“الكومبارس” لنبيل المالح.. حين يعجز الإنسان عن القبض على مصيره

منذ أن دخل عالم السينما بالصدفة حين أدّى دور “الكومبارس” في فلمٍ تشيكيّ مطلع شبابه، لم يكفّ نبيل المالح عن البحث عن 18bc76df-1e9d-4601-b4f3-7c55fe93467aلغة سينمائية خاصة به، فهو القائل :”السينما فنٌّ مازال في أبجديّاته الأولى ولم يكتشف بعد، أعتقد بأنني احاول الاقتراب أكثر فأكثر من تصوّر أن السينما تمثّل عصرنا، وأنّ تبتعد عن أن تكون مجرد صورة فوتوغرافيّة أو حكواتي، وما زلت أقاتل في سبيل هذا”. حتى رحليه، مؤخراً، كان المالح مازال يطارد حلمه السينمائي هذا. طبعت كل أعماله ثيمة عن قهر الإنسان وعن تكبيل الحرية في مجتمعات الهدر، فهو عانى بنفسه من قمع الأجهزة الأمنية يقول: “الأنظمة القمعيّة إذا شاهدت طائراً يحلّق بحريّة، فإنها تُستفزّ وتوجّه نحوه مدفعاً وليس رصاصة”.

يمثل فيلم “الكومبارس” البصمة السينمائية الأهم التي تركها نبيل المالح وراءه، الفيلم الذي أخرجه وكتب السيناريو له، متقن الصنع في كل شيء، ورغم بساطة أدواته من حيث الديكور والمكان والحركة والمشهد، وخلال ما يقارب ساعتين وبمساحة محدود للحركة، يقدّم المالح صورةً للقهر الجسدي والوجودي والعاطفي للإنسان في مجتمعاتنا، وهاتان الساعتان زمانٌ سينمائيٌّ يوجزُ زمناً كاملاً، زمنٌ جاب فيه العاشقان الشوارع والمنتزهات العامة دون أن يتمكنا من اللقاء بحريّة قبل أن يتواعدا في منزل “عادل” صديق بطل الفيلم “سالم” يؤدي دوره بسام كوسا).

سالم شاب فقير يدرس الحقوق، ويعمل في محطّة وقود، كما يعمل كومبارساً في المسرح، تربطه علاقة غراميّة بندى (تؤدي
دورها سمر سامي)، وهي أرملة تعيش مع عائلتها وتعمل في معمل خياطة. يكتشف العاشقان لدى لقائهما للمرة الأولى وحيدين بعيداً عن الأعين أن الخوف تمكّن من روحهما وجسديهما. فالرقابة الاجتماعية والرقابة السياسية (المعبّر عنها برجل المخابرات) ترافقهما أينما ذهبا. قبل اللقاء في دقائق الانتظار تأخذ سالم أحلام اليقظة والخيالات؛ خيالات الخوف والعجز، تارةً يتصور أنه يهاجم ضابط الأمن ويتمكّن من تأديبه، وتارةً ينظر إلى السرير ويتصور ثلاثة إناث تتأوّهن وتداعبنه، وتارة يتخيّل حبيبته تفصح عن رغبتها به واشتهائها له. فمثل قسم كبير من الشباب المقهور، كل تصوراته الجنسية مستمدة من عالم البورنو، وتارةً يتخيل نفسه يصيح بها مثل رجل تقليدي بسبب تأخّرها عن موعدهما. ولدى قدومها يكتشف أنها تأخرت لاعتقادها أن أخوها يلاحقها.

خلال خلوتهما يخشى كلاهما التعبير عن رغبته في جسد الآخر، ثم يبدأ سالم يحدّثها عن عمله في المسرح، ويؤدّي لها مسرحيّة يشركها بها، خلال هذه اللحظات بإيجاز وبساطة يعبر الفيلم عن الشخصيات والأدوار المختلفة التي يدور في فلكها الإنسان المقهور، فهو دوماً ليس ملك ذاته، ملك حاكم، ملك مجتمع، يموت في سبيل شيء ما، مواطن مكافح، جندي مضحٍّ، هو دوماً غير موجود بذاته ولذاته. وخلال هذه اللحظات يتحوّل سالم للمرة الأولى إلى بطل حقيقي بدل “الكومبارس”، وهو دوره المعتاد مسرحيّاً وحياتيّاً، يتخطى مشكلته النطقيّة التي تسبّب له التلعثم الدائم، فهو للمرة الأولى مع حبيبته يمسكان زمام عالميهما، ويخلقان مساحة صغيرة خاصة بهما؛ مساحة افتراضيّة لعاشقين، صغيرة مثل البيت الصغير الذي يحيطهما بجدرانه ويفصلهما عن العالم الخارجي.

