الحالة الإنسانية في سوريا لا يشمل مضايا كواحدة من تلك المناطق، ولكن ما يثير الحيرة أنه يدرج الفوعة وكفريا في القائمة. وقد تلقت جميع المدن الثلاث مساعدات من الأمم المتحدة في شهر أكتوبر. وتقول (إيرين) إن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في سوريا لم يستجب لطلب شبكة الأنباء بأن يشرح لها المعايير التي يحدد بناء عليها ما هي المناطق التي يعتبرها محاصرة وتلك التي لا يعتبرها غير محاصرة. وتضيف (إيرين) أن هذه ليست المرة الأولى التي تقود فيها الحقائق على أرض الواقع إلى التشكيك في تعريف الأمم المتحدة لماهية الحصار. ففي يوليو 2015، رفعت الأمم المتحدة في هدوء مخيم اليرموك الفلسطيني من قائمة المناطق المحاصرة، رغم أنها لم تستطع في ذلك الوقت تقديم الإغاثة لمدة أربعة أشهر.

ويُقدر بيير بوليه ديباريو، مدير برنامج منظمة أطباء بلا حدود في سوريا، عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت “درجات مختلفة” من الحصار في البلاد بما يتراوح بين 1.8 و 2 مليون شخص. وقد طبق مشروع مرصد الحصار، وهو مشروع مشترك بين معهد سوريا البحثي ومنظمة باكس غير الحكومية، معايير الأمم المتحدة بدقة على البيانات التي جمعها الباحثون على أرض الواقع، وتوصل إلى أن عدد السكان المحاصرين في سوريا يصل إلى قرابة 1.1 مليون شخص. وسواء كانت المنطقة محاصرة أو “يصعب الوصول إليها”، يواجه العاملون في المجال الإنساني عقبات كبيرة في إيصال المساعدات إلى المناطق التي يحاصرها المقاتلون، التي كثيراً ما تكون محاطة بأسلاك شائكة وألغام. ولكن لا توجد منطقة محاصرة مغلقة بإحكام. فهناك الطريق الرسمي لإدخال المواد الغذائية والطبية ومواد الإغاثة المتنوعة الأخرى – وهو الذي سلكته الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر. وهذا يتطلب القيام بالعملية الشاقة المتمثلة في طلب إذن الدخول، الذي عادة ما يتم رفضه.

المناطق المحاصرة

تشير تقارير حقوقية إلى أنّ حوالي 40 ألف مدني محاصرون في بلدة مضايا من قبل قوات النظام السوري وقوات من 000_Nic6434776-e1428233478644الحرس الثوري الإيراني (ازدادت التقارير التي تتحدث عن قتالهم في أغلب الجبهات الساخنة في شمال سوريا، شمال غرب سوريا، والعاصمة دمشق)، بالإضافة إلى حزب الله اللبناني وميليشيات عراقية (أبرزها كتائب أبو الفضل العباس)، وذلك منذ 6 أشهر. وشهدت المدينة حالات وفاة جوعاً أو بسبب نقص الأدوية. وتفيد هذه التقارير بأن ما يجري في مضايا ليس إلا سياسة تجويع وجرائم حرب ضد الإنسانية يرتكبها النظام السوري وحلفائه؛ دون أن يحرك المجتمع الدولي ساكناً. وتمكنت الأمم المتحدة من إدخال المساعدات إلى مضايا قبل أسابيع، وذلك ضمن اتفاق بين النظام والمعارضة بوساطة الأمم المتحدة. كما أظهرت صور ومقاطع فيديو نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي مدنيين، وبشكل خاص، أطفالاً في حالة صحية يرثى لها بسبب نقص التغذية.

كذلك عانت مدينة معضمية الشام بريف دمشق، حصاراً مطبقاً من قبل النظام منذُ عام 2013. وفقد العديد من المدنيين أرواحهم بسبب سياسة التجويع التي مارسها النظام، ولا تزال المدينة تشهد اشتباكات عنيفة بين قوات النظام وفصائل معارضة في المدينة. كما تتعرض معضمية الشام لقصف عنيف من الطيران الروسي والمدافع الثقيلة التابعة للنظام، في ظل نقص تام للأدوية والغذاء. وتشير تقارير حقوقية إلى أن هناك آلاف المدنيين المحاصرين في المدينة على شفا الموت، كما هو الحال في بلدة مضايا.

الزبداني كانت، ولا تزال، واحدة من المدن السورية التي فُرِضَ عليها الحصار والتجويع بهدف إعادة السيطرة عليها، وجرى اتفاق بين النظام والمعارضة في تلك المنطقة على أن يتم إخلاء المدينة على مراحل مقابل سماح كتائب المعارضة وجبهة النصرة للمدنيين المحاصرين في بلدتي كفريا والفوعة بالخروج، على أن تنطلق الحافلات بشكل متزامن إلى معابر حدودية لبنانية وتركية، ويتم العمل على مراحل. وبالفعل تم تنفيذ المرحلة الثانية قبل أسابيع بوساطة دول إقليمية وإشراف منظمات إنسانية دولية. واتجه الخارجون من الفوعة وكفريا إلى إحدى مطارات تركيا، فيما تم نقل الخارجين من الزبداني لمطار بيروت، وأقلعت الطائرات التي تقلهما بشكل متزامن من المطارين في تركيا ولبنان.

