داعش في بادية السويداء ومنطقة بير قصب

بير قصب قرية صغيرة تقع جنوب الغوطة الشرقية، في بادية واسعة يطلق عليها بير قصب نسبة للقرية المذكورة، وتعد بادية بير قصب من أهم نقاط الوصل والإمداد في الجنوب السوري، فهي تتصل بالغوطة الشرقية والقلمون الشرقي شمالاً وتتصل باللجاة غرباً، والسويداء وباديتها حتى حدود الأردن والبادية الشامية شرقاً حتى دير الزور والحدود العراقية. قبيل 2011 كان الجيش السوري يستكمل الفيلق الرابع في هذه المنطقة، فقام بإنشاء عدد من النقاط العسكرية في قرى الأصفر وأشيهبْ. تضم بادية بير قصب عدداً من القرى الصغيرة التي تقطنها عشائر البدو، وتتبع إدارياً لمحافظة السويداء – منطقة شهبا، تبدأ بقرية الأصفر جنوب بير قصب بحوالي 10 كيلومترات، حيث تقع هذه القرية على تلة صغيرة يتجاوز عدد سكانها 1500 نسمة حسب إحصائيات عام 2010، قرية المفطرة وتقع شرق قرية الأصفر بحاولي 10 كيلومترات، لا يتجاوز عدد سكانها 500 نسمة، قرية شنوان جنوب قرية الاصفر ب 4 كيلومترات، عدد سكانها حسب إحصائية 2010 ألف ومائتي نسمة، قرية صيرة عليا جنوب شنوان ب 3 كيلومترات، عدد سكانها لا يتجاوز 300 نسمة، قرية رجم الدولة جنوب صيرة عليا ب 3 كيلومترات، عدد سكانها لايتجاوز 300 نسمة، قرية القصر جنوب رجم الدولة ب 2 كيلومتر، وهي تعد أكبر قرى عشائر البدو في بير قصب، عدد سكانها حسب إحصائية عام 2010 يقدر ب 2500 نسمة، قرية الساقية تقع إلى الشمال الشرقي من قرية القصر، وتبعد عنها 3 كيلومترات عدد سكانها لا يتجاوز 1000، تل صعد يقع جنوب قرية القصر بحوالي 5 كيلومترات، يوجد فيه عدد من منازل البدو وجنوب هذا التل تبدأ قرى السويداء، ذات الغالبية الدرزية حيث يبعد هذا التل عن قرية بارك، أربعة كيلومترات، وعن قرية الجنينة سبعة كيلومتراتات، هناك أيضاً أربع قرى، تقع غرب قرية الأصفر بالقرب من مطار خلخلة العسكري، وهي أشيهب الشمالي، أشيهب الجنوبي، قرية مرتع الفرس، قرية أبو حارات، تعد أشيهب الجنوبي أكبر هذه القرى، حيث يتجاوز عدد سكانها 1000 نسمة.

