مفهوم السعر ومحدداته في ضوء حروب الأسعار والاحتكار والاغراق

يعرف السعر كمفهوم اقتصادي بأنه التعبير النقدي لقيمة السلعة في وقت ومكان معين، وبحسبانه كذلك فهو يوثر على المركز fighting-over-moneyالتنافسي للمنتج ونصيبه من السوق، ومن ثم على الأرباح التي يمكن تحقيقها. ويفترض أنه، وفي جو من المنافسة الحرة، يتم تحديد السعر بناء على العلاقة بين العرض والطلب، مع الأخذ في الاعتبار عوامل موازية كطبيعة السلعة، ظروف الطلب والمنافسة، والأهداف المرجو تحقيقها من المشروع، فالتسعير المغال فيه ينجم عنه انخفاض حجم المبيعات، ما قد يمنع بتغطية النفقات غير المباشرة. وإذا كان التسعير منخفضاً فقد لا يتمكن المنتج من استعادة النفقات المباشرة.

هناك عدة مفاهيم اقتصادية خارجة عن نطاق التحديد الطبيعي والتلقائي للسعر، كما تفرضه مقتضيات العرض والطلب، بعضها يرتبط بدوافع ونتائج اقتصادية وبعضها الآخر بظروف جيوسياسية آو حتى اجتماعية، يستخدم فيها التسعير كمجرد أداة، بعض هذه المفاهيم أصبحت معروفة ومتداولة على نطاق واسع، ويمكن أن نقف على البعض من هذه المفاهيم.

حرب الأسعار: هو تعبير يستخدم في القطاع الاقتصادي للإشارة إلى حالة من التنافسية المصحوبة بسلسلة من خفض الأسعار تفرضها أطراف متعددة، حيث يقوم أحد المنافسين بخفض سعر منتج ما، ليحذوا المنافسون الآخرون حذوه ويخفضوا أسعارهم بالحد نفسه، وقد تستمر هذه التخفيضات على شكل متوالية حتى تحقق أطراف الحرب أهدافها أو يتم التواصل إلى تفاهمات مشتركة تعيد الأمور لنصابها.

على المدى القصير، يعد المستهلك هو الرابح الوحيد نظراً لانخفاض الأسعار، أما المنتجين فتقل هوامش الربح لديهم، ومن الممكن أن تشكل تهديدًا على بقائهم واستمرارهم، بيد أنه على المدى المتوسط والطويل قد تؤدي حروب الأسعار إلى خلق حالة من الاحتكار والهيمنة، فالشركات الأصغر حجمًا لا تتمكن من المنافسة وقد تضطر للإغلاق. وبهذا تستوعب الشركات الكبرى والأقوى المتبقية الحصة السوقية للشركات المنسحبة والمفلسة. ومع تراجع عدد الشركات المتنافسة، تميل الأسعار إلى الارتفاع، وفي بعض الأحيان قد ترتفع الأسعار لمستويات أعلى مما كانت عليه عندما بدأت الحرب وبالتالي خسارة للمستهلك أيضا.

ويعد الانخفاض الحاصل حالياً في أسعار النفط ترجمة حقيقية لحرب الأسعار بين الدول المنتجة، حيث شهدت أسعار النفط src.adapt.960.high.Iraq_1988_82613.1377600926810انخفاضاً متسارعاً، بعدما سجل سعر برميل النفط حوالي 27 دولارا في يناير 2016 الحالي، أي بتراجع مقداره 75 بالمئة بالقياس لأسعار العام 2014. واذا كان هذا التراجع مرده جزئياً تدهور الوضع الاقتصاد العالمي بشكل عام، وكذلك بوجود وفرة في العرض تتجاوز ثلاثة ملايين برميل في غياب توافق بين المنتجين من دول الأوبك وغيرها حول آليات لخفض الإنتاج ورفض الدول فرادى تخفيض حصتها السوقية، ولاسيما بعد رفع العقوبات عن إيران واستمرار ضخ النفط الصخري في الولايات المتحدة.

بيد أن حرب أسعار النفط بوجه خاص لا ترتبط بمجرد عوامل اقتصادية وإنما لدواع جيوسياسية تقع في صميم أجندة الدول الخليجية وخاصة السعودية في مواجهة إيران وروسيا. ولاسيما أن تاريخ تقلبات أسعار النفط يشير إلى أن النفط طالما استخدم وفق التطورات الجيوسياسية. ففي عام 1973 ارتفع سعر النفط أربع مرات ليصل إلى 16 دولارا للبرميل وهو ما أطلق عليه الصدمة النفطية الأولى، ومن ثم الصدمة الثانية مع الثورة الإيرانية سنة 1979 ووصل السعر إلى حوالي 40 دولارا. بعدها قامت الحرب العراقية الإيرانية وهبط السعر إلى 7 دولارات في 1986.

