أهالي السويداء يعرفون خصمهم

أثار اغتيال زعيم مجموعة «مشايخ الكرامة» في مدينة السويداء، جنوب سورية، الشيخ وحيد البلعوس في تفجير استهدف موكبه على طريق ظهر الجبل في ضاحية المدينة 4 أيلول (سبتمبر) الجاري، موجة غضب عارم في الأوساط الشعبية والثورية داخل محافظة السويداء، لما للشيخ البلعوس من رمزية وطنية وثورية قارعت تغول الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، ووقفت بوجه آلاف مخططات إثارة الفتنة بين الجبل والسهل (محافظة درعا) واللعب على الوتر الطائفي بينهما.

وترجم هذا الغضب بهجوم جارف للأهالي والمشايخ شمل كافة الأفرع الأمنية في المحافظة والسيطرة عليها، إضافة إلى اقتحام مقر الفرقة 15 التابعة للجيش والمتمركزة في قلب المدينة، ولكن لم يجدوا في هذه المراكز كافة سوى العناصر من أبناء المحافظة، بعد سحب كافة العناصر والضباط ممن هم من خارجها، لكن الحدث الأبرز الذي ترجمته الحشود الغاضبة بشكل سريع ودون حسابات هو تحطيم تمثال الرئيس السابق حافظ الأسد القابع في مركز المدينة في ساحة السير، والتي أصبحت تعرف بساحة الكرامة عقب إزالة التمثال.

منذ وضع تمثال حافظ الأسد في ساحة السير في السويداء، كان همّاً ثقيلاً يؤرق سكان المحافظة والمدينة، لما يحملونه من كره واشمئزاز من سياسة حافظ الأسد في محافظتهم، إضافة لعملية تمزيق وإضعاف ممنهجة لدور المحافظة وأبناءها في العمل الوطني والتمثيل الحكومي بدأت مع الانقلاب الذي قاده حافظ الأسد في العام 1970.

وفي الوقائع قامت الحشود الغاضبة في ليلة التفجير، بالتوجه إلى ساحة السير وبدأت بتحطيمه وأسقطته وجرته في الشارع مع 155110_22_1441445858هتافات بإسقاط النظام والتذكير بمساوئه وأحقاده التي مارسها على السويداء، بينما قام الشبان بما سموه «حملة تبزيق» أي قذف التمثال بالبصاق، واللافت بالموضوع أن الغاضبين في معظمهم من الشباب دون العشرينات أو في بدايتها ممن لم يعوا أفعال الأسد الأب تجاه آبائهم وأجدادهم ومحافظتهم، وفسر متابعون رد الفعل هذا بأن الشبان يترجمون غضب أهاليهم الذي شربوه منذ الصغر ضد ما يسمونه «المقبور» أو تمثاله، الذي يسمونه تهكماً «خمسة شاورما أبو سليم» نسبة إلى شكل التمثال الذي يمد يده باتجاه محل بيع شاورما أمام التمثال يسمى «شاورما أبو سليم».

ولم تكن هذه هي المحاولة الأولى من أهالي السويداء للتخلص أو التعبير عن الغضب من وجود التمثال الذي يعكس بالطبع صورة وتاريخ حكم الأسد الأب وظلمه في المحافظة، فقد قام وقبل 11 عامأ شاب يدعى حسين الجرماني بالتبول على التمثال في وضح النهار، معبراً عن غضبه على طريقته الخاصة، لكنه اعتقل إثر هذه الحادثة فوراً وتمت تصفيته في السجن.

وفي 19 تموز (يوليو) 2012 قام أحد أبناء السويداء في الخمسين من العمر، يدعى عصام العشعوش، بالتوجه إلى تمثال «المقبور» وبيده مطرقة وبدأ يضربه بها ما أدى إلى كسر يد التمثال، واعتقل “العشعوش” إثرها لكن أفرج عنه لاحقاً، وقامت السلطات الأمنية بإصلاح التمثال وغيرت لونه، حيث كان لونه برونزياً وصبغ باللون الرمادي عقب إصلاحه.

توجُه الحشود الغاضبة باتجاه الأفرع الأمنية وتمثال الأسد الأب في أول رد فعل على التفجيرات، التي أودت بحياة 26 شخصاً، رأى فيه المراقبون تعبيراً واضحاً وجلياً عن قناعة راسخة في نفوس أهالي السويداء بأن عدوهم الأول هو النظام وأتباعه، وأنه مهما لفق من مسرحيات ونسب التفجيرات إلى غيره، لن يكون بإمكانه تغيير قناعاتهم حول أساليبه التي خبروها منذ أكثر من أربعة عقود، ذاقوا فيها الأمرين مع إخوانهم السوريين عموماً.

ويرى المتابعون لتطور وتتابع الأحداث في السويداء، أن المحافظة قبل اغتيال الشيخ “البلعوس” ورفاقه وعدد كبير من المدنيين، لن تكون كما بعدها، وأن النظام الذي أرّق السوريين بجرائمه وترك بلدهم مفتوحة لكل المجرمين والمرتزقة من مختلف البلدان ليحافظ على وجوده، لن يثنيهم عن الاستمرار في ثورتهم التي بدأوها ولن يتراجعوا عنها إلا بعد تحقيق الحرية والكرامة المنشودة.

ماهر أسد النبواني


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.