حصار وتجويع وآلام عجز الصليب الأحمر الدولي عن وقفها في سوريا

في عام 1919، أي بعد عام واحد على نهاية الحرب العالمية الأولى، تأسس الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر في مدينة باريس، حيث أكدت الحرب وجوب التعاون الوثيق بين جمعيات الصليب الأحمر، والتي جذبت إليها الملايين من المتطوعين لبناء كيان كبير من الخبرات، وذلك من خلال النشاطات والمساعدات الإنسانية التي قدمتها باسم الأسرى والمحاربين. ولم يكن بمقدور أوروبا المدمرة خسارة مثل هذا الكيان النافع والثمين.06110130425584185730376037142423

والواقع يرجع الفضل في إنشاء الاتحاد إلى هنري دافيسون، رئيس لجنة الصليب الأحمر الأمريكية زمن الحرب. فقد بادر دافيسون إلى عقد مؤتمر طبي دولي نتج عنه ولادة ما سمي برابطة جمعيات الصليب الأحمر، والتي تحول اسمها لاحقاً، في تشرين الأول من عام 1983، إلى “رابطة جمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر”. وفي تشرين الثاني 1991، حملت الرابطة اسم” الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر”.

كان أول أهداف الاتحاد هو تحسين الوضع الصحي لمواطني الدول التي عانت بشدة خلال أربع سنوات من الحرب. وكان الغرض منه “تقوية وتوحيد جمعيات الصليب الأحمر الكائنة، وتشجيع قيام جمعيات جديدة بغرض القيام بنشاطات صحية وطبية”. في البداية شارك بتأسس الاتحاد كل من بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، اليابان، والولايات المتحدة. وبمرور الوقت ارتفع العدد حتى بلغ عدد الجمعيات الوطنية المعترف بها 189 جمعية – أي ما يقارب جمعية في كل دولة من دول العالم. وقد كانت المهمة الأولى لتلك الجمعيات مساعدة ضحايا مرض حمى التيفوس والمجاعة في بولندا. أما في الوقت الحالي، فإنها تُدير ما يربو عن 80 عملية إغاثة في العام الواحد.

ولادة فكرة

نشأت فكرة تأسيس الصليب الأحمر في عام 1859 من قبل شاب سويسري يُسمى هنري دونان، مُتأثراً بما خلفته معركة Red-Cross-workersسولفرينو الدامية في إيطاليا بين الجيش الامبراطوري النمساوي والاتحاد الفرنسي السرديني. حيث خلفت المعركة ما يقارب من 40 ألف ضحية في الميدان، بين قتيل وجريح، وعانى فيها الجرحى من نقص الرعاية الطبية. نظم دونان مجموعة من الأفراد المحليين لتضميد جراح الجنود، وإطعامهم، والعمل على راحتهم. وعند عودته إلى وطنه، نادى بإنشاء جمعية وطنية للإغاثة تهدف لمساعدة جرحى الحرب، وبذلك مهد الطريق لمعاهدة جنيف لاحقاً.

وكتب دونان ذات مرة: “أما توجد وسائل تفيد، في أوقات السلم والأمان، لتكوين جمعيات للإغاثة تعتني بالجرحى في وقت الحرب، من خلال متطوعين متحمسين ومتفانين، ومؤهلين جيداً لمثل هذه المهمة؟”.

خروج إلى النور

في عام 1863، خرجت فكرة مؤسسة الصليب الأحمر إلى النور عندما كوّنَ خمسة رجال في جنيف، منهم دونان، اللجنة الدولية لإغاثة الجرحى، والتي تحولت فيما بعد إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر. كان شعارها صليب أحمر اللون على خلفية بيضاء: عكس العلم السويسري. وبعد عدة سنوات، تبنت 12 حكومة معاهدة جنيف الأولى؛ والتي تشكل علامة بارزة في تاريخ البشرية، موفرة الرعاية للجرحى، ومكسبة خدمات الرعاية الطبية في ميدان المعركة صفة الحيادية.

