التسليح في السويداء، سلبياته وايجابياته

التسليح في السويداء، سلبياته وايجابياته

على المستويين المحلي والوطني

فاضل المنعم

يدرك كل ذي عقل – وهذا ما أثبتته التجربة والأحداث على مدى أكثر من أربعين سنة – أن النظام السوري بنى سلطته، منذ عام 1970 على عاملين أساسيين، الأول: هو القمع والإرهاب والخطف والسجن والتشريد والتصفية الجسدية بالاغتيال، أو بالتعذيب حتى الموت، والشواهد والأدلة على ذلك كثيرة لا مجال لذكرها الآن، والثاني: هو الترغيب بالمشاركة بالجريمة عن طريق شراء الذمم بالتوظيف، أو بالرشوة وربط ضعاف النفوس به عن طريق المصلحة بدءاً من التوزير وانتهاءاً بأصغر الوظائف، مستغلاً حاجة الناس للقمة العيش.

المدرج الروماني/ عدسة شباب وصبايا السويداء

المدرج الروماني/ عدسة شباب وصبايا السويداء

وقد استشرت هذه الأساليب وتفاقمت منذ اندلاع الثورة، فعمد إلى إثارة الفتنة الطائفية التي أسس لها منذ بداية هيمنته على الوطن، محاولاً إشعال الحرب الطائفية بين الطوائف المتآخية تاريخياً، والتي وحّدها الشعور الوطني ومبدأ الأخوة الوطنية المتمحورَيْن حول المشروع الوطني منذ ثورة 1925 والمتمثل بمقولة: الدين لله والوطن للجميع، فعمد هذا النظام إلى إثارة حرب بين محافظتي السويداء ودرعا، من خلال عمليات خطف واحتجاز رهائن، أو عمليات قتل وإلصاقها بالجماعات المسلحة، في درعا والخطف المضاد الذي قام به زعرانه من محافظة السويداء تحت غطاء المساومة على تحرير الرهائن المخطوفين، وغاب عن أذهان الكثير أن عملية ضبط الأمن ليست عمليات عشوائية، ثأرية تقوم على الفعل والفعل المضاد، وإنما هي مسؤولية السلطة الحاكمة، وأجهزتها الأمنية والقضائية.
ولما كانت محافظة السويداء في طليعة المحافظات التي أعلنت الثورة على النظام، بأساليب حضارية تمثلت بالاعتصامات المنددة بالاضطهاد، واستخدام السلاح المفرط ضد المدنيين العزل في درعا وغيرها من المدن السورية، حيث بدأت السويداء باعتصامات المحامين، والمهندسين والمظاهرات السلمية الحضارية التي كان شعارها ولا يزال واحد واحد الشعب السوري واحد، والتي تحولت للمطالبة بإسقاط النظام بكل مرتكزاته الأمنية بعد القصف العشوائي للمدن السورية بأعتى أسلحة الدمار الشامل والمحرم دولياً، فقد اعتمد النظام تجنيد أعوانه ومحازبيه وبعض أصحاب النفوس الضعيفة من المنتفعين، بالإضافة للمجرمين وأصحاب السوابق الجنائية، الذين أخلي سبيلهم، لغرض إذلال الناس وقمع المظاهرات، والاعتداء على الحريات، بعد تسليحهم بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، تحت مسميات عديدة كاللجان الشعبية، أو بالتعاون واستغلال المسخ وئام وهاب بتشكيل ما يسمى بجيش التوحيد، وانتهاءاً بتشكيل ما يسمى زوراً وبهتاناً بجيش الدفاع الوطني، وأطلق أيديهم على مستوى المحافظة، بالاعتداء على الحريات العامة وترهيب المواطنين، وإشاعة الذعر بين الناس، متباهين بالسلاح الذي يحملونه، مستقوين به على أبناء جلدتهم، ما أشاع جو الجريمة والقتل وفقدان الأمن، وما حادثة اختطاف الشاب ناصر جمول على طريق قنوات وعلى مقربة من إحدى دوائر المخابرات إلا مثالاً على ذلك، وتقع الأحداث المؤسفة التي حصلت في القريا ورساس والكفر وصلخد والسويداء وعرى وأم الزيتون, تلك الأعمال التي يندى لها الجبين، لتشكل كابوساً ثقيلاً على صدر وكاهل أهل المحافظة الكرماء، وشعورهم الدائم بعدم الاستقرار والخوف وتبقى حادثة كفر اللحف حيث قام الشبيح نزيه أبو فخر بقتل ابن عمه وجيه بالسلاح الموزع للتشبيح، وعملية اغتيال الشهيدين الغاليين من آل شقير، وحادث طريق السد في قنوات والذي ذهب ضحيته ابن الثلاثة عشر ربيعاً، أنس هادي غلاب قبل أيام قليلة، لتكون من أهم منجزات هذا السلاح التشبيحي المجرم.
