“أبو الدرداء”.. من معسكرات داعش إلى أرصفة غازي عنتاب

وسط زحام المارة وضجة الحياة في مدينة غازي عنتاب التركية، تجد السوريين أينما توجهت. يعملون بجد رغم ضعف المردود قياساً بغلاء المعيشة. هنا، تستطيع كل يوم أن تًفاجأ بوجه تعرفه، أو شخص انقطعت أخباره عنك لفترة طويلة أو قصيرة. فالسعي وراء تأمين الاحتياجات والعمل، جلّ ما يشغل غالبية السوريين.

في طريق عودتنا للبيت، أنا وزوجتي، لمحت على الرصيف المقابل ولداً يبيع الخبز. “أعرفه” قلت، لكن ذاكرتي لم تسعفني بتذكره تماماً، قطعنا الشارع واقتربنا منه، لم يكن سوى “أبو الدرداء”!.

الإغراء بالمال واستغلال ظروف الأطفال

صبي في الثالثة عشر من عمره، من عناصر “داعش” في الرقة. كان يتردد بشكل شبه يومي إلى مقهى الانترنت الذي كنتfe4a34f01d52a805ec20594ea019f1cd أملكه هناك. بادرته بسؤال بفعل المفاجأة: “هذا أنت؟ ماذا تفعل هنا وكيف؟”. رد علي ضاحكاً: ” شوفة عينك عم بيع خبز .. طردوني الكلاب .. يلعن أبوهن وأبو كل مين شد على إيدهن”.

توجست بداية، ووضعت احتمال وجوده في مهمة سرية لـ”داعش” هنا، استغلوا صغر سنه وأرسلوه إلى هنا، لاسيماً بعد حادثة مدينة أورفه وقتل الشابين الرقاويين هناك من قبل عنصر داعشي، وكذلك اغتيال الصحفي ناجي الجرف في غازي عنتاب.

حالته المزرية على ذاك الرصيف، ونبرة الحقد عند حديثه عن داعش، أربكني وأزال الشك إلى حد كبير في ما هو عليه الآن. كان “أبو الدرداء” صبياً طيباً من حلب، يأتي إليَّ كل يوم ليتحدث مع أهله المقيمين في تركيا، وغالباً ما كانت المكالمة تنتهي بالبكاء. لم أكن أتدخل حينها بالسؤال عن سبب انضمامه لداعش هو وأخيه الأكبر منه بسنتين، بغية تجنب المشاكل. سألته سريعاً

ماذا حصل، قل لي؟

“طردوني لأني كفّرت رجلاً رأيته في الشارع حليق الذقن ويطلق شاربه، يلبس جلابية طويلة، وحين قلت له “يا شيخ ما بيصير هيك حرام عليك”، أهملني فأمسكت به من الجلابية وبدأ بالصراخ، فما كان مني إلا أن أخبرت الحسبة وأخذوه”.

-ولماذا كفّرته للرجل

-”لا أعرف، هكذا علمونا، وأعطونا أوامر باعتقال أي شخص يخالف التعاليم الشرعية، ولما اعتقلناه للزلمة طالعوه وطردوني، وفوق هيك ما عطوني راتبي، مع أني مسجل على دوري في العمليات الاستشهادية”. ثم يضيف: “شكله مدعوم هالرجال لولا هيك ما قلعوني”.

تذكرت حينها كيف أن هذا الصبي كان يرفض أخذ ما يتبقى من النقود بعد خصم ثمن مكالماته، وأنه كان يبذخ على نفسه بشكل ملحوظ، فكان يكثر من تناول البسكويت و”الشيبس” والساندويتش والعصائر، وغالباً عندما لم يكن يتناولها كلها فإنه يقدمها ضيافة للزبائن الجالسين بجانبه. كان همه الوحيد، أن يأتي ويتحدث مع أهله ويطمئنهم عن حاله وحال أخيه الذي كان في أحد المعسكرات الداعشية بالرقة.

جرائم داعش بحق الأطفال السوريين

لماذا انضممت لهم منذ البداية إن كان بإمكانك العيش هنا مع أهلك وإعانتهم بدلاً من تعريض نفسك للخطر؟

“أي عمل “يا حجي”. هنا أعمل طوال اليوم بمردود 20 ليرة تركية، أبي مريض ولا يستطيع العمل. وأختي تعمل مستخدمة في مستشفى براتب 600 ليرة تركي. في الرقة “كنت مبسوط وعم أقبض 300 دولار كل شهر، أشتري كل ما أريد وأرسل أنا وأخي 300 دولار إلى أهلي”. ويضيف: “صحيح، ليش عم تصيحلي أبو الدرداء، أنا اسمي محي الدين، وعم ينادوني (محو) .. راحت هديك الأيام”.

يواسي نفسه بابتسامة، متابعاً بعينيه خطوات المارة على الرصيف، يقول: “وأنت شلونك، إيش عبتشتغل هون، إن شاء لله راتبك كويس”. فأجبته أن أحوالي غير جيدة كحاله، وأننا نعاني جميعاً من مشكلة العمل في هذه الغربة.

كنا أنا وزوجتي و”محو” في مركب واحد، كآلاف السوريين، جميعنا ضحايا الحرب بطريقة أو بأخرى. نحن نفذنا بجلودنا من القصف والسكاكين، فلم نهرب من مقصلة الغربة التي تقطع اوصالنا وتعذبنا لأجل لقمة عيش كريمة.

تابعنا الحديث سريعاً، وبدأت أسأله عن أحواله في مدينة لا يلقى فيها أصحاب الشهادات من الخريجين ما يعملون فيها، فكيف لبائع خبز صغير أن يواجه هذا الواقع!

وماذا عن أخيك، هل بقي هناك؟ هل استمر اخيك بأرساله لكم نصف مرتبه كل شهر؟

اغرورقت عيناه بالدموع، ومنع نفسه من البكاء، فكان الجواب واضحاً وجلياً بدون كلام.

واسيته بالعزاء، مسح بقايا الدموع بأطراف سترته، وقال: “بعد المعسكر بأسبوع أخذوه إلى العراق، وهناك أصيب في معركة، اتصل بنا يطمئننا عن حاله، وبعد أربعة أيام تم حصارهم واستشهدوا كلهن وأخي معهم”.

عدت لمواساته؛ محاولاً تغيير الحديث، لكنه قال بلكنته الحلبية: “ما بعرف حتى إذا كان بيصير قلو شهيد، لأنو هدول كفار ومالهن علاقة بالإسلام طاول، عم أخجل أحكي لحدا من قرايبي هون أنو أخوي أحمد استشهد مع داعش”.

لم يعد للحديث أهمية بعد ذلك، اشتريت الخبز منه وتحايلت عليه ليأخذ النقود. وقبل أن نمضي سألته إن كان “أحمد” يحب داعش أم لا؟ فأجاب: “ما كان يحبهن ولا يطيقهن، أنا وأحمد صرنا معهن كرمال المصاري، بدنا نعيّش أهلنا هون”.

عاد الصمت مجدداً، وهو عاد ليجول بنظره بين الناس في الشارع. غادرت بعد أن وعدته بأن أزوره بين الحين والآخر على نفس الرصيف، وأن لا اشتري الخبز إلا منه.

 نجم الدين النجم


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.