 سيطرة تنظيم الدولة على بير قصب وأهم المعارك التي خاضها حتى اليوم

بعد سيطرة تنظيم “الدولة” على البوكمال في صيف 2014، واشتداد الخلافات بين لواء الشباب الصادقين وجيش الإسلام، بدأ20160315215547 المقدم وليد الخير بالترويج لفكرة مبايعة التنظيم، وإغراء الثوار في تلك المنطقة بالرواتب الشهرية، وحسن المعاملة وغير ذلك، وقد ذهب المقدم وليد الخير عدة زيارات منذ سيطرة “التنظيم” على البوكمال، والتقى شرعيين من “التنظيم” هناك، كان بينهم أبو رجاء التونسي الذي أصبح أميراً لقاطع بير قصب في ما بعد. في الشهر التاسع من عام 2014، أعلن المقدم وليد الخير (أبو المعتصم) البيعة مع عناصر لواء الشباب الصادقين الذين بلغ عددهم حوالي مائتين وخمسين مقاتلاً، “لتنظيم الدولة”، وقام بمهاجمة مقرّ إشارة لجيش الإسلام بالقرب من بحرة العتيبة شمال بير قصب، وقتل كل عناصره، ومن بينهم “أبو طه” قائد المقر، وقام عناصر وليد الخير بالتمركز في منطقة الصريخي التي تقع شرق بير قصب بحوالي 30 كيلومتر، وتعد منطقة وعرة جداً تشابه تضاريس اللجاة، وطلب مؤازرة من “التنظيم” في البوكمال الذي أرسل رتل سيارات عبر البادية، مزود برشاشات 23 و14.5 و12.5، وحوالي 70 عنصراً بينهم أبو رجاء التونسي. أما لواء ثوار الشام، فقد قامَ بالانسحاب إلى درعا، دون بعض العناصر الذين بايعوا “التنظيم”، كان من بينهم الملازم أبو عديّ، على إثر ذلك شكل الثوار في القلمون الشرقي غرفة عمليات مشتركة، ضمت عدة فصائل منها جيش الإسلام، أسود الشرقية، لواء الصناديد، فيلق الرحمن، وتجمع الشهيد أحمد العبدو، بغية طرد “التنظيم” من بير قصب، فاندلعت معارك عنيفة جداً تمكن الثوار فيها من محاصرة عناصر “التنظيم” في الصريخي، لكن طائرات النظام حالت دون حسم المعركة، فالنظام هو المستفيد الأول من وجود “التنظيم” في مثل هذه المنطقة.

على إثر ذلك أرسل “التنظيم” مجموعة انغماسية عددها 52 مقاتل من أصحاب الخبرة الذين شاركوا في معارك كوباني، وعدد من الأسلحة المتوسطة بإمارة الليبي “أبو مسلم المسلم”، قاموا بشن هجوم معاكس على الثوار، مكنهم من السيطرة على “تل دكوة” الذي يعتبر نقطة استراتيجية هامة على مشارف الغوطة، وكان تحت سيطرة جيش الإسلام، كما استولى “التنظيم” على كامل العتاد الذي تضمّن أربع دبابات t52، وقواعد صواريخ تاو، كما سيطر على العديد من المناطق بالقرب من القلمون الشرقي، مثل المحسا وجبل الأفاعي، ولا تزال الاشتباكات مستمرة في تلك المناطق حتى اليوم. يذكر أن “التنظيم” خسر أكثر من مائة مقاتل بهذه المعارك، وفي الشهر الخامس من عام 2015 بدأت أنظار “التنظيم” التوجه إلى الجنوب باتجاه درعا والسويداء، وبدأ التنسيق مع بعض الخلايا المتواجدة للتنظيم في درعا، من بينها لواء شهداء اليرموك، وقد شن معركة على مطار خلخلة بالقرب من أتستراد السويداء، لكنه فشل وخسر حوالي عشرين عنصراً في هذه المعركة، من بينهم مقاتلون من درعا من أهالي مدينة إبطع كانوا يتبعون للواء شهداء اليرموك، وفي نفس الشهر شن “التنظيم” معركة على قرية الحقف ذات الأغلبية الدرزية بالقرب من قرية القصر التي تقع تحت سيطرته، لكنه فشل وتكبد أكثر من 12، قتيلاً بينهم جنسيات غير سورية، ثم تصدى لمحاولة اقتحام مسلحين من السويداء لتل صعد، لكن “التنظيم” في السويداء عامة تجنب المواجهة المباشرة بعد هذه الوقائع، فبدأ بمحاولات تسلل وزرع ألغام وعبوات ناسفة بين قرى الريف الشمالي الشرقي لمحافظة السويداء، وذلك بسبب الطبيعة الجغرافية لهذه القرى، وعدم قدرة “التنظيم” على استخدام الدبابات والأسلحة الثقيلة هناك، لأنه في مناطق مكشوفة. أما في اللجاة فقد قام عدد من بدو اللجاة بمبايعة “التنظيم”، بعد تكرار ذهابهم إلى بير قصب بقصد التجارة، وسيطروا على حوش حمّاد، وقام “التنظيم” عدة مرات بإرسال تعزيزات لهم في اللجاة، اقتصرت على المقاتلين دون الآلية الثقيلة لأن الطريق الوحيد إلى اللجاة يمر عبر أتستراد السويداء- دمشق، الذي يقع تحت سيطرة النظام، فيقوم العناصر بالتسلل من منطقة كوع حدر على أتستراد السويداء، إلى حوش حمّاد التي تبعد حوالي خمسة كيلومتراتات غرب هذه المنطقة، وحتى اليوم لا تزال الاشتباكات مستمرة في اللجاة بين الجيش الحر، وخاصة تجمع أحرار الجنوب، وبين عناصر “التنظيم” الذين يستفيدون من وعورة التضاريس في المنطقة.

