ثَمن

الشمسُ غابت… خلف القضبان…

البابُ يُفتح بهدوءٍ، صوتُ خطواتٍ يقتربُ من فراشي.

” صباحُ الخير” يسقطُ قلبي بين ضلوعي، فأستيقظُ لكنني لا أجدُ أحداً.

الصباحُ لم يفق بعد، ما زالت العتمة تلفُّ مطلِع الفجر، ممزقةً الحياة في هذه البلاد.

تواجهني المرآة بملامح لم أعد أعرفها، ثلاث رشقات من الماء بعدد أطفالي، أغسلُ بها وجهي على عجل، وأرتدي غياب زوجي على مهل.

اتجهُ إلى المخبز مبكرةً، قبل أن تطول الطوابير، وبعد وصولي بقليل تنقطعُ الكهرباء فأعرف أن انتظاري سيطول. كان الزحامُ شديداً، والطابور يتلوى لطوله، كأنه خارجٌ من جهنم.

أعودُ على جناح السرعة لأيقظَ أطفالي الثلاثة من أجل الذهاب إلى المدرسة.

“أمي الخبزُ لم يعد صالحاً للأكل إنهُ قاسٍ جداً”، ابتسمُ بمرارةٍ. أدير وجهي منشغلة عن عيونٍ فصوليةٍ تنتظر عودة والدها.

ضجيجُ الحياة يملأُ العاصمة، وكأن كل شيء على ما يرام! بينما تختلطُ الأصواتُ في رأسي…

” لستِ في حاجة إلى عمل، سأوفّر لأبناء أخي أفضل حياةٍ “.

أرنو إلى عينيه المليئتين بالشهوة وأرفضُ أن أكون عبئاً على أحد.

” ليس لكِ الحقُ في رفض مساعدتي”

بوجع أنثى مزّقتها الأيام أصرخُ: أخرجْ من منزلي.

يقاطعُ أفكاري هطول المطر، فأسرعُ إلى عملي في مشغل الخياطة، بحثتُ كثيراً لأجد هذا العمل، نساءٌ بالمئات يعملن هنا.

” لقد خلت البيوت من رجالها وشبابها” ترددُ زميلتي، بينما يترددُ صوت ابنتي عميقاً في داخلي تتساءل: “هل عاد أبي أثناء نومي…؟”.

عاد مرةً واحدةً ليلاً،

” اليوم خرجت مجموعةً من النساء والأطفال. أحد رفاقي أمرَّ بحجزهم، لكنني رفضتُ ذلك كوني الضابط الاقدم فيهم وبعد جدالٍ، سمحنا لهم بالخروج متغاضيا عن اوامر القيادة باعتقال الاطفال والنساء قبل الرجال من هذا المدينة الملعونة

حصار هذه المدينة دام اشهر لم اره فيها الا ساعات،

فجاءةً طُرق الباب بعنف، يدُّ الليل كبّلت زوجي بالظلام، ورفاقه زجّوا به في سيارة عسكرية حكومية كأنه مجرم، منذُ تلك الليلة ما عاد في البيت رجل.

***

تخترقني نظراتُ المدير كلّما مرَّ، وكأن القماش الذي أطرزهُ يسترُ عريَّ الأجساد إلا جسدي. أعوام مرَّت وأنا أعملُ سبع ساعات يومياً خلف ماكينة الخياطة، انسجُ أثواباً جميلةٍ لن أستطيع شرائها لابنتي. أجلسُ منحنيةً وقد اعتدنا الانحناء في بلاد لفظت أبناءها في أزقة الذل والعار.

يعاودني صوتُ ابني: ” أريدُ ترك المدرسة، والعملَ من أجل المال”، أرفضُ ذلك وقبل أن يكمل كلامه، أعانقهُ فتسقي دموعي كتفهُ.

راتبٌ تافه في نهاية كل شهر، نصفهُ لسداد الديون والنصفُ الآخر ليسدَّ رمق أطفالي وما تبقى مني.

المشرفُ على العمل وعدني بزيادة راتبي إذا عملتُ بجهد أكبر، وعدني بثيابٍ شتويةٍ أيضاً. وضع يدهُ على يدي فسحبتُها، ومضت الوعود إلى الجحيم.

كنتُ أعملُ أحيانناً لساعات إضافية، الشحوب يتركُ نفسه على وجهي في هذا المكان الواسع، يكملُ الجوعُ تركيبة الخوف ألا يعود زوجي، بينما تعانق روحي أصابع الوحدة، فيختنق صوتي كلّما رنوت إلى الفراغ في داخلي.

” زوجكِ متهمٌ بالخيانة العظمى” هذا ما أخبرني به ذلك الضابط قبل أن يصرخَ بي ” لا تعودي إلى هنا وإلا… “.

أجرجرُ هزيمتي، أسحبُ ظلّي على شوارع بلا أسماء، أصلي بخشوع أن يعود يوماً، حاملاً معهُ شمساً جديدةً. فالطفلةُ في داخلي أتعبها الانتظار.

سناء فضة


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.