طيران بوتين يقصف المستشفيات ونظام الأسد يحمل الجريمة عنه

أكثر من مائة وسبعة عشر نقطة طبية تم قصفها بالطيران الروسي والسوري، تقول منظمة أطباء بلا حدود أن قصدية واضحة بقصف المستشفيات والمراكز الطبية (النقاط)، التي كان آخرها قصف المستشفى التابع لها في معرة النعمان، يقول الروس إنهم لم يقصفوا مستشفى أطباء بلا حدود في معرة النعمان، فيما يخرج علينا بشار الجعفري مندوب النظام في الأمم المتحدة بقوله إن أطباء بلا حدود تعمل لصالح الاستخبارات الفرنسية ما يبرر قصف مراكزها.

نقاط عديدة تكتنف هذه الخطة الروسية في سوريا، تسعى روسيا بالقصف المكثف على مناطق المعارضة السورية إلى إخلائها من المعارضة، وتتيح للنظام وميليشياته

الانتشار فيها من جديد، وذلك للإبقاء على صيغتين وحيدتين في سوريا، داعش والنظام. وإن ليس ثمة فرق بالنسبة لنا بين الصيغتين، كأرضية لصناعة الإرهاب العالمي، وممارسته، وترويع الآمنين وتهجيرهم، فالمناطق التي يدخلها داعش يهرب منها المدنيون، كذلك المناطق التي تدخلها قوات الأسد، أو الميليشيات التابعة له، ينزح سكانها بالجملة، ونظن أن نظام الأسد يزيد على داعش بامتلاكه كل القباحة التي يعرضها داعش على الملأ، بينما يحاول نظام آل الأسد إخفائها بالكذب والادعاء الذي لم يعد أحد يصدقه اليوم.

بهذا الوضع يدخل الجيش الروسي والطيران الروسي، ويدخل “بوتين” بلعبة كسر العظم، التي لها العديد من الفوائد لروسيا، حيث تتدخل في المنطقة برؤية قيصرية يمثلها اليوم بوتين، رؤية تم تكرارها مراراً عبر التاريخ، مثالها ما عرف بالمسألة الشرقية عام ١٧٥٦، التي افتعلها قيصر روسيا آنذاك حول مفاتيح كنيسة القيامة وأحقية حملها ورعاية مسيحيي السلطنة العثمانية. حينها أعلنت روسيا الحرب بإنذار رفضه السلطان العثماني بدعم من فرنسا وبريطانيا، وتم تحطيم الجيش الروسي، ثم جاءت أزمة القرم والمياه الدافئة، وحرب خاضتها ضد روسيا فرنسا وبريطانيا وتركيا آنذاك، ثم كان دعم قياصرة روسيا لجيش “محمد علي”، حيث تكررت النتائج ذاتها، وعاد الروسي بحلمه منكسراً مدحوراً. يحاول بوتين أن يعيد هذا التوضع الإمبراطوري لروسيا الدولة الغارقة بالطغيان، والتي تفتقد أدنى معايير الديمقراطية، مواطنون روس فقراء مهمشون، معارضة روسية مقموعة محطمة، بلاد تحت ضغط المافيا التي تتقاسم إدارة أكبر جغرافيا على الكوكب مع ضباط الاستخبارات، يكرس كل منهما الآخر في ظل نظام دكتاتوري يمثله بوتين. نضيف لذلك تراجع أسهم روسيا، تغير النمط العالمي، انهيار المعسكر الشرقي، حيث كان الجزء الكبير من دخلها نتاج بيع الأسلحة لمجموعة كبيرة من الجيوش التي غيرت اليوم أنماطها، واستغنت عن السلاح الروسي، ما دفع بقيصر روسيا لجعل سوريا “ستانداً” لعرض أسلحته، طراداته، صواريخه بعيدة المدى، أحدث طيران في العالم. حقيقة لا نعرف اليوم أمام أسلحة المعارضة الهشة، التي لا تملك مضاد طيران، سبب استخدام بوتين طائرات السوخوي 35.S كما يلفت نظرنا أنه ما من بلد إلّا وخرج مواطنوه متظاهرين ضد طغيان آل الأسد وضد التدخل الروسي الذي يقتل الأبرياء ويدمر المدن ويقصف المستشفيات، إلّا الروس، الشعب الذي يقتل جيشه الناس في حرب استعراضية، تبدأ بفتوى دينية من بابا الكنيسة الأرثوذكسية، ليست بعيدة عن فتاوى الجهاد المقدس التي يطلقها البغدادي. فإن كان الروس محسوبين على شعوب أوروبا، فلماذا نراهم ذاهلين بحضور باهت، تافه، أمام لعبة يتبادل فيها “ميديديف” و”بوتين” رئاسة ورئاسة وزراء ثم رئاسة ورئاسة وزراء، في خدعة فاقعة تستغل المواطن الروسي الذي لازال يعيش جوعاً عاشه زمن “الأقنان” ما قبل الشيوعية، وأثناء الدكتاتورية والقمع الذي مارسه ستالين وخلفاؤه، واليوم في بلد تحكمها التفاهات وطغيان بوتين والكذب، مع إرادة القوة وسلطة الأمر الواقع منعدم الأخلاق.

إذن يهيئ الطيران الروسي الوضع لنظام الأسد، بطرد كل المعارضة المعتدلة والمدنيين، والإبقاء على صيغة داعش والنصرة، على أبواب هدنة تتيح أن يستمر القصف الروسي ضدهما لإتمام مهمات توسيع ملك الأسد، في سوريا حيث تريد أن يكوّن دويلته القادمة، وتدعم في المقابل أكراد سوريا في بحثهم عن حكم ذاتي كمقدمة لإقليم شبه مستقل، فيما ندخل هدنة كاذبة تجمّد الوضع في شكله الحالي، يلعب فيها بوتين دور الخصم والحكم، القاضي والجلاد، وإن كان خصماً وجلاداً بامتياز لا يتمتع بأي من صفات وأخلاق القاضي.

ولترك الباب مفتوحاً أمام روسيا للعب دور الحكم، يتوجب على النظام السوري الذي وصل لأقصى حدود الفظاعة، وحمل أبشع جرائم الحرب، الإبادة والتطهير العرقي، قتل الناس بالتجويع، بالطائرات، بالبراميل، بالتعذيب بالسجون، باستعداء الأجنبي على مواطنيه، بالعمل على صناعة الإرهاب العالمي. رئيس نظام كذاب، محيط كذاب، مسؤولون كذابون، ليس أسوأ أمثلتهم “عمران الزعبي” و”بشار الجعفري” و”المفتي حسون”. نظام متسخ إلى هذه الدرجة، لن يسيء له قصف مستشفى، أو هدم حي على سكانه، فقد دمر مئات المستشفيات وهدم ملايين البيوت. من هنا تكمن الخطة في أن يحمل نظام الأسد جرائم ومسؤوليات قتل الطيران الروسي للأطقم الطبية وتدمير المستشفيات، فتؤكد وزارتا الدفاع والخارجية الروسية أن طيرانها لم يقصف مشفى معرة النعمان، فيما يخرج بشار الجعفري على الإعلام ليشير أن النظام من قصفه بدعوى أنه تابع للاستخبارات الفرنسية.

هكذا يهجر كل السوريين، وتخلى بقاع المعارضة، وتبقى لبوتين البراءة من دماء قتلاه، كي يتمكن من لعب دور القاضي والجلاد، ويبقى نظام بشار الأسد مثالاً لنظام لا تضاف على جرائمة جرائم، يعيش فسحة تخاذل العالم وعدم إنسانيته.

 محمد ملّاك


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.