ناجي الجرف شهيداً

اغتيال الإعلامي والناشط المعارض السوري “ناجي الجرف” فيما يحمل طعام عائلته، أمام أحد المطاعم في وسط مدينة غازي عنتاب التركية، عملية إرهابية مكتملة الأركان، والتوقيع داعش. لكن عملية الاغتيال هذه حدث مقتطع من سياقه، هل هو مصادفة أم خطأ حسابات، أم هو جزء من اغتيال كل اعتدال وتعددية، وإمكانية حياة قادمة، وأمل بالبناء في سوريا؟

هكذا بدأت سلسلة الاغتيالات والتغييب لثوار سوريا، على يد النظام وميليشيات القتل ثم قوى التطرف، من غياث مطر إلى ناجي الجرف، مروراً بباسل وتامر والأب باولو ، رزان وسميرة وغيرهم من أيقونات سوريا.

يتكالب اليوم نظام آل الأسد كمافيا وعدو للحياة، حزب الله وإيران كقوى وميليشيات طائفية مؤسسة على الكراهية والانتقام وثقافة القتل، داعش ومثيلاتها، قمة التخلف والجهل والإرهاب، كذلك قيصر روسيا وطاغيتها، تاجر السلاح قاتل الأطفال والنساء.

تجتمع الدوافع وراء جريمة اغتيال ناجي الجرف، الانتقام الكراهية ومعاداة الحياة، وتكتمل فيها أركان الجريمة السياسية التي تغتال الرأي الآخر والكلمة الحرة، كذلك الجريمة الإرهابية التي تهدف إلى زرع الخوف والرعب وثقافة الجهل والتطرف وكم الأفواه. نعم، كل هذه العصافير بطلقة واحدة، برشقة كراهية واحدة، باتفاق غير معلن بين أعداء الحياة الطبيعيين من كل ما ذكرنا.

قتلُ ناجي الجرف هو جزء من الموت الذي يتبع السوريين كل يوم، بشتى الطرق وشتى الأماكن.

يقصف الطيران الروسي منذ أشهر المدنيين في سوريا، ويقتل الأطفال والنساء في محاولة دعم “بوتن”، طاغية روسيا، لطاغية سوريا، هكذا يدمر بوتن آخر بنىٌ للجيش الحر، وقوى الاعتدال في سوريا، في محاولة لتعزيز داعش، ووضع العالم بين خيارين تافهين متشابهين حد الإفلاس، هما داعش والأسد، يذكرنا ذلك بشعار أطلقه مجرمو سوريا منذ بدأت الثورة هو “الأسد أو نحرق البلد”.

منذ سنوات تحاول إيران وحزب الله ونظام آل الأسد، تدمير الجيش الحر في سوريا، تجلى ذلك بما حشدوا في المنطقة الجنوبية (درعا والقنيطرة) لتدمير الجيش الأول التابع للجيش الحر، بينما يؤجلون ويتجنبون مهاجمة أي فصيل متطرف في المنطقة بل يتراجعون أمامهم. كذلك يسلم نظام آل الأسد بمباركة روسية إيرانية تدمرَ وغيَرها من المناطق لتنظيم داعش، وهكذا يعرضون صور رحيل المقاتلين وعائلاتهم من المناطق المحاصرة (الوعر، الزبداني، قدسيا) وغيرها، إلى أماكن محددة، مثال إدلب الموجودة اليوم تحت سيطرة جبهة النصرة.

يعلم السوريون اليوم، أنه ما إن يتم هذا الأمر فتحسم قوى الاعتدال، أو يتم إضعاف وجودها، فإن كل شيء سيتغير ويتم حسمه، وسيصبح كل صاروخ صدئ تمّت صناعته منذ مائة عام في خدمة قتل السوريين، وتدمير بلادهم وثورتهم، بحجة القضاء على الإرهاب.

يفاجئنا انفلات الأمور وخروجها عن الضبط في كل شيء، مع ذلك تستمر التنسيقات والترتيبات حتى تشمل ضبط التفاصيل الصغيرة، تنسق إسرائيل مع الروس لقصف شقة سكنية محددة في ريف دمشق، وقتل أفراد تابعين لحزب الله فيها، طبعاً يشتمل التنسيق هنا على معلومات استخباراتية، وتنسيق خطط جوية لتحقق الطائرات أهدافها. يخرج عناصر داعش من مخيم اليرموك وما حوله في دمشق، موكباً مسلحاً بعتاده الثقيل، وصولاً إلى مناطق التنظيم في الشمال والشرق، دون أن تصادفهم أو تعيق وصولهم، ولو طائرة شاردة، تلك التي تقصف وتقتل نساء وأطفال سوريا كل يوم.

في زمن الخزلان هذا، في زمن الخيانة هذا، في زمن القتل هذا، في الزمن الذي يتقرب الناس فيه من موتك ليرتب لجوءهم في بلاد بعيدة، نودعك صديقاُ، خسارةً كبرى في زمن يحتاجك ويحتاج أمثالك، وتزرعك أيقونة في ذاكرتنا، ذاكرة السوريين،

ناجي الجرف نودعك صديقاً، خسارة كبرى في زمن يحتاجك ويحتاج أمثالك، ونزرعك أيقونة في ذاكرتنا، ذاكرة السوريين، مثلاً للتضحية والحماسة والدفاع عن الناس، شهيداً على درب الجلجلة الدامي الذي يقطعه السوريون، نبقيك فخراً لابنتيك، عائلتك، ولنا نحن أصدقاءك، أننا عرفناك وشاركناك العمل والحلم، ونحتسبك شهيداً لسوريا قادمة تستحقك.

 محمد ملّاك


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.