بعد سيطرة جيش الفتح المكون من فصائل معارضة للنظام السوري (أبرزهما جبهة النصرة وحركة أحرار الشام الإسلامية)براميل-متفجرة-الفلوجة على ادلب المدينة أواخر شهر آذار الفائت، تقدمت قوات جيش الفتح نحو مدينة كفريا والفوعة والتي يقطنهما عشرات الآلاف من الموالين للنظام، ولكن لم يتمكن جيش الفتح من السيطرة على البلدتين بسبب وجود عدد كبير من قوات النظام فيهما مدعومين بقوات إيرانية ومقاتلي حزب الله. ويقدر عدد المقاتلين فيهما بحوالي 5000 مقاتل، ما دفع جيش الفتح إلى فرض حصار خانق على البلدتين في محاولة منه لدفع النظام إلى فك الحصار عن مدن دمشق وريفها مقابل كفريا والفوعة. وعانى سكان البلدتين أيضاً من نقص حاد في المواد التموينية، ما دفع النظام إلى إلقاء الطحين وحليب الأطفال بالمروحيات؛ والتي نفذت بسرعة بسبب وجود عدد كبير من السكان في المدينة. وفي الآونة الأخيرة شددّ جيش الفتح حصاره على البلدتين، وانتهى مؤخراً باتفاق بين الطرفين لفتح الطريق أمام الشاحنات لإدخال الأغذية والأدوية إلى البلدتين مقابل سماح النظام بإدخال شاحنات الأغذية والأدوية إلى مضايا وذلك بوساطة الأمم المتحدة. لكن غالباً ما تكون مثل هذه الاتفاقيات هشة ولا تستمر سوى أسابيع يعود بعدها حصار المدنيين مرة أخرى ولفترات طويلة يترافق معها اشتباكات عنيفة وقصف بالطائرات والبراميل المتفجرة كما حصل سابقاً في الزبداني.

كانت بلدة بقين في ريف دمشق، وتجاور مضايا، معروفة بمياهها وخضرتها، لكن أهلها الآن يفتقدون للحد الأدنى من الطعام، فمنذ يوليو 2015، تعيش تحت حصاراً خانقاً. كما أن مدينة دوما، التي تجاور معضمية الشام، تتشارك معها العيش تحت الحصار والقصف بالبراميل المتفجرة الذي تشنه قوات النظام منذ 2014. وفي نهاية 2012 طوقت قوات النظام بلدة داريا الواقعة في غوطة دمشق، ومنذ ذلك الوقت يقاسي أهالي البلدة الأمرين في سبيل تأمين “لقمة خبز باتت مغمسة بالدم”. وكانت داريا من أولى البلدات التي احتجت على النظام السوري في العام 2011. كما إن نبل والزهراء، البلدتين المتصلتين في ريف حلب شمال البلاد، تخضعان للحصار منذ عام 2012. لكن الذي يحاصرهما قوات المعارضة، التي تتهم السكان بموالاة النظام.

وازدادت المناشدات أخيراً باتخاذ إجراءات فعالة لإنقاذ نحو 250 ألف مدني محاصرين داخل أحياء مدينة دير الزور (الجورة – القصور – هرابش – البغيلية) من قبل تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، وذلك للشهر السابع على التوالي، في ظل انقطاع تام للتيار الكهربائي وندرة المواد الغذائية، والتي لا تكفي سوى 25% من الأهالي. ويشير تقرير صادر عن حملة “معاً لفك الحصار عن دير الزور”، إلى أن الحصار بات أشد على الأحياء بعد أن تمكن التنظيم من إغلاق جميع المنافذ ومنع عمليات تهريب الغذاء والمواد الطبية. ويأتي الحصار بالتزامن مع تقليل كميات الغذاء المنقولة من قبل نظام الأسد للتجار المرتبطين به، وسجلت الحملة وفاة طفلين رضيعين نتيجة نقص حليب الأطفال، إضافة إلى وفاة طفل يبلغ من العمر (11 عاماً) وامرأة (53 عاماً) نتيجة الجوع.

شهران وتدخل الحرب السورية عامها السادس، في وقت لا تزال فيه مفاوضات ما تعرف بـ “محادثات السلام” في بدايتها، ودون وجود أي بوادر للحل في ظل الاختلافات الحادة بين القوى الإقليمية والدولية المؤثرة على أطراف النزاع، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي ويؤدي بالتالي إلى اشتداد المعارك على الأرض، ويدفع المدنيون الفاتورة الأكبر في هذه الحرب، وهم باتوا أدوات بيد أطراف النزاع، وهنا يمكن التأكيد على أنه لم يعد هنالك محظورات في الحرب السورية.

 يوسف شيخو


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.