الأمم المتحدة … ما لها وما عليها في مناطق النزاع

“الجوع أو الركوع” … شعار تنتهجه قوات النظام السوري وأعوانه من ميليشيات حزب الله وإيران في فرض حصارها على المناطق التي خرجت ضد النظام وطالبت بإسقاطه. ومدينة مضايا، التي طالعتنا صورها المؤلمة مؤخراً ليست الوحيدة في حصارها، فهناك المعضمية ودير الزور وبلدات الغوطة الشرقية والزبداني وغيرها. وهذا ما يدفعنا للتساؤل ماذا قدم المجتمع الدولي، وفي صدارته منظمة الأمم المتحدة، المعنية بحماية المدنيين في مناطق النزاع، لفك الحصار عن هذه المدن وتخفيف معاناة الأهالي؟

هلل الجميع لدى مشاهدتهم قوافل إغاثة منظمة الأمم المتحدة وهي تدخل مدينة مضايا، التي تعاني الجوع نتيجة الحصار القائم عليها من قوات النظام وميليشيات حزب الله، لكن شيئاً فشيئاً بدأ الاحباط يتسلل إلى النفوس، فالمساعدات لن تكفي المدينة أكثر من شهر واحد، ستعود بعدها إلى قصة الجوع ثانية، وتخضع لقصة التوازنات بين القوى المتقاتلة على الأرض.

وتعود خلفية قصة مدينة مضايا إلى أكثر من سبعة أشهر، حيث حاصرت ميليشيات حزب الله وجيش النظام المدينة، بعد أن ab9f9de9e661809fd3f68bd26bab88dbتأمل سكانها بانفراج بعد الاتفاق الذي تم برعاية الأمم المتحدة وأدى إلى إجلاء مسلحين وعائلات تحصنوا بمدينة الزبداني غرب دمشق، مقابل إجلاء جرحى ونساء وأطفال وشيوخ في بلدتي كفريا والفوعة بإدلب. لكن النظام والميليشيات لم تطبق بنود الاتفاق بفتح طرق إمداد لإيصال المساعدات، ليبقى 40 ألف نسمة من سكان مضايا يتضورون جوعاً. واضطرت الأمم المتحدة للتحرك بعد مناشدات أطلقها مدنيون من غالبية المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة، لفك الحصار عن مضايا، بعد غياب لأي تحرك دولي يوقف معاناتهم. وجاء هذا التحرك بعد الخطأ الأخلاقي الذي وقعت فيه، فبعد أن توجه المجلس المحلي للبلدة المحاصرة برسائل متكررة إلى مسؤول ملف الزبداني، جيفري فيلتمان، جاء الرد عبر رسالة تلقائية بأن الكوادر في إجازة.

دور الأمم المتحدة

لكن ما الدور الذي تلعبه منظمة الأمم المتحدة في مناطق النزاعات، وما هي حدود إمكانيات تدخلها في الصراعات القائمة؟

تأسست منظمة الأمم المتحدة عام 1945، بعد انتصار الحلفاء وإلغاء عصبة الأمم، وهي مفتوحة أمام كل الدول المحبة للسلام التي تقبل التزامات ميثاق الأمم المتحدة وحكمها. ومنذ 14 تموز من سنة 2011، وبعد تقسيم السودان أصبح هناك 193 دولة كأعضاء في المنظمة. وينص ميثاق المنظمة على “تحقيق التعاون الدولي على حل المسائل الدولية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والانسانية”. ومن مهام المنظمة تنسيق عمليات الإغاثة الإنسانية الناتجة عن الكوارث الطبيعية أو تلك التي من صنع الإنسان، ما يتطلب جهدا خارج قدرة السلطات الوطنية وخارج الجغرافيا الوطنية كذلك.