سياسة “التنظيم” في معاملة العشائر في بير قصب وأهم العشائر المبايعة له

كعادة “التنظيم” عند سيطرته على أي منطقة، يبدأ أسلوب الترغيب الذي ينتهي بالترهيب، فعند دخول “التنظيم” إلى بير 1622943قصب، بدأ سياسة الترغيب وحسن المعاملة والجولات الدعوية على كافة مساجد القرى، وتوزيع المنشورات والمطويات وإنشاء فرن للخبز، ونقطة طبية في قرية الأصفر بالقرب من ابتدائية الأصفر، وإصلاح آبار المياه المتضررة، وتوزيع المال على الفقراء، ما دعا أغلب عشائر هذه المنطقة إلى مبايعة “التنظيم”، ماعدا قسم نزح إلى الأردن، وقسم إلى درعا خوفا من “التنظيم”، لكن “التنظيم” لم يستمر طويلاً بهذه المعاملة، فبدأ إقامة الحدود على مخالفي الصلاة، كذلك المعارضين لسياسة “التنظيم” من البدو، ويعتبر “أبو مسلم الليبي” أكثر الأمراء تشدداً في هذه المنطقة، وهو يقيم في قرية الأصفر. أهم العشائر المبايعة للتنظيم في بير قصب عشيرة المطلق شنوان، وفي الأصفر عشيرة الدكاك شنوان، وعشاير سويعان وسحيمان والضبعان في القصر، عشيرة زريق في أشيهب الجنوبي، وعشيرة البصير في رجم الدولة، وعشيرة البصيلي بادية السويداء، وأغلب هذه العشائر تعود بأصلها إلى عشيرة الحسن.

مقرات “التنظيم” في بير قصب

يتوزع عناصر “التنظيم” في بير قصب بكافة القرى المسيطر عليها، لكن العدد الأكبر من عناصره متواجد على خطوط التماس في قرية القصر وتل صعد، اللّتين قام بإخلائهما من المدنيين بعد معركة الحقف، حيث تتعرض هذه القرى لقصف مستمر من طائرات النظام السوري، وهناك تمركز لعناصر “التنظيم” في قرية أشيهب الجنوبي بالقرب من مطار خلخلة، لكن أهم الأمراء مثل “أبو بكر الليبي” و”أبو المعتصم” يتواجدون في بلوكوسات محصنة تحت الارض شمال قرية الأصفر، كانت تابعة لكتائب إشارة لجيش النظام سابقاً، هذا وينتشر عناصر “التنظيم” أيضاً في منطقة الصريخي، أما في البادية شرقي السويداء بالقرب من الحدود الأردنية فالتنظيم لا يجرؤ على إقامة مقرات ثابتة خوفاً من الطيران الأردني، الذي استهدف آليات للتنظيم عدة مرات بالقرب من حدوده، فأقرب مقر للتنظيم شمال الحدود الأردنية بحوالي أربعين كيلومتراتاً، في بير الرصيعي، حيث يقيم عناصر “التنظيم” في خيام بين خيام المدنيين المقيمين هناك.