وعلى الرغم من تخمة المعروض النفطي فان الصادرات الإيرانية في ازدياد، في محاولة منها لاستعادة حصتها السوقية عقب رفع العقوبات عنها، وبزيادة متوقعة تصل إلى 500 ألف برميل يومياً، أما السعودية فأنها أعلنت استمرارها بإنتاج 10 ملايين برميل يومياً، وهي حرب ما تزال محمومة مع استعداد الطرفين لتقديم خصومات في الأسعار.

الإغراق: حسب اتفاقية الجات لعام 1994 فان الإغراق هو ادخال منتج في تجارة بلد بأقل من قيمته العادية، إذا كان سعر تصدير المنتج المصدر من بلد إلى بلد آخر أقل من السعر المماثل. وأثر الإغراق قد يقتصر على الدولة المستوردة أو على الدولة المستوردة والمصدرة. ففي جانب الدولة المصدرة، يزيد الإغراق من حجم الصادرات وبالتالي زيادة مستوى الدخل الموزع، ولا يشكل الإغراق ضرراً للمستهلك طالما أن السعر لم يرتفع، أما في جانب الدولة المستوردة، يلحق الإغراق ضرراً بالمنافسة الحرة بين المنتجين الأجانب المصدرين للسلع المشابهة للسلعة المغرقة في أسواقها، بمعنى أن الإغراق يسمح للدولة المصدرة بأن تبيع صادراتها بسعر أقل من السعر العادي أو السعر الذي تبيع به منتجاتها في أسواقها الداخلية، مهددة بذلك منافسيها ومفسحة المجال لسيطرتها المطلقة على السوق، الأمر الذي يقضي على القواعد الأساسية للمنافسة.

وللإغراق اشكال متعددة فقد يكون الإغراق طارئا وهو ينجم عن ظروف استثنائية مثل الرغبة في التخلص من فائض سلعة النفط-الخام-icn-10-9-2015معينة في آخر الموسم على أن يتعادل السعر ثانية بعد التخلص من المخزون وهو في هذه الصورة يشبه تصفية المبيعات التي تجريها المحلات التجارية. وقد يكون الإغراق مؤقتاً يهدف إلى غرض معين وينتهي بتحقيقه كخفض لأسعار البيع بقصد فتح سوق أجنبية وتثبيت أقدام المغرق فيها أو بقصد القضاء على منافس وطرده من السوق. ويتميز الإغراق قصير الأجل بأنه قد يحمل المغرق خسائر كبيرة ولكنه يقبل تحملها حتى يتحقق غرضه. وأخيرا هناك الإغــراق الدائم وهو يرتبط بسياسة دائمة تستند إلى وجود احتكار في السوق الوطنية وحماية ضد المنافسة الأجنبية، فالحواجز أو القيود الجمركية تولد الاحتكار والاحتكار يولد الإغراق .والإغراق الدائم في جانب بعض السلع ولا سيما المواد الأولية لا ضرر منه، فهو يعني أسعار منخفضة للسلع تفيد المستهلك الوطني، بل وقد تفيد المنتجين الوطنيين أيضاً إذ ما شجعت الواردات الرخيصة على قيام صناعات تحتاج إلى مثل هذه الواردات. وإلا فان المنتجين الوطنيين يبادرون للطلب من السلطات العامة بحماية منتجاتهم من مثل هذا الخطر الأجنبي لمصلحة المستهلك الوطني بدلاً من التحول إلى صناعة أخرى تاركاً السوق للمغرق .

الاحتكار: يقصد بالاحتكار في المصطلح الاقتصادي، انفراد مشروع واحد بعرض سلعة ليس لها بديل، وشرط وجود الاحتكار اختفاء المنافسة وغياب السلعة البديلة. وهو ما يعني أن منتج بعينه يضمن هيمنته ويفرض منتجه مهما كانت درجة جودته وبالسعر الذي يريده نظرا لعدم قدرة المنافسين على مواجهته. والاحتكار قد يكون في جانب العرض أي سيطرة من قبل شركة أو شخص أو مجموعة على انتاج سلعة ومن ثم التحكم في حركة سعرها في مواجهة المشترين، والعكس تماماً فيما يخص احتكار البيع أو الطلب حيث ينفرد مشتري واحد فقط في مواجهة البائعين في طلب السلعة. وهو ما يؤدي إلى ضعف المنافسة وانعدام وجود الحافز للاهتمام بجودة المنتج المقدم أو الخدمة، ومن ثم ضعف أداء القطاع الذي يعمل به المحتكر وإمكانية حصوله على استثمارات جديدة تساهم في دعم الاقتصاد.

أحمد إلياس

 

أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.