The Gunman”” عندما يخونُ العميل.. أو إعادة تدوين الرَّاهن

- عادةً ما تكونُ الأفلام السينمائية إعادة صياغة لأصداء الواقع وفي أغلب الأحيان تبدو الحكاية بعد عدّة سنواتٍ من عرض الفيلم مجرَّد إعادة تدوير للواقع القديم وإعادة إحيائه ليغدو المشهد متطابقاً بشكلٍ جليّ مع ما يحصل في الواقع الرّاهن، هذا ما يحاول فيلم The Gunman”، إنتاج عام 2015، تقديمه عبر حبكة قصصيَّة وإثارة مترافقة مع حركات تعتبر هي الأولى في سلسلة ما قدّمه المؤدّي (شون بين) على مدار سنوات عمله السينمائيّ، فـ (شون بين) معروف بأدواره البسيطة في البداية، ومن ثم صعد شيئاً فشيئاً سلّم النجومية لأدائه التمثيليّ الجادّ وملامحه القاسية السينمائيَّة، ويحصل على جائزتي أوسكار.

الحكاية 

الفيلم من بطولة شون بين، إدريس إلبا، خافيير باردم، راي وينستون، وجاسمين ترينكا وإخراج يير موريل، الذي سبق وأن la-et-mn-gunman-review-20150320قدّم افلام إثارة وحركة، يبدأ الفيلم بمذيع نشرة أخبار  وهو يسرد تقريراً عن الواقع المأساوي في الكونغو الديمقراطيَّة والنزاع الدائر هناك، مترافقاً مع مشاهد للفقر ليظهر الممثلون فجأة بشكلٍ كليّ وتغدو الحكاية واضحة (هذا ما يبدو للوهلة الأولى)، إلّا أنّ الأحداث تبدأ بالتشابك شيئاً فشيئاً مع سير الحكاية ليتكشَّف لنا أنّ (جيم) (شون بين) هو رجل من رجالات فريق الاغتيال والعمليات الدوليَّة الخاصَّة ويعمل مع مجموعة في مطار لحماية بعض المنظمات غير الحكومية العاملة في الكونغو، ولكن كان هناك عقد موازي مع شركة تعدين ضمن الكونغو كنوع من التمويه وهو في الحقيقة آتٍ مع المجموعة لتنفيذ عمليَّة اغتيال ضدّ (وزير التعدين) في الكونغو، عمليَّة الاغتيال تنجح فعلاً وضمن حكاية دراميَّة تتصاعد بعد تنفيذ الاغتيال بحرفيَّة من قبل (جيم) لتبدأ الحكايات الجديدة، بعد ثمانية أعوام مع عودة (جيم) إلى الكونغو لحفر الآبار وتعرّضه لمحاولة قتل وإفشاء سرّه الذي من المفترض أنّه قد مات، وحكاية الخيانة التي تبدأ بالوضوح، خيانة المجموعة له وعلى الأخصّ قائد المجموعة (تيري) الذي يحاول أن ينهي الحكايات القديمة من خلال إفشاء سرّ منفّذ عمليَّة الاغتيال والمحاولة لتصفية باقي المجموعة كي يتقاعد ويستقرّ دون منغّصاتٍ تُذكر أو أي إفشاءٍ للسرّ القديم، إلّا أنّ المحاولات تؤدي إلى مقتله في النهاية، ثمّة خلط في القصص ضمن الفيلم، تلك الجزيئات القصصيَّة الموجودة تتفكّك وتغدو لكل جزيئة حكاية أخرى موازية، مساعدة الفقراء في الكونغو التي تتعرَّض للحرب وتقديم الإغاثة لها ولكن ضمن إطار لتبادل صفقات السلاح والاغتيالات ضمن إطارات سريَّة لا يعلم بها أحد إلا القليل من الجماعات التي تعمل معاً وضمن سياق موحَّد ناهيك عن الحصول على الأموال، حكاية الحب بين (جيم) و (آني) (جاسمين ترينكا)، والتي يتمّ استغلالها هي الأخرى لتكون سنداً للإشارات الموجودة ضمن الفيلم بشكلٍ عامّ.

الالتقاء مع الراهن

حكاية الفيلم مبنيّة على حروب تُنجز حول العالم لأجل المال ولكن بطريقة استنباطيَّة، عمليات اغتيال تنفَّذ لأجل توطيد sean-penn-800الحروب حول العالم ولتستفيد منها كبرى شركات الاستثمار التي تعمل في إنتاج السلاح والسلام معاً، وفقاً لرؤية موجودة في الرّاهن ولمجرّد التتبّع سنرى الحرب السوريَّة حاليَّاً كيف يتمّ صياغتها بناءً على رغبات شركات تصنيع السلاح والمتاجرة بالبشر، إلّا أنّ الأمر غير مرئي بالشكل الجليّ. في الفيلم تبدو القصة هكذا تماماً كما لو أنّ السيناريست يعي بما يتمّ طبخه من قبل الدول العظمى، فالصراع في الكونغو كان يتغذى على الثروات المعدنية الهائلة الموجودة في عمق أراضي البلاد، أي أنّ منظمات الإغاثة لم تكن تفعل شيئاً سوى إعادة تدوير الثروات وإنفاقها على إحلال السلام وجلب رجال الأمن لضمان سلامة عمّال الإغاثة.