إطعام الجوعى

أحد مهام الأمم المتحدة من خلال برنامج الأغذية العالمي إغاثة الجوعى ومعالجة المرضى ومساعدة الأطفال، من خلال الاستجابة العالمية لحالات الطوارئ الصحية. لذا سارعت الأمم المتحدة مؤخراً إلى المطالبة بالوقف الفوري لحصار المدن السورية من قبل جميع أطراف النزاع، لأنه انتهاك خطير للقانون الدولي، وطالبت بتمكين العاملين بالإغاثة من العمل بدون عراقيل وبدون شروط مسبقة. لكن هل تمكنت الأمم المتحدة فعلاً من تحقيق مطالبها، ليس في سوريا فقط، بل في جميع مناطق النزاع في العالم؟

الواقع أن الأمم المتحدة خذلت أهالي مدينة مضايا، حيث أشرفت مؤخراً على تنفيذ هدنة الزبداني والفوعة، وكان من ضمن الاتفاق بند يطالب بفك الحصار عن مضايا، التي تتبع إدارياً لمدينة الزبداني، وتابعت المنظمة الدولية عملية تبادل الجرحى بين المعارضة والنظام، غير أن الأمم المتحدة لم تتابع مهامها بإتمام الاتفاق الذي كان من أبرز بنوده فك الحصار وإمداد المناطق التي كانت محاصرة بالغذاء والدواء، ما جعل أهالي مضايا يواجهون الموت جوعاً وبرداً، مما جعل من صمت المنظمات الدولية شريكة في جريمة حصار المدنيين.

كيف تسير الأمور؟

إن أهم سمة للنظام الدولي الحالي هو عدم الاستقرار نتيجة الصراعات المحلية والإقليمية والنزاعات العرقية والطائفية المنتشرة في مختلف قارات العالم، والتي باتت تهدد بالعودة بالمجتمع الدولي إلى شريعة الغاب. لذا ساد انطباع على نطاق واسع بأن تلك الصراعات ستقود إلى ميلاد جديد للأمم المتحدة. وظن العالم أنه بعد انتهاء الحرب الباردة سيسجل التاريخ ميلاداً جديداً للأمم المتحدة، بعد فشل دورها في الصراع بين الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة، وما صاحب ذلك من كثرة استخدام حق الفيتو. وما شجع على التفاؤل تجارب الأمم المتحدة الناجحة في إبرام مجموعة اتفاقيات ساعدت في إنهاء الصراع بين العراق وإيران وانسحاب القوات السوفييتية من أفغانستان، وقيام حكومة ائتلافية واسعة القاعدة في كمبوديا، وإنهاء الحرب الأهلية المزمنة في السلفادور.

لكن سرعان ما تبدد ذلك التفاؤل بعد عجز الأمم المتحدة عن القيام بدورها في حفظ السلام والأمن في عدد من المناطق الملتهبة في العالم، مثل الصومال، ويوغوسلافيا السابقة، ورواندا وكشمير. ووصل العالم إلى قناعة أن هذه المنظمة العالمية تحولت إلى أداة في يد الدول الكبرى، ولا سيما منها الأعضاء الدائمين لمجلس الأمن، وبذلك فقدت الأمم المتحدة استقلالها وحيادها وأصبحت رهناً بقرارات تلك الدول، مما تسبب بتدهور مكانة الأمم المتحدة. وما زاد الطين بلة فشلها في الصومال وتخبطها في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، إذ تحولت المنظمة العالمية من دورها كأداة لحفظ السلام إلى أداة قهر، بل صارت متورطة في صراع الفصائل المتحاربة في الصومال، لتتخلى بذلك عن حيادها التقليدي.

إلا أن ذلك لا يعني أن الأمم المتحدة لا تزال إحدى الأدوات الرئيسية لحل المشكلات الدولية، خصوصاً فيما يخص دول العالم الثالث التي تحرص أكثر من غيرها على تفعيل المنظمة الدولية نظراً لتدني المكانة الدولية لها بعد انفراط عقد الاتحاد السوفييتي وانفراد الولايات المتحدة ومجموعة الدول الصناعية الرأسمالية بإدارة النظام الدولي، حيث يمكن للأمم المتحدة أن توفر بعض الأمان لهذه الدول.

