اسمي حلفايا

ما نفع أسماء المدن…؟ إن تشاركت نفس الحكاية !

تختلفُ الوجوه والملامح، تتشابه الأطراف المبتورة تحت الأنقاض، دمروا البيوت فأصبحت قبوراً، لا تزيلوا الركام، ما زالت الحياة  طفلةً تتلو القصيدة.

الوجع يصرخُ  هل يخافون الثورة..؟  الموت يبكي يريد الرحيل، لماذا يخافون غصون الزيتون والصدور العارية.

اسمي… لن أخبرك اسمي…

صبيةٌ أنا، أو ربما أصبحتُ عجوزاً، أعيش في منزل صغير، ترقصُ على شرفتهُ أوراق الشجر، تلك التي تجمعها أمي رغم سنواتها الستين.

توفي أبي منذ صغري، أتذكرُ عينيه الحالمتين بوطنٍ لا تغادره العصافير. الآن يا أبي لا يقتلون إلا الأطفال والنساء، الآن يا أبي لم يتبق شبابٌ كي تحملَ نعوش العصافير.

لغةُ البارود تستنزفنا، القصف طال أفرانَ الخبز في حلفايا، البراميل تتساقط مطراً، أرضي محروقة أصبحت بلا هوية.

أخي ورث النظرات الحالمة، القامة الطويلة، ابتسامة أميالعذبة.  ترك مدرستهُ عندما توفي والدي، ليعملَ في مخبز القرية ويعيل هذه الأسرة الصغيرة، صغيرة بحجم الحرية في هذه المدن.

لكنه ذهب إلى عمله ولم يعد، شيعتهُ بقصائد لم أكتبها، كفنتهُ براية الحرية، وأقسمتُ أن أرحل عن هذه المدينة.

لكنهم لم يسمحوا لنا، الحكومة تمنع خروجنا، تعتقلُ المئات من رجالنا، تجلدُ شبابنا وتعذبهم، تسبي نسائنا, الجحيم أفضل من هذه الحياة يا أمي، أوامر الضباط تصدر من دمشق، تعبر السهول الفسيحة، لتمطرنا بوابل من النيران.

لكننا نجحنا في الهرب، بعد أن قمنا ببيع الطوق الذهبي الوحيد الذي تملكه أمي، وقصدنا دمشق لأن لدينا بعض أقارب هناك، أصبحنا لاجئين سوريين في أرض سورية، أصبحنا غرباء هنا.

صباحاً أعملُ في متجرٍ للحلويات، يتعبني الوقوف والمساحة الضيقةُ جداً، الحرُّ لا يطاق هنا هذا القبو، خصوصاً عند إشعال الأفران، ربما يأتي اليوم ويوقفون حرق الناس.

منذ وطئتُ أرض العاصمة، وأنا أشعر أنني غريبة، نظرات العاملات تجاهي لا ترحم. أحيانناً تنهمر الأسئلة عن مَنْ فعل بنا هذا؟! مَنْ دمر مدينتنا وشردنا وأبعدنا عن أهلنا وجيراننا؟!

أكتفي بالصمت، فرغم كل هذا التمرد ما يزالُ شبح الأمن يفرض سطوته، أربعون عاماً من الخوف لم تورثهم إلا مزيداً من الخنوع، وبضعة أعوام من الثورة حررت روحي من زنزانتها.

يمضي اليوم وأنا بعيدة عن أمي، لقد تدهورت صحتها بعد نزوحنا، ورغم توسلاتي إليها لم تتوقف عن ذرف الدموع، النحيبُ على بيتٍ أصبح فارغاً من عبقنا، حرمها الرحيل قهوة الصباح مع جارتها، تمنّت دوماً أن ترى أحفادها، وأنا تمنيت الخلاص.

أشاركُ أمي الغداء، في هذه الغرفة التي لا تشبه بيتنا، ولا تطالها الشمس، أثاثها قليل، وقد أنفقنا ما بقي معنا من أجل الحصول عليها.

مساءاً أخرجُ لأحضر بعض الدواء والحاجيات، أعبرُ الشارع الضيق فأصطدم برجل ذو نظراتٍ حادةٍ، أعتذر لهُ فيصرخُ بي. حقاً إننا لا ننتمي إلى هنا.

أحضرتُ ما نريد وقفلت عائدة إلى غرفتنا، كانت الكهرباء مقطوعة، وعندما أوشكتُ صعود الدرج، باغتتني صفعة قوية على وجهي فوقعت.

همس ألا ترين أمامكِ، فتذكرتهُ. حاولتُ الصراخ فسدَّ فمي، نزع عني غطاء شعري، وبدأت يده تتحسس تفاصيل جسدي، حاولت أن أفلت قبضته لكنني لم أستطع، استجمعت كل قوتي ودفعتهُ، فحررت نفسي منه، وأخذتُ أركضُ.

ساعدني أحد أقاربي في العودة، أمي كانت تبكي لأنني تأخرت، ومنذ ذلك الوقت أصبحتُ أكثر حذراً، في مدينة تفقهُ حرق الياسمين، تغني أصوات المدافع، تنشر حواجزها هنا وهناك لتستعيد ما تبقى من مجد غابر.

صبيةٌ ثورية أنا… اسمي حلفايا…

بقلم: سناء فضة


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.