ليس من العبث أن يبدأ فيلمٌ ما بنشرة أخبار وينتهي أيضاً بنشرة أخبار، وكلّ نشرة تتضمن تقريراً عن الأوضاع، الأول عن الأوضاع الإنسانيَّة المتدهورة في الكونغو والثاني عن إلقاء القبض على (جيم) منفّذ عمليَّة الاغتيال، حيث يقول التقرير الثاني :” لم يُفرج عن أي بيانٍ رسمي بعد، ولكن مصدر مقرّب من التحقيقات قال إن ظهور القضية يطرح أسئلةً جديدة حول أساليب سريَّة استخدمتها شركات متعددة الجنسيات تسعى للسيطرة على الموارد الطبيعيَّة في العالم النامي بغضّ النظر عن العواقب الإنسانيَّة”، إنها إشارة، إضافةً إلى الإشارات الأخرى الموجودة ضمن الفيلم، على أنّ الواقع يعاد صياغته أو يمكن على الأقلّ استنباط المستقبل عن طريق السرد السينمائيّ وتواتر الأحداث الموجودة في الفيلم -أيّ فيلم- عبر صياغة بصريَّة متقنة وتسلسل للأحداث. يقول جزء من التقرير الذي يقرأ في بداية الفيلم: “…مع الاشتباه بجميع الأطراف بإطالة أعمال العنف عمداً لنهب الموارد الطبيعية كالذهب والماس والنحاس والكولتان وغيرها من المعادن عالية القيمة”، إذاً هناك من يريد للحرب أن لا تنتهي وفي الآنِ نفسه يدّعي أنَّه يريد للسلام أن يعمّ فيتصرّف بطريقة مغايرة من خلال رجال الاستثمارات وعصابات تنفّذ صفقات عسكريَّة يكشف أمرها ولكن في فترات زمنيّة تطول .

الحبّ والخيانة

“أنت من سيطلق النار يا جيم ” هذا ما يقوله (فيليكس) (خافيير باردم) لجيم عبر اللاسلكي أثناء بدء تنفيذ عملية الاغتيال ليقول 1426861400373الأخير :” اعتني بـ آني يا فيليكس” وقبل هذا المشهد بالتحديد بدقائق قليلة كان هناك لقاء حميمي يجمع (جيم) و (آني)، و(فيليكس) الذي ينجذب إلى (آني) سيلعب دور المعتني والمخلص ليتزوجها فيما بعد دون أن يتفوّه بكلمة عن سرّ غياب (جيم) لسنواتٍ طويلة ويتضّح الأمر عند لقاء (جيم) بها في اسبانيا وبعد مقتل (فيليكس) المخمور والمذهول للصدمة واكتشاف الأمر، فيفشي (جيم) بالسرّ لـ(آني) بعد أن أنقذا نفسيهما بأعجوبة من محاولة قتل.

لا يخلو أيّ عمل سينمائيّ من أن يكون للحب ولأطروحة الفشل مكان، وهذا ما حصل في فيلم (The Gunman)، خاصّة بعد أن أثبتت المجموعة المخطِّطة لعمليَّة الاغتيال أنّه بالإمكان أن يخون العميل صاحبه العميل وبكل برودة أعصاب طالما أنّ الأمر متعلّق بالمال والخيانة التي تكون عبارة عن تحصيل حاصل، حينها لا يكون للسرّ معنى أو قداسة.

“لدي أسماء، تواريخ، مقاطع فيديو، لقد صوّرت كل شيء منذ بداية العملية، سوف أتعاون معكم”، يقول (جيم) لرجل الإنتربول في نهاية الفيلم وعلامات التعب بادية على وجهه كنوع من الاستسلام لحتميَّة قائلة: “الأمن لا بدّ أن يتحقّق مهما كانت الأيادي كثيرة في إشعال الحروب”، أو بطريقةٍ أخرى ولدلالةٍ ما على أنّ (الحروب التي تشعلها الدول العظمى تنهيها الدول العظمى بنفسها كون الحرب ستنتشر انتشار النار في الهشيم لتصل إلى ساحات تلك الدول فيما إذا لم يتمّ تدارك الأمر).

جوان تتر


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.