تحدي الفقر

شكل الفقر عاملاً لزعزعة الاستقرار في العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، حيث يعيش حالياً أكثر من بليون شخص تحت خط الفقر. كما أدت الحروب والمجاعة إلى وجود نحو 60 مليون لاجئ أو مشرد داخليا حول العالم يتعين على الأمم المتحدة العمل على إعادة توطينهم. وتعاني المنظمة من مجموعة من المعوقات المالية والتنظيمية التي جعلتها غير قادرة على مواكبة التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي وذلك بسبب تضخم الجهاز الإداري وعدم فاعلية الأجهزة المكتبية. فبانتهاء الحرب الباردة، لم يعد جهاز الخدمة المدنية بالمنظمة العالمية مناسباً للمهام الجديدة والمتزايدة التي أصبحت تضطلع بها، بالإضافة إلى عدم توافر كوادر دبلوماسية لدى الأمم المتحدة تتمتع بكفاية عالية للقيام بمهام الوساطة بين أطراف النزاعات، ما يضعف من قدرة المنظمة على ممارسة الدبلوماسية الوقائية.

وانعكست هذه المعوقات في أروقة منظمة الأمم المتحدة على أدائها في إدارة الأزمات في مناطق النزاع الحالية، خصوصاً سوريا، اليمن والعراق. فهي تقف موقف المحايد في سياستها مع الأطراف المتنازعة في هذه الدول، وخير مثال على ذلك موقفها في مدينة تعز المحاصرة ومدن سوريا التي تموت ببطء وأمام أعين العالم الصامت على جرائم الحرب التي يرتكبها النظام والميليشيات في محاولة لتغيير ديمغرافي في سوريا من خلال تهجير أهالي المناطق المحاصرة وإحلال آخرين مكانهم، منهم غير سوريين.

وتعرضت الأمم المتحدة لانتقادات كثيرة خلال سنوات الصراع الخمس في سوريا، فقد اتُهمت بعدم الحيادية، رغم معرفة الجميع عدم قدرة المنظمة على فرض إرادتها على الأرض نتيجة الضعف الذي تعانيه ككيان دولي تقع عليه مهمة حل التوترات بمناطق النزاع. لذا عملت الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية على مهادنة جميع أطراف النزاع، وتوجت جهودها الضعيفة في قضية “حصار مضايا”، حيث اتهمت بأنها منحازة إلى جانب النظام في موافقتها على إدخال مساعدات أكبر لقريتي كفريا والفوعة، معتبرين بذلك أن حزب الله انتصر بمساعدة الأمم المتحدة، التي وقفت “صامتة” طيلة ٢٠٠ يوم، لتصل لهذه النتيجة. وحتى عندما قامت الأمم المتحدة بإيصال مساعدات لهم، يتم ايصالها فاسدة، منتهية الصالحية، في إشارة إلى 320 من أصل 650 صندوقًا تحتوى بسكويت عالي الطاقة والتي أرسلت للزبدانى ومضايا كجزءٍ من قافلة المساعدات في 18 أكتوبر 2015 كانت منتهية الصلاحية في أيلول 2015.

إلى أين؟

غالباً ما يخرج علينا موظفو الأمم المتحدة ليؤكدوا على دور المنظمة في حماية المدنيين خلال النزاعات المسلحة عبر بعثات حفظ السلام ومحاسبة منتهكي القانون الإنساني الدولي. فهناك زيادة مفرطة خلال العقد الأخير في عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية الدولية ومعظمهم من المدنيين المتضررين من نزاعات مسلحة أو حالات الطوارئ المعقدة. لذا من واجب الأمم المتحدة العمل بشكل حثيث نحو إلزام أطراف النزاع بتحمل واجباتها تجاه حماية المدنيين والسماح بدخول المساعدات الإنسانية لمستحقيها ووقف أي انتهاكات لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي لحقوق الانسان. ويتم ذلك عبر تفعيل الآليات الدولية لتجريم جميع الأفعال المحرمة دولياً عبر لجان التحقيق أو المحاكم الخاصة والتأكيد أن الإفلات من العقاب لا يمكن أن يكون خياراً في النزاعات المسلحة.

ورغم القرارات الدولية وجهود الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومنها بند “حماية المدنيين في النزاعات المسلحة” الذي صدر في عام 1999، إلا أن المجتمع الدولي لم يستطع توفير تلك الحماية الفاعلة لهم، بل على العكس ازدادت مآسي القتل والتشرد والهجرة. كما أن الخلافات بين الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن واستخدامها حق النقض “فيتو” من الأمور التي ساعدت على تفاقم معاناة المدنيين واستمرار الانتهاكات الجسيمة ضدهم دون رادع أو حسيب.

نجاح سفر


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.