رواية القوقعة بين الواقع والواقع

لا يمكنك وأنت تَلِج مساحات الألم الواسعة في ((القوقعة)) أن تمارس حياديتك العلميَّة الموضوعيَّة، لاتستطيع الاستمرار في ممارسة صمتك الذي استعبدك دهراً، تنفر الدموع من عينيك وتجهش بالبكاء… تعود إليك وأنت تقرؤها الذكريات القاسية والمخيفة عن أحداث كوت قلوب السوريين طويلاً، تحاصرك، تهزُّك، تقرِّعك، تسألك عن هذا الصمت المُذلِّ الطويل، وعن القبول بدورالمِطواع طوال خمسين سنة من الجريمة، تسألك عن صمتك وسلبيتك تجاه كلِّ هذا العنف والدم، تسألك عن رقصك ومشاركتك في حلقات الدبكة والمبايعة وتأليه القائد الرمز. وتقول لك هذه هي سوريا الحقيقيَّة، إذا كنت لم تعرف بعد.

لا تروي ((القوقعة)) حكاية خياليَّة عن رخويات وسلاحف، بل تتحدث عن بشرٍ حقيقيين وواقع معيش، أبطاله صفوة شباب 6909334الشعب السوري وخيرة رجاله من أطباء ومهندسين وأساتذة ومثقفين، اقتادتهم أجهزة النظام الأمنيَّة إلى القوقعة – السجن الصحراوي ليغلهم الجلاوزة بالأصفاد ويسوموهم أقسى أنواع العذاب، وهي لا تروي حكاية عن واقعة استثنائيَّة أو نادرة، لأنَّ أعداد الذين اقتيدوا إلى القواقع ليسوا عشرات أو مئات، بل مئات الآلاف.

تكاد الرواية توهمك بأن البطل هو الروائي نفسه، يحضر في مساماتها وخلجاتها، يتنفس ويبكي ويتألم بالأحرف ويتلصص بالكلمات، ويعزز هذه القناعة لديك خطأٌ وقعت به ويكيبيديا عندما ترجمت لشخصيَّة الروائي مصطفى خليفة ترجمة تتطابق تماماً مع سيرة بطله في الرواية خلافاً للواقع والحقيقة.

تتحول رواية ((القوقعة)) في بعض الأحيان إلى نصٍّ تسجيلي توثيقي، لا يهدف إلى الإمتاع بالإدهاش والتخييل والصور، بقدر ما يهدف إلى توثيق طرائق التعذيب الهمجيَّة التي يستخدمها أزلام النظام وزبانيته في مواجهة المعتقلين، وكأنِّي أرى المؤلف المندغم بالراوي حريصاً على القبض – عبر التلصص من ثقب في جدار الزنزانة – على بعض اللحظات التاريخيَّة والمشاهد قبل أن تفلت من يده، ويبتلعها النسيان، وحريصاً على تدوينها حيَّة في معروض ينوي تقديمه إلى نائب عامٍ ما في بلد ما، أو يريد أن يواجه به ضمير الإنسانيَّة المفقود بوصفه دليلاً حيَّاً وطازجاً على إجرام النظام الحاكم في سوريا.

تبدأ الرواية بعودة البطل من فرنسا محمَّلاً بما قدمته له الحضارة الغربيَّة من علم وجمال وفنٍّ وثقافة، راغباً كما أخبر صديقته بنقل ما اكتسبه إلى وطنه الذي كان بأمسِّ الحاجة إلى ما هو جديد، لكنَّ رحلة العودة لم تكتمل، قطعها رجال الأمن، وحولوا مسارها، كما حولوا رحلات الآلاف قبل بطل ((القوقعة)) وبعده، إلى الوطن الآخر، الوطن الذي كان السوريون يتحدثون عنه همساً خوفاً من آذان الحيطان.

اعتقلت السلطات البطل المسيحيَّ بتهمة مضحكة مبكية، هي تهمة الانتماء إلى تنظيم الإخوان المسلمين المحظور، ويحاول البطل دفعَ التهمة عن نفسه بالإعلان الصريح عن مسيحيَّته بل إلحاده أيضاً، دون أنْ يلقى آذاناً صاغية من أحد، ومن البدهي أن يستغرب من لا يعرف سوريا والنظام المخابراتي فيها هذه اللعبة التي يلعبها الكاتب، لكنَّ السوريين قد لا يجدون فيها ما يُستغرب، لكثرة ما تناهى إلى أسماعهم عن عجائب هذا النظام وغرائبه ولكثرة ما تداولوا من أخبار وطرائف سياسيَّة عن نظام الأسد ((الإله))، وما ارتكبه من تجاوزات بحقِّ هذا الشعب، حتى إنَّه أشاع بين الناس أنَّه قد يعتقل أحدهم على شبهة غير مؤكدة، وأكثر من هذه الإشاعات والأخبار وهولها ، كي يخشى سعدٌ فقد لقي سعيدٌ حتفه.