أما أثر هذا السلاح في محافظة السويداء وعلى الصعيد الوطني، والذي أريد له وبتوجيه من النظام بل عمل به ليكون معولاً هداماً لصرح بناء الأخوة والعيش المشترك مع أخوتنا الرائعين من أبناء سهل حوران، حيث وجهه نظام الغدر لإثارة الفتنة، وتهديم علاقات المحبة وأواصر الأخوة معهم، فكانت حوادث الخطف التي رعاها النظام وأجهزة مخابراته، باستخدام هذا السلاح الغادر وخطف أعداد من أبناء درعا المسالمين، بحجة مقايضتهم بالمخطوفين من أبناء السويداء، والذين لا يمكن أن تكون عملية خطفهم إلا بإشرافه وتوجيهه، وباستخدام السلاح القذر الذي وزعه بشكل سري على شبيحته ومخبريه من المهربين وتجار المخدرات، وأصحاب السوابق الجرمية من زعران محافظة درعا تحت مسميات جبهة النصرة والعصابات المسلحة، ضمن مخططه لإشعال الحرب الطائفية، بين المكون الدرزي والمكون السني المجاور له، ليخفف الضغط عنه وليظهر أنه حامي الأقليات وأن الثورة السورية ليست ثورة الشعب السوري وإنما هي ثورة طائفية، لذلك وليعلم الجميع أن السلاح وبتوظيفه غير الصحيح هذا، يشكل تهديداً وجودياً، لأبناء المحافظة على المدى القريب والبعيد، بدلاً من توجيهه لخدمة الوطن والدفاع عنه وعن وحدته وتلاحم أبنائه والحفاظ على ترابه.
لكن لا بدّ هنا من الإشارة إلى الموقف الواعي الذي لا يمكن إلا أن يوصف بالموقف الوطني النبيل، لكثير من الشباب المسلحين الذين أبوا أن يكونوا أداة طيعة لهذا النظام المجرم، ورفضوا أوامره بالتوجه لمقاتلة أخوتهم في حوران الأبي، أو أي موقع خارج حدود المحافظة، وأعلنوا أنهم لا يمكن أن يشاركوا في إراقة الدم السوري، وأن الدم السوري حرام عليهم وعلى كل سوري، فقد أثبتوا أنهم فعلاً أبناء هذه المحافظة المجيدة، التي كانت على مر الزمن معقل الوطنية، وحاضنة النضال الوطني، فطوبى لأولئك الشباب، على هذا الموقف الذي نعتز به ونشجعه، ونطالب بمزيد من المواقف المماثلة، أما القتلة الذين ارتضوا لأنفسهم العبودية، فإن التاريخ هو من سيحاسبها على رعونتها، وقبولها أن تكون مطية الظالمين، ومساهمتها في تشويه تاريخ محافظتنا العظيمة، وأنها بعملها هذا تخلق العداوات لأهل المحافظة مع الأخوة في المحافظات السورية العزيزة الأخرى.
ولا يسعني إلا أن أوجه تحية إكبار وإعزاز للهيئة الدينية، من مشايخ العقل وغيرهم من أهل العمامات النقية الناصعة، والشيوخ الأجلاء، الذين لم ينصاعوا لطلب النظام وأجهزته الأمنية، بإصدار فتاوى ضرورة الدفاع عن النظام، وإنما أكدوا بوعي ومسؤولية تحريم اقتتال الأخوة على كل التراب السوري، حتى أنهم حرموا الصلاة على من يسقط خارج حدود المحافظة، أو المشاركة بتشييع جثمانه، فربطوا بهذا الموقف الرائع والوطني بامتياز، حاضر المحافظة بماضيها المجيد
مؤكدين أن مذهب التوحيد، هو دين متأملين قانتين يقدم للمجتمع المعنى الحقيقي للحياة وللمصير الإنساني، ويقوم على صدق اللسان وحفظ الأخوان.
ختاماً ظاهرة التسليح هذه التي يقوم بها النظام، والتي أرادها أن تكون أدوات جريمة بيده، تتحول إلى أداة خير ووطنية، عندما تتمرد عليه، وليكن بعلم الجميع أن السلاح بحد ذاته ليس مجرماً، وإنما المجرم هي اليد التي تستخدمه، فعندما يكون السلاح أداة للدفاع عن الأرض والعرض والكرامة والحرية، وعندما يكون استخدامه من أجل التحرر وبناء الديموقراطية يصبح سلاحاً شريفاً، شرط ألا يستخدم بهدف القتل والاعتداء والخطف وقد يكون التسلح ضرورياً ونافعاً (أقول التسلح وليس التسليح)، حين تقتضي الضرورة وفي حالة انعدام سلطة الدولة وغياب الأمن وانتشار الجريمة والعدوان، لحماية الأرض والعرض وصيانة الكرامة، وبناء على كل هذا علينا أن نؤسس لعلاقات حميمة وأخوية، مع كل أخوتنا في الوطن دون تفريق، وخاصة أهلنا وأحبتنا في حوران السهل، وأن نظل كما كنا سابقاً بل أفضل وأشد تلاحماً ومودة .

 

  • الف شكر للاخ الكاتب لهذا التحليل الذي يدل على عقل راجح ومنطق وبلاغة,,, وبوجود مثل هذا الفكر في محافظة السويداء سيدوم ان شاءالله عز هذه المحافظة كما سيدوم عز هذا الوطن وستأكد هذه المحافظة هويتها الوطنية والتي حاول النظام جرها ولم ولن يستيطع

أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.