مؤسسات الإعلام البديل تنتصر بالصورة والكلمة على الرصاص

كتب المفكر الفرنسي (جون بودريارد) ثلاث مقالاتٍ عن حرب الخليج الثانية، نشرتها مجلة ليبراسيون الفرنسية بين عامي 1990 و1991، وفي وقت لاحق جمعت المقالات الثلاث في كتاب حمل عنوان ثالثها: (حرب الخليج لم تقع)، ويوضح (بودريارد) استنتاجه أن ما نقلته وسائل الإعلام الأمريكية لا يعدو كونه كماً هائلاً من صور مزيفة، تضخ بكميات كبيرة ومتسارعة بحيث لا يتاح للمتابعين فرصة للتأمل أو التحليل.

ولأن الحروب في عالمنا اليوم تخاض عبر وسائل الإعلام قبل السلاح، لجأ النظام السوري إلى حصار الثورة السلمية التي انطلقت في كل أنحاء البلاد ضد حكمه، فمنع الصحافة الأجنبية من دخول البلاد، وجنّد وسائل إعلامه لضخ ذلك الكم من الصور والمعلومات، بنفس الزخم والتسارع الذي لا يتيح للمتابع فرصة التأمل، وتوجه في خطابه للجمهور الخارجي، سواء السوريين المغتربين أو الرأي العام العالمي، بغض النظر عن الرأي العام داخل البلاد، حيث يعايش الناس الوقائع ولا يلجؤون للإعلام الرسمي للاطلاع عليها، إلاّ في المناطق القليلة التي ظلت هادئة ولم تشهد حراكاً حقيقياً أو قمعاً.

وتصدى معارضو النظام ومجموعات الحراك السلمي لآلة النظام الإعلامية، إذ أنّ الحرب الإعلامية هي الميدان الأول في حسم الصراع لصالحهم، من خلال الصورة بشكل خاص، فحملوا كاميراتهم وهواتفهم الخلوية ووثقوا بالصورة انتهاكات النظام.

شيئاً فشيئاً انتقل العمل الإعلامي العشوائي إلى التنظيم، من خلال المؤسسات الإعلامية التي تشكلت لدعم الإعلام الحر وإنتاج مواد إعلامية مهنية تتوخى الدقة والموضوعية، وتساهم في بناء مصداقية تستند إليها هذه المؤسسات في تسويق موادها ونقل حقيقة ما يجري في سوريا إلى العالم، مثل مؤسسة (بصمة سوريا) و(SMART/ فريق العمل الإعلامي الثوري السوري)، وشبكة شام الإخبارية، إضافة إلى تجارب شبابية احترافية عديدة كمؤسستي الشارع وكياني للإعلام.

مؤسسة ASML لدعم حرية الإعلام

مؤسسة ASML لدعم حرية الإعلام

تجارب ناجحة لمؤسسات الإعلام البديل:

منذ مطلع 2012 بدأت محطات إذاعية وتلفزيونية سورية جديدة عملها، اعتمدت في كوادرها الأساسية على صحفيين محترفين أو أخصائيين تقنيين، واستكملت الباقي من الناشطين الإعلاميين والمواطنين المراسلين الذين دخلوا مجال العمل الإعلامي نتيجة ظروف الثورة.

تدعم /SMART/ مشاريع إعلامية متنوعة بين مرئي ومسموع ومطبوع، وتحدد أهدافها في تمكين الإعلام الجديد من خلال المعدات والتدريب والدعم، وبناء الديمقراطية من خلال الإعلام المهني الاحترافي.

يقول مدير فريق الإشراف في /SMART/: “نعمل على تحقيق أهدافنا من خلال دعم أربع محطات إذاعية وثمان صحف، وإنتاج تقارير تلفزيونية وتسويقها، وتدريب المواطنين الصحفيين وتزويدهم بالمعدات اللازمة من كاميرات وأجهزة إنترنت فضائي وهواتف ذكية وبرامج VPN، كما بدأنا الإعداد لمشروع وكالة أنباء سورية تغطي الأحداث في كل المدن والقرى السورية، إضافة إلى مشروع (هوا سمارت)، الذي يقوم على تأمين بث FM لثلاث محطات إذاعية هي: راديو الكل، العاصمة أون لاين وهنا الشام، لمدة ساعتين لكل منها منذ الشهر الأول من 2013، ويغطي بثه أكثر من 60 % من الكتلة البشرية في سوريا (حلب، ريف حلب ، ريف إدلب، ريف اللاذقية، حماه، حمص وريفها الشمالي، الرقة، دمشق)، وزاد البث إلى قرابة تسع ساعات بدءاً من شهر رمضان”.

