حين يأتي الوفد.. هتاف للسيد الرئيس!

يبدو مركز الإيواء في قرية رساس جنوب مدينة السويداء بنحو10 كيلومترات، معبّراً تماماً عن حالة “تقدم” الجيش السوري وتحقيق انتصارات متتالية، والدليل على ذلك الازدياد اليومي في عدد الخيام التي يسميها الشيخ عبد الرحمن (اسم مستعار) المقيم هناك، “مهاجع في هذا المعتقل”، ويتابع قوله “كلما سمعنا خبراً عن انتصار الجيش، زاد عدد النازحين، مات لنا قريب جديد، ودمر بيت وقطعت ساق شخص”، ويتابع متسائلاً “بالله عليكم أخبروني كيف تسمى هذه انتصارات”

في يوم الخميس 30 حزيران/ يونيو تفاجأ المقيمون في المخيم، أن حملة نظافة كبيرة تمت في المخيم وهي حملة لم يعتد Untitled-1الأهالي عليها، خاصة وأنهم تأقلموا مع المشاكل الصحية الناتجة عن قلة النظافة، كالقمل والجرب وغيرهما. يقول محمد 36 عاماً: “أشاعت الناس أن محافظ السويداء قادم لزيارة المخيم، ولكن زياراته السابقة لم تستدع كل هذا الاستنفار”. هذا ما نعرفه نحن تماماً حيث يحلو للمحافظ مشاهدة النازحين في أسوأ أحوالهم، فلماذا هذا الاهتمام إذاً! وبينما كان مصور سانا وجّه إدارة المخيم إلى تجميع الناس وجعلهم يرفعون أعلام النظام وصور “بشار الأسد”، سأله أحد المعنيين، هل المحافظ قادم فعلاً، فأجاب: ليس وحيداً، برفقته وفد من دول أجنبية. وكمن يتحدث على نافذة الدردشة أجاب المعني اممممممم لفهمه ما سبب كل هذا الاستنفار، على العالم الآن أن يشاهد حجم سعادة هؤلاء المساكين بقيادتهم. وفعلاً جاء مصور أحد الوكالات المحلية وقال للمجتمعين: “بس يجي الوفد بدي هتاف للسيد الرئيس” وكرر “مو لسوريا للرئيس، للرئيس بشار”. وهنا يقول محمد، ضحك أحد الحاضرين وقال: إنه يحاول تذكيرنا بأن بشار هو الرئيس وليس بوتين.

تجمع المساكين أمام خيامهم ينتظرون الوفد الذي لا يحمل هدايا أو وعوداً، الوفدَ الذي جاء ليرى بأم عينه كيف يعيش النازحون هنا بأحسن حال والحمد لله، وابتسامة مدير المخيم متصدرة المشهد لأن الشعب يحب قائده!

أما في الجهة المقابلة فكانت حكاية أخرى، في القطاع الشرقي من المخيم، بالقرب من المدرسة، كان الأولاد مجتمعين حول بركة من مياه الصرف الصحي، خلفتها تمديدات الصرف المعطلة، حيث يجري نهر الصرف الصحي بين الخيام والأقدام، ولكن الإدارة مطمئنة لأن هذا القطاع جديد والمحافظ يعرف وضعه تماماً فلن يصل الوفد إليه، الوفد الذي أراهن على كل حال بأنه لن يصل إلى ساحة المخيم الداخلي، لأن الروائح ستجعله يعود أدراجه من منتصف الطريق، على الرغم من كل ما حاول عمال النظافة أن يرمموه، لكن المعنين أنفسهم غير مكترثين لأن الوفد روسي جاء يوثق حضوره لتصبح شهادة الزور خاصته أكثر إقناعاً.

النتيجة أن الوفد جاء والهتاف حصل، والإجابات التي سمعناها مراراً وتكراراً عن سوء الحال والجوع ووضع الخبز الرديء لم Untitled-3يسمعها الوفد، فعيون الرقيب من خلف الوفد كانت ترمق كل المتحدثين الذين لم يعرف لسانهم إلا الهتاف، ولم تعرف أجسادهم إلا الرقص، فالوفد الأنيق وأعضاؤه الذين يرتدون البزات الأنيقة يبتسمون.

هتفوا جميعاً، فقد تخدر وجدانهم عند خسارتهم كل شيء، تلك الشعرة الفاصلة بين التمرد الشديد والذل والخنوع الشديد مالت للخنوع، الخنوع الذي لم يعرفه الشيخ عبد الرحمن الذي بكى جانباً وهو يقول “مشتاق أطلع من هون، كبر السجن علينا كثير”، لحظتها توتر ابنه واشتد قلقه وراح يدور حول نفسه في المكان مترجياً والده أن لا يكمل خوفاً عليه، لحظتها نفض الأب يده وقال “ماذا لدينا لنخسر أكثر يا بنيّ”!

احتفل الجميع غنوا وهتفوا ورفعوا الرايات على بعد 100متر من الصرف الصحي الفائض، الذي تهب رياحه على تلك النياشين المعلقة على صدور من هم خلف قادة الوفد، الوفد الذي لن يقول أن عدد الموجودين الآن في المخيم 4300 مواطن موجودة هوياتهم الوطنية على الباب في أيدي الحرس من رجال الأمن، الوفد الذي لا أعلم إن كان يعلم أن المقيم هنا يحتاج إلى ورقة كي يدخل ويخرج لمكان إقامته، الوفد الذي سيأكل في أفخم الأوتيلات بعد عودته من المخيم بينما يطالب من هم في الداخل بخبز جيد كي يأكلوا، الوفد الذي سجل دخولاً إنسانياً إلى أماكن وجود الوافدين في زيارة تقاضى عليها بدل سفر وبدل مهمة كي يسمع النازحين يهتفون لحياة “السيد الرئيس” بعد أن أوعز لهم بذلك مصور وكالة سانا.

وفي نفس اللحظات كان محمد جالساً مع عيسى وعبد الإله وصفاء، يبكون منزلهم المدمر نتيجة قصف طيران دولة الوفد، ويرثون أقاربهم الذين قضوا برصاص أسلحة دولة الوفد، ويناجون ربهم أن يخرجوا من جحيم مخيم الاعتقال.

على كل حال اطمأن الروس على من شردوهم، أنهم ما زالوا يمثلون مادة إعلانية ثمينة سيبثها الإعلام فور مغادرتهم، اطمأنوا أنه ما زال هناك ضحايا تهتف لقاتلها كي تستمر بالحياة، تأكدوا أن سعيهم للحفاظ على منظومة الاستبداد لم يذهب سدى.

أروى العبد

 

أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.