ولاية الفقيه أيديولوجيا النخبة الحاكمة في إيران

بعد سيطرة آية الله الخميني على الثورة الإيرانية 1979وتنفيذه إعدامات وعمليات إقصاء لقيادات الثورة المدنية من ذوي التوجهات الديمقراطية واليسارية والدينية المخالفة أعلن عن تبني قيادة الثورة الإسلامية الإيرانية لولاية الفقيه، متبعاً أساليب وتوجهات إسماعيل الأول مؤسس الدولة الصفوية قبل أكثر من خمسمئة عام، فكما وضع إسماعيل الأول الفرس السنة أمام خيار التشيّع أو الموت، وعمل لكي تكون إيران الصفوية في مواجهة الدولة العثمانية السنية الواقعة على حدوده الغربية، ضمانة لإخلاصهم وولائهم للدولة وليكونوا جنودها في بسط سلطتها وهيمنتها على أراضيها دون منازع، وضع الخميني الخيار ذاته في ظروف أخرى مواتية فأسس مجلس تشخيص مصلحة النظام من فقهاء ورجال دين للإشراف على المؤسسات، ومارس كل أنواع الإكراه والإجبار وسعّر الخلافات المذهبية باتباع العديد من الإجراءات العدوانية المباشرة تجاه الأقليات السنية والدينية الأخرى، وراح يستنفر الحشود المذهبية التابعة له لرفع راية الجهاد الدينية والسياسية، على مبدأ الشيعة الاثني عشرية وحافظ على، أن يظلّ أتباعه مستنفرين وجاهزين للانقضاض على كل مخالف، وبدلاً من دعوة إسماعيل الأول 1501 جميع الشيعة خارج إيران إلى العيش فيها، دعا الخميني جميع الشيعة للالتفاف حول الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حماية لأنفسهم ولدفع الظلم عنهم وللانتصار لآل البيت بإعادة الحق المغتصب عبر الاقتصاص من سلالة من حرموهم من حقهم في الخلافة، ومناصبة العداء للأكثرية السنية باعتبارهم – حسب اعتقادهم – يتحملون وزر استباحة دم أوليائهم واحداً بعد آخر، وقد ظهر ذلك في استمرار شعائر الشيعة ومفاهيمها في تقديس الأئمة من آل البيت واعتبارهم خالدين بأرواحهم، التي يمكنها أن تحلّ بجسد إمام حاضر، ينوب عن الإمام الغائب عبر إقرار ما سمي بولاية الفقيه التي عرفت منذ الغيبة الكبرى للإمام الثاني عشر عند الشيعة الاثني عشرية، وباعتبارها ولاية وحاكمية الفقيه الجامع لشروط التقوى والمرجعية الدينية المعبر عنه بالمجتهد في الأحكام الشرعية لإقامة شرع الله على الأرض، وقد حصرت الشيعة الاثني عشرية هذه الولاية وحقّ الحاكمية في ثلاثة: الله ورسوله والأئمة الاثني عشر من أهل البيت، ومن هنا كان تفويض الولي الحاضر بصلاحيات استثنائية، يمنحها له الموقع المقدس الذي يحتله، ولكنّ الخميني بعد انتصاره على معارضيه لم يكتف بذلك، بل أدخل تعديلات، منحت لولي الفقيه الرئاستين( الدينية والزمنية ) ملغياً بذلك ثنائية ( الشاه والفقيه) ومرجعية ( قم والنجف) وأجاز للوالي، أن يغير في نصوص الشريعة أو حتى ينسفها ويضع شرعاً بديلاً عنها، يشمّل الولاية على الفرد والمجتمع والدولة على حدّ سواء، وبذلك بات الخطر الاستراتيجي الداهم الذي يقلق إيران الحالية، هو أن يظهر مجتهد شيعي آخر يعتبر ” ولاية الفقيه ” بدعة فيقوّض أسس الدولة الأتوقراطية الحاكمة، ولاسيما مع وجود مرجعيات شيعية هامة، رفضت وترفض هذه الإجراءات والاجتهادات، وتميل إلى التفريق بين الولاية على شؤون الدين وبين السياسة والدولة المدنية.