ومنذ نشأتها عام 1863، كان الهدف الوحيد للجنة الدولية للصليب الأحمر هو حماية ضحايا النزاعات المسلحة والاضطرابات ومساعدتهم، وذلك عن طريق عملها المباشر عبر أنحاء العالم، وكذلك من خلال تشجيع تطوير القانون الدولي الإنساني وتعزيز احترامه من قِبَل الحكومات وجميع حاملي السلاح. وتعكس قصة اللجنة الدولية تطور العمل الإنساني واتفاقيات جنيف وحركة الصليب الأحمر والهلال الأحمر.

منظمة مستقلة

يستند عمل اللجنة الدولية إلى اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية، ونظامها الأساسي، والنظام الأساسي 56373104c46188217c8b45cbللحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، وقرارات المؤتمرات الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر. واللجنة الدولية منظمة مستقلة ومحايدة تضمن الحماية والمساعدة في المجال الإنساني لضحايا النـزاعات المسلحة وحالات العنف الأخرى. وتتخذ إجراءات لمواجهة حالات الطوارئ وتعزز في الوقت ذاته احترام القانون الدولي الإنساني وإدراجه في القوانين الوطنية.

وتضمن اللجنة الدولية منظمة الحماية والمساعدة في المجال الإنساني لضحايا النـزاعات المسلحة وحالات العنف الأخرى. وتتخذ إجراءات لمواجهة حالات الطوارئ وتعزز في الوقت ذاته احترام القانون الدولي الإنساني وإدراجه في القوانين الوطنية. كما تسعى اللجنة جاهدة لتفادي المعاناة بنشر أحكام القانون الدولي الإنساني والمبادئ الإنسانية العالمية وتعزيزها.

التمويل والميزانية

تُموَّل اللجنة الدولية من خلال إسهامات طوعية تقدمها كل من الدول الأعضاء في اتفاقيات جنيف (الحكومات)، والجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، ومنظمات تتجاوز نطاق الولاية الوطنية (مثل الاتحاد الأوروبي)؛ ومصادر عامة وخاصة. وفي كل عام تصدر اللجنة الدولية نداءات لتغطية تكاليفها المقدرة في الميدان والمقر. وتصدر نداءات إضافية إذا تزايدت الاحتياجات في الميدان. وتقدم اللجنة الدولية في “التقرير السنوي” بياناً عن عملها ونفقاتها.

في سوريا

دعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر (اللجنة الدولية) لوضع حد لجميع حالات الحصار المفروضة في كافة أرجاء سوريا على وجه السرعة، بسبب تزايد الاحتياجات الإنسانية إلى حد كبير. ويأتي هذا النداء بعد منح فرصة دخول المساعدات، في الشهر الفائت، إلى ثلاث بلدات سورية؛ ظلت ترزح تحت الحصار لعدة شهور. وقد تبين أن سكان المناطق الثلاث يعيشون في ظروف مفجعة. وكانت قوافل مشتركة بين اللجنة الدولية والأمم المتحدة والهلال الأحمر السوري قد أوصلت أغذية وأدوية وبطانيات إلى عشرات الآلاف من الناس في قرى مضايا وكفريا والفوعة. وفي حينها، قالت رئيسة بعثة اللجنة الدولية في سوريا، ماريان غاسر، أنه لا بد من العمل الآن على تقديم المساعدة إلى أكثر من 400 ألف سوري يعيشون حالياً في مناطق محاصرة عبر أرجاء البلد.

وأضافت غاسر “إن المشاهد التي رأيناها في مضايا تجعل القلوب تنفطر بكل معاني الكلمة. فالناس في حالة يائسة. والإمداد بالغذاء قاصر للغاية. وما شاهدته كان أسوأ ما رأته عيناي خلال خمس سنوات من وجودي في سوريا. ولا يمكن أن يستمر الأمر على هذه الحال”. وفي الوقت نفسه، تلقت قريتا الفوعة وكفريا مساعدات حيوية، وهما بلدتان تقعان في شمال سوريا، وتخضعان كذلك للحصار منذ عدة أشهر، ويعاني سكانهما من ظروف قاسية. ويحتاج عدد كبير من الناس إلى علاج طبي عاجل. ويؤدي نقص الأغذية إلى ازدياد الأحوال سوءاً.