ولكن سرعان ما يتبدّد هذا العالم الصغير الافتراضيّ، فينتهي الفلم بقدوم الجار؛ عازف العود الضرير، طالباً النجدة من سالم the-extrasلحمايتِهِ من رجال المخابرات. يحاول سالم مساعدته، لكن المخابرات تقتاد الرجل عنوةً ويتلقى سالم صفعةً على وجهه تحطّم عالمه الصغير، تنقل الكاميرا في لحظة مكثّفة بصريّاً صورة يد ضابط الأمن المرتفعة في الهواء، هذه اليد الخرافيّة التي تستولي على حياة الناس وتحطّمهم. سالم اعتاد تلقّي الصفعات في المسرح والواقع، لكن هذه الصفعة الفيزيائيّة المباشرة غمرته بالقهر والذلّ والمهانة، وأعادته إلى حجمه الاعتيادي “كومبارس” مثل كل البشر في مجتمعنا، أما حبيبته المقهورة فتتظاهر أنها لم تشاهده وهو يتلقى الصفعة وتغادر المنزل وتنهار باكيّةً خلف الباب، ويتحول الباب إلى حد فاصل بين عالمين، عالم الحلم المؤقت والعالم الحقيقي، وأيضاً فاصل بين الحبيبين، ثم ينتهي الفيلم في مشهد عميق بلغته البصريّة، تخرج ندى فجأة إلى الضوء بعد أن كانت الإضاءة خافتة طيلة الفيلم في المنزل. تغمر الشمس الناس المارين في الشارع، ثم تتوجه الكاميرا إلى نافذة المنزل من الخارج، ثم تصعد في لقطة علوية لتلتقط صورةً لعمارات ومباني دمشق. هكذا في وضح النهار يُهان البشر وتحت الضوء وتمضي الحياة كأن شيئاً لم يكن؟! الخوف يكبل الجميع في مملكة الصمت والقهر، العاشقان لم يتمكنّا من ممارسة الحب، فالجسد متى لم يعبّر عن طاقاته وينطلق سيبقى الإنسان سجيناً.

اللحظة الأولى في الفيلم هي لحظة الراديو الصباحي، صوت تقليب الموجات من محطة إلى محطة، صوت الواعظ الديني، ثم صوت فيروز، ونشرات الأخبار عن فلسطين، ثم صوت أغنية مارسيل خليفة، هي بدايةُ يومٍ جديدٍ آخر في حياة رتيبة يبدأ الإنسان فيها بالكدح منذ الصباح، كما تلمح هذه الافتتاحية إلى الخطاب السلطوي المتغني بفلسطين والذين يهين مواطنيه، وربما أيضاً تلمّح إلى عجز الخطاب البديل المشابه له في المفردات. أما صوت الواعظ الديني، فيبدو كنايةً عن تعاضد السلطة الدينية مع المستبد، وكل سلطات القهر الاجتماعي. طيلة الفيلم تتحرك الكاميرا بعناية فائقة لا تتسامح مع المجانية والاستعراض، ثمّة لقطات كثيرة زوم على الوجه، ولقطات أخرى متوسطة للوجه تلتقط بحيث يظهر كتف المتحدث وظهر المستمع (وهما في الفيلم سالم وندى).

غالباً ما وفّقت هذه اللقطات في نقل المشاعر المختلفة في صعودها وهبوطها، وفي الوقت نفسه وضعت المشاهد في جوّ الحوار 1456330235بين العاشقين الذي يكاد يستغرق الفلم بأكمله. الحوار الذي حمل شيئاً من النفس المسرحي جاء متقناً مركزاً تحرّك بين الجدية والاستكشاف، والمزاح الخفيف، وشيء من التراجيديا. نكاد لا نعثر على جملة مجانيّة أو محشورة حشراً، ويسود الصمت دوماً حين تشتغل الكاميرا على رمز بصري ما. المشهد الوحيد الذي كان به شيء من الافتعال في الأداء هو مشهد خطيبة صاحب المنزل عادل التي تأتي للبحث عن حذائها، تتّسم اللقطة بشيء من التضخيم الكاريكاتيري وافتعال في اللهجة الحلبيّة، لكن مع ذلك تبدو هي وخطيبها بمثابة خيارين وجوديين آخرين للإنسان المقهور (اللامبالاة والمزاح الدائم والسخرية). اللقطة الرمزية الأكثر شفافيّة وعفويّة هي لقطة العاشقين الذين يستلقيان تحت السرير المتهالك القديم، ويبدوان من تحت السياج الشبكي وهما يتعانقان ويحاولان ممارسة الحب، لكن الخوف يتملكهما مرة أخرى، لقطة خالدة من أجمل ما قدمه نبيل المالح في مجمل أعماله.

حاز الفيلم على جوائز عديدة وكان أوّل فيلمٍ سوريّ يعرض في بعض صالات السينما في الولايات المتحدة، ومن الجوائز التي حصدها، جائزة أفضل إخراج في مهرجان القاهرة السينمائي وجائزة أفضل تمثيل في مهرجان السينما العربية في باريس.

في رحيل نبيل المالح، اخترت الحديث عن هذا الفلم بالذات لأنه الأميز ومال يزال موضوعه حيّاً في ظل التحوّلات التي يشهدها العالم العربي، وما يمرّ به الإنسان من انكسارات متتالية، وهو ما يعبر المالح عنه بقوله : “أكثر ما يؤلمني أن كل إنسان يعيش في حالة حلم، يحلم بيوم آخر، بحياة أخرى، بعلاقات إنسانية مختلفة عما هو سائد حالياً، وما ليولد تالياً من هذا التمزق، هو تراكم الإحباطات والمعوقات لنتحوّل من حالمين إلى مكسورين علماً أن المفترض حدوثه هو العكس”. ظلّ المالح طائراً حراً يحلّق من مكانٍ لآخر يبحث عن لغته السينمائية الخاصة المتفرّدة، ولم ينسَ لحظةً الوجوه والأمكنة التي عرفها وترعرع فيها، كل الوجوه في أفلامه مألوفة قريبة ليوميّاتنا، والأمكنة وإن أعاد خلقها تبقى أمكنتنا، نراها كلها بكاميرته وبزاويته المفضلة، نعثر على أنفسنا مكسورين وحالمين في آن معاً، حالمين بيوم نكسر فيه دائرة “الكومبارس” ونقبض على حياتنا وأجسادنا ومصائرنا.

عمار عكاش


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.