أبرمت هذه التعديلات على ولاية الفقيه عقداً (أيديولوجياً لنظام حكم أتوقراطي ) لا يقف عند إلغاء الحيادية السياسية للفقيه 14647352_1272728959435461_489014953_oالأول، بل تصل إلى تشميل السياسة لمهام رجل الدين ومصادرة قرارها المستقل، والدفع به ليشرّع أيضاً مبدأ تصدير الثورة باعتبارها مهمة جهادية مقدسة ومهمة لمخيال سياسي، يسعى إلى تمدد إمبراطوري، ليحقق المبدأين الديني والسياسي معاً، وبذا يغدو التوسع لإخضاع الجوار واجباً دينياً وسياسياً مقدساً، يبيح عمليات التغيير الديمغرافي عبر توجيه السياسات في الدول والتنظيمات التابعة كما في العراق وسوريا وحزب الله والحوثيين في اليمن وغيرها، بما يخدم المخطط التوسعي عبر الاعتداء المباشر والقتل والتهجير لكل مخالف، بهدف إخلاء المحيط السني وبسط التمدد الشيعي على حسابه، وهذا يعني قمة التعدي على الحريات الدينية والسياسية وحقوق الإنسان وكرامته الشخصية، وهو يشكل أخطر وأعمّ قوانين الاستباحة، تحت غطاء أيديولوجي ديني/سياسي يستغل الأكثرية العددية الشعبوية التابعة له، لإجراءات منافية كلياً لقيم الحرية والحداثة وعبر إثارة الغرائز المذهبية في الوعي الديني البدائي المحتشد خلف ولي الفقيه، مترقباً عودة المهدي القادم من خرسان تحفّ به الرايات السود وهتافات الأتباع، ليقضي على أعور الدجال وينتقم أشدّ انتقام من المخالفين والعصاة الذين اغتصبوا الخلافة من أهلها وأنكروا حق آل البيت في الولاية، على هذه القاعدة المزدوجة، بدأت الطموحات الإمبراطورية الشيعية الفارسية في احتراقاتها لمحيطها العربي والإسلامي.

إنّ خطورة هذه الأيديولوجية الشعبوية، يكمن في اعتبارها هذا الاعتداء الوقح والصريح جهاداً لابدّ منه، ليخلّص الشيعي من ذنوبه ومن كابوس الندم الشديد لتخليه عن نصرة أوليائه مما أضفى على احتفالاتهم بذكرى كربلاء الطابع السوداوي العنيف المعبر عن نفوس مأزومة محتقنة بالثأر من النفس ومن التاريخ ومن أتباع المذاهب الأخرى، وارتفاع مفهوم التطّهر عبر الألم والانتقام المازوشي من الجسد بعمليات جلد الذات والتاريخ معاً، انتقاماً وقصاصاً على تقصير وجبن سابقين، وعهداً على التخلّص من هذا التقصير برفع راية آل البيت والجهاد والفتح تحقيقاً لطموحاتهم المقدسة.

لقد وفرت هذه الأيديولوجيا لولاية الفقيه وللسلطات الإيرانية إمكانية الاختراق في الجوار العربي، بدءاً من العراق الذي كان مجالاً حيوياً تابعاً للدولة الساسانية الفارسية وبات مجالاً لنفوذها بعد الغزو الأمريكي 2003 لإكمال الجسر الشيعي عبر العراق وسوريا وصولاً إلى لبنان، حيث نجحت بزراعة كيان عسكري طائفي ( حزب الله ) بتواطئ مع نظام حافظ الأسد، ليستقوى على الدولة اللبنانية المنهكة بصراعاتها الداخلية والإقليمية، ويغدو فصيلاً جهادياً يقاتل تحت راية ولاية الفقيه، ويقتل باسمها في سوريا وفي العراق وفي اليمن صعودا باتجاه دول الخليج وكل المنطقة.

لقد تعدّى خطر نشر التشيّع مشاريع التوسع والهيمنة وتغيير المعتقدات الدينية والتابعية، إلى عملية فكفكة وتخريب اللحمة الوطنية في الأوطان بحيث يغدو الولاء للمرجعية الدينية أقوى وأمتن من الولاء للوطن، وما أمثلة حزب الله اللبناني والحشد الشعي العراقي والفصائل الجهادية الشيعية الأخرى إلا أدلة واقعية، تؤكدها مجمل السياسات الإيرانية وكل تصريحات القيادات الشيعية السياسية والعسكرية، وهي كلها تنذر بتخريب البنية الديمغرافية للدول العربية والإقليمية، مما يضع العرب والمنطقة برمتها على حافة اخطار كاسحة، لابدّ من التصدي لها لدحرها، لكي يبقى للعرب كيانات وطنية عسى أن تقوم بدور حضاري يعتمد التعدد الديني  والتنوع الثقافي والإثني بما يكرس التوازن الداخلي والاستقرار والتقدم.

جبر الشوفي

أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.