من حملة الحرب قدرنا وصحتك قرارك/ بصمة سوريا

من حملة الحرب قدرنا وصحتك قرارك/ بصمة سوريا

تلعب مؤسسة (بصمة سوريا) أيضاً دوراً هاماً في قطاع الإعلام البديل في سوريا، وتتنوع نشاطاتها بين دعم المشاريع الإعلامية وإنتاج التقارير التلفزيونية والحملات الإعلامية التوعوية وغيرها، وتقول (ميديا داغستاني/ مديرة العلاقات العامة والمتحدثة باسم فريق بصمة): “تدعم بصمة اليوم ثمان مجلات وجرائد، وأربع محطات راديو هي راديو نسائم سوريا، ألوان، وطن، وولات باللغة الكردية، تبث على موجات الFM، ويصل بثها المناطق المحررة شمال سوريا، نسعى لتطوير مشاريعنا، وليس هناك حدود لطموحنا إلاّ الإمكانيات والعائق المادي، نحاول قدر المستطاع التحول إلى مؤسسة تمول نفسها بنفسها من خلال عملها الإعلامي، فاليوم تدعمنا الجهات التي تدعم الحراك الثوري والتوجهات الديمقراطية في سوريا، لكن هذا لن يستمر إلى الأبد، سيتوقف الدعم يوماً ما سواء لنا أو لغيرنا، لذا يتوجب علينا أن نعمل بطريقة مؤسساتية لنحقق لأنفسنا عائدات مالية تساعدنا على الاستمرار، ويمكننا أن نستفيد من تجارب كثيرة في العالم بدأت كمشاريع صغيرة ووصلت اليوم إلى مستوى المؤسسات الإعلامية الناجحة”.

تمثل مؤسسة (الشارع) للإعلام تجربة مختلفة قليلاً عن سابقتيها، إذ بدأت العمل قبل الثورة داخل سوريا، وتوسع عملها وضمت مزيداً من الصحفيين والناشطين الإعلاميين بعد الثورة، ويتحدث (عامر مطر) مؤسس (الشارع) عن التجرية فيقول: “الشارع مؤسسة إعلامية غير ربحية، تخصص جزءاً من عائداتها لمشاريع تسعى لخدمة المتضررين من الأحداث الأخيرة في سوريا، واليوم تعمل على مجموعة من المشاريع الإعلامية، والنشاطات المدنية داخل وخارج سوريا، للدفاع عن الحريات
الإعلامية بأدوات العمل الإعلامي المختلفة”، ويتابع: “انطلق مشروع مؤسسة الشارع في شباط 2010، بحملة إعلامية لدعم نازحي الجزيرة السورية، إثر جفاف أراضيهم الزراعية، وتضمنت الحملة نشاطات إعلامية ومدنّية متنوعة منها المعارض الفوتوغرافية، وتنظيم زيارات دورية للصحفيين إلى مخيمات النازحين، وبعد عام من العمل الميداني في المخيمات، بدأت في شهر آذار 2011 الانتفاضة الشعبية، ودخلت مؤسسة الشارع مرحلة جديدة من العمل، وهي التغطية الإعلامية للأحداث، وصناعة الأفلام الوثائقية، حيث حاولت تقديم تغطية أوضح وأشمل للأحداث وتطوراتها في سوريا، بعد أن لمسنا الحاجة المتزايدة لفهم تعقيدات الوضع السوري في ظل الحصار الإعلامي المطبق من قبل السلطات، ونعمل اليوم على مواد استقصائية، وحوارات مع شخصيات سياسية وميدانية، وتقارير مصورة، ووثائقيات من موقع الحدث، إضافة إلى نشاطات مدنية داخل وخارج سوريا، للدفاع عن حقوق الإنسان بأدوات العمل الإعلامي المختلفة”.

حملة حي على الشارع/ الشارع للإعلام والتنمية

حملة حي على الشارع/ الشارع للإعلام والتنمية

إنتاج مرئي احترافي وجوائز يحصدها الإعلام البديل:

بدأ الإنتاج الإعلامي المرئي في الأشهر الأولى للثورة بمقاطع قصيرة، يصورها مواطنون من قلب الحدث ويرفعونها إلى شبكة الإنترنت، ولم تمضِ أيام طويلة على بدء الثورة حتى انطلق أول بث مباشر لمظاهرة من القامشلي في 20 أيار 2011، من خلال فريق (سمارت)، الذي يضم ناشطين إعلاميين ولوجستيين يعدون بالمئات، ولم يلبثوا أن توسعوا في عملية البث المباشر، فغطوا تظاهرات بابا عمرو في حمص، ويقول المسؤول اللوجستي في فريق (سمارت) (عمرو سمارت): “كان البث المباشر وسيلة لإيصال الصورة الحقيقة ونبض الشارع السوري للعالم، بعد أن كثر التشكيك في الفيديوهات التي يرفعها الناشطون كل يوم لتوثيق جرائم النظام، كما ساهم في البداية بحماية المتظاهرين حيث تجنبت قوات النظام إطلاق النار أثناء فترة البث المباشر، إلاّ أن النظام لاحقاً لم يعد يقيم وزناً للأمر بعد أن أطلق النار أول مرة أمام أنظار العالم وسكوته، بحيث لم يعد النظام يخشى رد فعل الرأي العام العالمي وقد ضمن لا مبالاته”.