رفع الشروط

في تعليقه على واقع المناطق المحاصرة في سوريا، قال روبير مارديني، المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأدنى والشرق الأوسط للصليب الأحمر، إنه “يتعين رفع الحصار المفروض على جميع البلدات والقرى في كافة أرجاء سوريا فوراً، وفي وقت متزامن. وفي انتظار رفع الحصار، لا بد من تهيئة فرص الوصول دون شروط وبسرعة وانتظام أمام قوافل المساعدات الإنسانية إلى كل هذه المناطق إنقاذاً للأرواح”. ويعمل في فرع اللجنة الدولية للصليب الأحمر بسوريا 350 موظفاً، وهم منتشرون في مناطق شتى من سوريا. ويقوم هؤلاء بتقديم المساعدة لتوفير الغذاء والماء والدواء والمأوى وغير ذلك من المستلزمات الأساسية. وهذه هي اليوم أكبر عملية للجنة الدولية في العالم.

عالقون بائسون

ومع انعدام أي مبادرة جدية لتسوية الأزمة السورية اليوم، يستمر تدفق اللاجئين إلى الأراضي الأردنية عبر الحدود الشمالية large-syrian-refugees-are-freezing-to-death-as-snow-covers-the-re-body-image-1420729878الشرقية؛ بحثاً عن السلامة والحماية. وتقطعت السبل بهؤلاء اللاجئين، ومعظمهم من النساء والأطفال وكبار السن، على الحدود بين سوريا والأردن عند ما يعرف باسم “الساتر”، وهو جدار ترابي في منطقة صخرية لا ظل فيها ولا ماء ولا نبات. وتولت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، منذ آذار2015، تقديم الغذاء والمياه والرعاية الصحية الأساسية للعالقين على الساتر الترابي الموجودين بالقرب من نقطتي العبور في منطقتي “الركبان” و”الحدلات” بالتعاون مع جمعية الهلال الأحمر الأردني.

تصعيب المهمة

كذلك يقول مسؤولون في لجنة الصليب الأحمر إن “الغارات الروسية تجعل عملنا في سوريا صعباً للغاية”. فمنذ بدء الحملة الجوية الروسية تواجه العمليات الإنسانية صعوبات متزايدة، فيما خصصت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أعلى ميزانياتها للعام الحالي لهذه العمليات. ويسبب تصعيد استخدام الأسلحة وتكثيف القصف الجوي عمليات نزوح جديدة، ويحولان دون وصول فرق الصليب الأحمر إلى الاشخاص الذين يحتاجون إلى مساعدات.

معاناة متجددة

للعام الخامس على التوالي، يُترك ملايين السوريين تحت رحمة برد الشتاء القاسي، في ظل استمرار الأزمة التي لا تلوح لها نهاية في الأفق. وتتردد على ألسنة الجميع قصص متشابهة عن نزوحهم من منازلهم، وخوفهم من البرد القارس، ونقص المياه، والغذاء، والكهرباء. ويجدون أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما تأمين الطعام لأبنائهم، أو توفير الدفء لهم. وبالنسبة لمعظم السوريين، يعد كلا الخيارين غاية صعبة المنال. لربما يقول البعض أن المنظمات الدولية أخفقت في مساعدة الشعب السوري المنكوب، ولم تقدم الدعم المطلوب، ولكن هناك من يرى أن المجتمع الدولي بأكمله يتحمل مسؤولية ما يجري بحق السوريين، وخاصة مع تجاهل أوضاع اللاجئين والنازحين والمرضى والجرحى والجوعى والمعوزين الذين لم يكن حالهم ليكون أشد سوءاً لولا الحرب المتواصلة منذ خمس سنوات ونيف، ولا مجيب لمن يناديه الشعب السوري.

جمانة علي


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.