حاول المؤلف أن يصدم المتلقي بفكرة (اعتقال المسيحي بتهمة الانتماء إلى الإخوان المسلمين)، ويكشف عن فائض عسف لمادة القوقعةالنظام ووحشيَّته، لكنَّ المتلقي الذي رأى ما رأى من البراميل والحاويات المتفجرة، أصبح عصياً على الاندهاش أو الاستغراب. أمَّا ردود فعل المحققين والسجانين الفاقدين لكلِّ ما هو إنساني فكانت:((أكيد عامل شغلة كبيرة))أو: ((إذا كان هدول العرصات بيستحقوا الموت مرَّة واحدة، فأنت لازم تموت مرتين !! … يالله يا شباب زيدو العيار لها الكلب … مسيحي وصاير إخوان مسلمين!!))

تنتهي رحلة العودة من باريس في السجن الصحراوي، ويبدأ الاستقبال الحافل، استقبال ((ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب))، وتبدأ معاناة المعتقلين من مختلف صنوف التعذيب والإيلام والقهر والإهانات، وينتهي اليوم الأول بمقتل سجين ضابطٍ برتبة عميد، وترْكِ ملازمٍ أول أقرب إلى الموت… وغياب البطل التام عن الوعي بسبب الألم.

ويتخذ الزمن بعد حفلة الاستقبال شكلاً كرونولوجياً رتيباً يحيلك على بدايات فن الرواية؛ عندما كان الروائيون يتمسكون بالوحدات الثلاث، وكأنهم يكتبون نصاً مسرحياً وفق الشروط الأرسطيَّة، ولا يسعى الكاتب إلى إخفاء ذلك بقدر ما يسعى إلى تعزيزه بتقسيم الرواية إلى فصول، ووضع تاريخ لكلٍّ منها. أمَّا المكان فيبدو بسيطاً منبسطاً، لكنَّه مع شدة واقعيته وشدَّة بساطته، يلعب دوراً لا يقلُّ أهميَّة عن أيَّة شخصيَّة، بل إنه يندمج بالمؤلِّف والراوي في وحدةٍ ثلاثيَّة متكاملة: المؤلِّف الذي يكتب تجاربه الشخصيَّة والراوي – السارد والمكان السجن المسرود عنه الذي يتلخص في زنزانة غير واضحة المعالم وفتحة صغيرة في الحائط، يتلصص منها الراوي على ساحة السجن.

لقد قضى البطل في السجن ثلاثة عشر عاماً وثلاثة أشهر وثلاثة عشريوماً، وتمحورت حياته – وحياة الشعب السوري على ما يبدو – حول هذا الرقم ((ثلاثة عشر))، الرقم الذي يبقى اختياره غامضاً ملتبساً، لا تنكشف للمتلقي مرجعيته. هل كانت له مرموزات دينيَّة أو دلالات فلسفيَّة؟ أم أنَّ المسألة أبسط من ذلك بكثير باعتباره رقم النحس وتعذر القسمة، رقم الشؤم لا أكثر ولا أقل؟ أم أنه – ولا يُستعبد ذلك – ذو دلالة واقعية صرف.

تخلو الرواية من المعالجات التي تكشف عن أبعاد فلسفية أو أسرار تدعو إلى التأمل، وتخلو من الطروحات التي تنطوي على عمق في السبر السيكولوجي أو الاجتماعي، ولم تَنِد عن شفتي السارد البطل سوى قليل من الأفكار الخلافيَّة التي تستدعي الفحص والتمعن: ((أنا أؤمن بقولٍ يقول: إنَّ الإنسان لا يموت دفعةً واحدةً… كلَّما مات له قريبٌ أو صديقٌ أو واحدٌ من معارفه، فإنَّ الجزء الذي كان يحتله هذا الصديق أو القريب… يموت في نفس هذا الإنسان! ومع الأيام وتتابع سلسلة الموت… تكثر الأجزاء التي تموت داخلنا، تكبرالمسافة التي يحتلها الموت…وأنا يا لينا… أحمل مقبرة كبيرة داخلي، تفتح هذه القبور أبوابها ليلاً… ينظر إليَّ نزلاؤها ويعاتبونني)).

وختاماً يسترعي الانتباه في هذه الرواية انتشارها الواسع ونجاحها وإقبال القرَّاء على مطالعتها، خاصتهم وعامتهم على حدٍّ سواء، حتى غدت من أكثر الروايات شهرة ومقبوليَّة في عشر السنوات الأخيرة. وسرُّ نجاح ((القوقعة)) أنَّها بلا سرٍّ، وبلا أيِّ محاولة لاختلاق سرٍّ ما… فهي رائعة ببساطتها وبراءتها وخلوها من الأسرار والألغاز، ((بسيطة كالماء)) واضحة كأشجار الجوز واللوز، إنها تشغف القلب بما تعبِّر عنه من غزارة بالوجدانيات واكتناز بالمشاعر، وما تنطوي عليه من اختيارات تقنية وجماليَّة ولغويَّة موفقة، تذهب مباشرة إلى أوجاع المتلقي وهمومه، وتضع أقساها وأكثرها إيلاماً أمام عينيه مباشرة.

د.غسان مرتضى


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.