لم يتوقف الإنتاج المرئي عند حد البث المباشر للأحداث، بل تعداها إلى إنتاج بصري احترافي سواء في مجال التقارير التلفزيونية أو الحملات الإعلامية، كالحملات التي تنفذها (بصمة سوريا) من خلال الملصقات والرسوم الغرافيكية، التي تنشر عبر وسائل الإعلام أو توزع في المناطق المحررة، وتشرح مديرة العلاقات العامة والمتحدثة باسم بصمة عن الحملات: “الحدث على الأرض متغير يومياً وكثيراً ما يفاجئنا، لذا لا يمكننا رسم خطة دقيقة، لكننا نخطط الحملات الإعلامية على المدى البعيد، مثل حملة الحفاظ على الآثار التي نفذناها، ولدينا حملة جديدة لفضح ممارسات النظام لجر البلد إلى حرب طائفية، والهدف ليس مجرد فضح آليات النظام وممارساته، بل أيضاً تنبيه السوريين كي لا يقعوا في الفخ، واليوم نحن على أبواب الصيف، حيث ندرك جميعاً خطورة درجات الحرارة، لذا نخطط لحملة تلفت نظر الناس إلى أهمية أعمال النظافة والعناية بالأطفال والتخلص من القمامة، إذ لا يقل هذا العمل أهمية عن أي نشاط ثوري آخر”.

مؤسسة الشارع لإعلام والتنمية

مؤسسة الشارع لإعلام والتنمية

أما في مجال الأفلام التسجيلية والوثائقية والتحقيقات الاستقصائية المصورة، استطاعت مؤسسة (الشارع) تصوير أول وثائقي عن الثورة السورية بعنوان (تهريب 23 دقيقة ثورة)، الذي عرض في وسائل إعلام عربية وفي مهرجانات سينمائية في برلين، بروكسل وباريس.

كما حاز فيلم (آزادي) من إنتاج (الشارع) أيضاً على الجائزة الفضية في مهرجان روتردام، ويستعرض أحداث الثورة السورية في القامشلي ومناطق كردية أخرى شمال سوريا، وكذلك فيلم (صناع الساحة) الذي يصور ثلاث شخصيات من حمص، مصوّر الثورة في المدينة الشهيد رامي السيد، ومغني الثورة عبد الباسط ساروت، وطبيب الثورة وهو أحد الأطباء من المشافي الميدانية في المدينة.

إضافة إلى برنامج (حوارات من الساحة السورية) الذي بثّته قناة العربية على شكل سلسة حوارات مع شخصيات معارضة سورية، وكذلك أكثر من ستين مقابلة تلفزيونية أجراها فريق (الشارع) مع أبرز الشخصيات المؤثرة في الساحة السورية منذ بداية الثورة.

وإلى جانب إنتاج الأفلام والتقارير بدأت القنوات التلفزيونية ذات التوجه المناصر للثورة بالظهور والتعبير عن آراء وتوجهات تيارات ثورية مختلفة، كان لأغلبها طابع ديني واضح ومباشر مثل (سوريا الشعب، صفا، شذا، شامنا)، ولبعضها الآخر توجهات عسكرية أو تبعية للجيش الحر أو المجالس العسكرية مثل (سوريا 18 آذار التي كانت تابعة للمجلس العسكري في درعا، وتلفزيون الجيش الحر)، مع تغير الإدارات عليها بدأ بعضها بالتوجه أكثر نحو المدنية والخطاب الوطني الموجه لكل السوريين كتلفزيون (سوريا الشعب وسوريا 18 آذار)، يقول الصحفي (كمال فارس) الذي يعمل معداً للبرامج التلفزيونية والإذاعية منذ عشرين عاماً ويعمل اليوم مع إحدى القنوات التلفزيونية المعارضة: “معظم هذه القنوات التلفزيونية لا تزال بعيدة عن الاحتراف أو الخطاب الإعلامي المهني، إلاّ أنّ بعضها الآخر يتجه نحو مزيد من الاحتراف في العمل الإعلامي ويعيقها في بعض الأحيان مشاكل التمويل”.