بعد إحكام “التنظيم” قبضته على بير قصب والقرى التابعة لها، بدأ بالتضييق على السكان والتحكم بالعشائر وكانت البدايةؤ قرية القصر في محلٍ لبيعِ الدخان واﻷركيلة، حيث قام عناصر “التنظيم” بمداهمته في الشهر الثالث من عام 2015، أي بعد حوالي خمسة أشهر من سيطرته على المنطقة، وقاموا بتكسير المحل وإتلاف السجائر واﻷراكيل في ساحة القرية، وإقامة حد الجلد على المدعو “محمود سويعان” من أبناء القرية، كما وزع “التنظيم” بعدها بأيام مناشير على العشائر، تطالبهم بتسليم جميع أسلحتهم، سمح لهم فقط بحيازة مسدس، أو الانضمام لصفوف التنظيم، فقام البعض بتسليم سلاحه خوفاً، وقام آخرون بالانضمام لعناصر التنظيم. بعد فترة داهم عناصر “التنظيم” بيوت الذين لم يسلموا سلاحهم، فقاموا في الشهر الرابع 2014 بمداهمة منزل “بخيت البصيلي” ومصادرة رشاش 12،5 دوشكا، أما شرق السويداء في الشعاب تحديداً، قام عناصر “التنظيم” بمداهمة الشعاب شرقي ملح، القرية التي تقطنها عشيرة الرمثان في الشهر السادس 2015، وحدث اشتباك أدى ﻷسر “سعود الرمثان” واثنين من أولاد عمه، وشخص آخر أردني كان موجوداً لدى “سعود الرمثان”، ووجهت التهمة لأربعتهم بحيازة المخدرات والاتجار فيها، فأحضروا إلى ساحة قرية القصر ونفذ بهم حكم الإعدام ( بقطع الرؤوس). يحدثنا “أبو محمد” من قرية القصر، الذي رفض الإفصاح عن اسمه كاملاً، خوفاً من معرفة “التنظيم” أن مشهد الإعدامات وإقامة الحدود باتت اعتيادية لدى أهالي المنطقة، فلا يخلو شهر من إقامة حد في ساحة القرية، كان آخرها إقامة حد الجلد على “منصور الدكاك” بسبب عدم أدائه إحدى الصلوات، فلم يتوقف تنظيم الدولة عن الانتهاكات بحق المدنيين وإقامة الحدود عليهم.

مطلع هذا العام أصدر “التنظيم” قراراً يقضي بالتحاق أي شاب تجاوز سن ال (18 حتى سن 30) بعناصر “التنظيم” للقتال في صفوفه، وذلك بعد إخضاعهم لدورة مدتها 15 يوماً، ثم ليتم إرسالهم إلى المناطق المشتعلة، لكن “التنظيم” عدل عن هذا القرار بعد فترة، وكان عدد الذين انضموا أو اعتقلو وأجبروا على الالتحاق بالتنظيم تجاوز ال “50″ شاباً، تمكنّا من معرفة عددٍ منهم من أهالي قرية القصر، هم: (متعب البصيلي، ردّاد البصيلي، حمود البصيلي، ثليج البصيلي، جاسم سويعان، خالد سويعان، عمر سويعان ومازن سويعان)، وهناك عدد من الشبان الذين قاموا بالهروب إلى درعا، مناطق سيطرة الجيش السوري الحر، أو إلى مناطق في البادية لا يتواجد فيها عناصر “التنظيم”، خوفاً من اعتقالهم وزجهم في جبهات “التنظيم” المشتعلة.

سياسة “التنظيم” في معاملة عشائر المنطقة باتت أشد قسوة منذ بداية 2016، فلا تمر بضعة أيام إلّا ويستيقظ أهالي إحدى قرى المنطقة، على مشهد إقامة حد على مدنيّ في الساحة العامة، وتتعدد التهم: (سرقة، ترك الصلاة، التعامل مع النظام، بيع الذخيرة للجيش الحر وغيرها الكثير من التهم)، تمكنّا من توثيق عدد من هذه الحالات، (منصور الدكاكمن قرية القصر والتهمة ترك إحدى الصلوات، أقيم عليه حد الجلد أمام أهل القرية، ناصر المطلق من قرية شنوان، قام “التنظيم” بقطع يده والتهمة سرقة الطحين من مخبز القرية، حمد البصير من قرية رجم الدولة، بتهمة التحرش والعقوبة الجلد، وتم إعدام شاب من قرية اﻷصفر لم نتمكن من معرفة اسمه، والتهمة بيع الذخيرة لفصائل المعارضة المسلحة في القلمون الشرقي).

أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.