ويختلف تلفزيون (أـورينت) في تجربته حيث كان موجوداً قبل الثورة، وأخذ توجهاً مناصراً للثورة منذ بدايتها، وإن كان البعض عاب عليها وقتذاك أنها استبقت الأحداث وضخمتها، لكن سرعان ما أصبحت أورينت أول قناة معارضة، وتُعتبر اليوم القناة الأفضل بين قنوات الإعلام البديل، ويصيف (كمال فارس): “لا يمكن مقارنة تلفزيون أورينت بالقنوات المحترفة على الصعيد العربي، لكنها الأكثر احترافاً ومواكبة لأحداث الثورة، وتسعى إلى أن تكون قناة لكل السوريين، وفي الفترة الأخيرة تحسن أداءها بشكل واضح”.

راديو الكل

راديو الكل

موجات إذاعية بطعم الحرية:

تبدو أهمية وجود بث إذاعي في سوريا اليوم على قدر كبير من الأهمية، في غياب وسائل الاتصال والإعلام الأخرى نتيجة انقطاع خدمات الإنترنت والكهرباء عن معظم المناطق السورية، من هنا أبدت مؤسسات الإعلام البديل اهتماماً بإنشاء ودعم محطات الراديو، التي يغطي بثها معظم المناطق المحررة في سوريا، إضافة إلى بعض المناطق الخاضعة لسيطرة النظام كدمشق، من هذه الإذاعات (راديو الكل) الذي يبث على (هوا سمارت)، منذ مطلع هذا العام والذي تطور عمله ومستوى أدائه الإعلامي بشكل ملحوظ وصولاً إلى رمضان، حيث خاض فريق (راديو الكل) في رمضان تجربة متميزة بتقديمه دورة برامجية خاصة بهذا الشهر، ضمن الإمكانيات القليلة المتوافرة وشروط العمل المعقدة على الأرض، وعن هذه التجربة يقول (أُبي سكر) المشرف التقني والمدير التنفيذي: “كنا نغطي ساعتي بث، وقررنا وضع خطة برنامج جديد مدته ساعتان واسمه (ساعتين زمن) نبدأ بثه في رمضان ويستمر لاحقاً، وعلى مدار شهر كامل حضّرنا الفريق ودربناه على التعامل مع مختلف الظروف التي يمكن أن تمر بنا لنكون جاهزين للانطلاق في رمضان، وهكذا زادت ساعات بثنا إلى أربع ساعات نعتمد فيها بشكل كامل على فريقنا الحالي دون الاستعانة بأشخاص من خارج الفريق، وذلك من خلال تنظيم العمل لرفع إنتاجية الفريق في ظل الإمكانيات المتوافرة، كما قدمنا برنامجاً جديداً مدته ساعة واحدة بعنوان (قلب البلد) قمنا بتسجيله في المناطق المحررة على مدى 12 يوماً، وسجلنا منه 21 حلقة، وهذا البرنامج يشبه برامج الواقع Reality Show، حيث كنا نسجل كل التفاصيل في الطرقات والأسواق والمنتديات الثقافية والبيوت ومقرات الكتائب وغيرها قبل إجراء العمليات الفنية عليها، ولاقى البرنامج صدى طيباً بين المستمعين في سوريا، ونحاول إيجاد فريق من شباب الداخل لمتابعة تسجيل (قلب البلد) بعد رمضان، إضافة إلى خطة تطوير دورتنا البرامجية بتقديم برامج جديدة منها (آزادي) باللغة الكردية، (بلا طول سيرة) برنامج حواري، وبرامج أخرى قيد الإعداد والتحضير”.

إضافة إلى كل ما سبق من مؤسسات وإنتاج إعلامي قائم اليوم، تشق مزيد من التجارب السورية في الإعلام البديل طريقها، فتطالعنا مواهب وإنجازات يومية لشباب إعلاميين أو اتخذوا الإعلام مهنة ورسالة لإيصال صوت السوريين إلى العالم، كمؤسسة (جمع) التي تقدم خدمات المونتاج وتحرير الفيديو وإعداده كنواة لإنتاج مادة مرئية احترافية، ومجموعة (صوتية) التي تنتج برامج ومواد إذاعية تشكل بداية لمحطة إذاعية أو مؤسسة خدمات إذاعية، وفي ظل هذا الزخم الإنتاجي والتطور المتسارع في أداء مؤسسات الإعلام البديل، يبدو مستقبل الإعلام في سوريا مضيئاً، يحمل في طياته أول أشكال الحرية التي خرج السوريون مطالبين بها، وإحدى أهم ضمانات الدولة الديمقراطية التعددية رغم كل العقبات.


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.