واقع الطلاب النازحين في السويداء

مرة أخرى يعود أيلول على النازحين السوريين وأبنائهم ليحيي بعودته مشكلة المدارس من جديد. مئات آلاف الطلاب من مختلف المراحل غادروا مقاعد الدراسة التي اعتادوها، هرباً من القصف والحصار، ليصبحوا من أصحاب المصير المجهول والأحلام المستحيلة التحقق في ظل ما يحيط بهم وبأسرهم من ظروف أمنية ومعيشية قاسية فيما يتعلق بالنازحين داخل الأراضي السورية.


تحتضن محافظة السويداء ما يزيد عن 60 ألف نازح من كافة المناطق السورية، وتشاركهم بسكانها وناشطيها أزمة دخول أبنائهم المدارس، نظراً لخصوصية الظرف الأمني والاقتصادي فيها.
بين العام الماضي والعام الحالي:
معلوم أن الكثيرين من الطلاب قد أضاعوا سنتهم الدراسية الفائتة في السويداء، وانحصرت الأسباب في تأخّر تسجيل الأطفال في المدارس إما بسبب عدم استكمالهم للأوراق، أو لأنهم وصلوا بعد بداية العام الدراسي، أما هذا العام فمعظم العائلات سجلّت أبناءها في المدارس حسب بعض الناشطين.

واقع الطلاب النازحين في السويداء

فايس بوك

وحسب مديرية التربية فقد استقبلت مدارس المحافظة العام الماضي حوالي 6000 طالب وطالبة من الوافدين، ويشير ازدياد توافد النازحين إلى أن العدد سيكون أكبر هذا العام.
الجهات الرسمية وتعاملها مع الوضع:
في محاولة لفرض الرقابة على النازحين والناشطين معاً حصرت محافظة السويداء شؤون الطلاب النازحين هذا العام بمديرية التربية، وشعبة الهلال الأحمر فقط، حيث تم منع الأهالي من تقديم المساعدات أياً كانت تحت طائلة المسؤولية. إلا أن الكوادر التعليمية تشير إلى إيجابية المحافظة في التعامل مع الطلاب الوافدين، إذ تشير هالة الباروكي، 30 عاماً، مدرسة ابتدائي، إلى “أن هناك ترحيباً واهتماماً بالطلاب النازحين من قبل المعلمين والإداريين في كافة مدارس المحافظة” ، في حين تؤكد أمينة المكتبة في إحدى مدارس المدينة على “تيسير مديرية التربية في السويداء لأمور الطلاب من خلال افتتاح شعب جديدة في المدارس لاستيعاب الطلاب، وجمع القوائم المتضمنة لأسماء وأعداد الطلاب في كافة الصفوف وتوزيع الكتب والقرطاسية عليهم إضافة إلى توزيع اللباس المدرسي، وهي مساعدات خاصة بالطلاب الوافدين من خارج المحافظة”.

 

الغريب في الحالة أن القرار بمنع تقديم المساعدات للطلاب يخص وزارة التربية وهو صادر عن المحافظة، وتشرف على تنفيذه قوات الأمن العسكري التي تداهم وتصادر وتعتقل، إلا أنه لم يتم التعرض لمتطوعي الهلال الحمر ولا للأهالي ، ويرى الناشط صالح النبواني، 43 عاماً، أن المحافظ يمثل السلطة والنظام، وأن والقصد مما اتخذ من قرارات عدم حدوث تواصل بين الأهالي والضيوف من باقي المحافظات، وحصر العمل مع النازحين بيد الهلال الأحمر الذي يتبع النظام بشكل غير مباشر، وذلك بهدف فرض الرقابة الأمنية على الضيوف.

ماذا عن مساعدات أهالي السويداء للطلاب؟

ينتمي جزء كبير من النازحين إلى السويداء إلى الطبقة الفقيرة نسبياً، فهم إما فقراء قبل قدومهم أو بسبب إنفاق المدخرات وقلة الموارد وفرص العمل في السويداء، وهذا يجعل حلول العام الدراسي أزمة بالنسبة للكثير منهم على الرغم من التعميمات الوزارية الخاصة بتجاهل اللباس المدرسي. وأمام هذه المشكلة كان لمجموعات الإغاثة نشاطها الملحوظ في العام الماضي، حيث تم توزيع الحقائب المدرسية والقرطاسية على طلاب المرحلة الابتدائية، وتأمين مستلزمات طلاب المراحل الأخرى بما توفر من إمكانات.

واقع الطلاب النازحين في السويداء

فايس بوك

الناشطة في مجال الإغاثة غدير درويش ، مهندسة ، 43 عاماً، تقول:” اللجان الإغاثية ما زالت تعمل هذا العام على تأمين مستلزمات الأطفال بشكل سري ومحدود جداً بسبب التضييق الأمني الشديد (فالعاملون على تأمين هذه المستلزمات يتعرضون لأشكال مختلفة من المضايقات كالمداهمات التي تعرّضت لها بعض البيوت التي تم تجميع القرطاسية فيها ، حيث تمت مصادرتها، كما حدث مع الأستاذ فوزات رزق على إثر وشاية من مدير إحدى المدارس في الحي الذي يسكنه)، وبسبب الغلاء الفاحش للمواد الدراسية وصعوبة جمع التبرعات “.
إضافة إلى المساعدة في تأمين المستلزمات المدرسية فقد تم إنشاء مركز تعليم مجاني يقوم باستقبال الطلاب الوافدين، يضم المركز مايقارب 100 طالب وطالبة من مختلف الصفوف من المقيمين في مدينة السويداء حسب ما أفاد أحد المسؤولين عن المركز، والذي أكد على أن عدداً من أبناء السويداء تبرعوا بكلفة إنشاء المركز؛ فبعضهم تبرع بالمكان وبعضهم بالمقاعد والأدوات فيما يقوم عدد من الشباب والشابات من حملة الشهادات الجامعية بإعطاء الدروس لكافة الصفوف بشكل تطوعي ودون مقابل .

 

إحدى المسؤولين عن المركز أخبرتنا أن (العمل في العام الماضي كان ارتجالياً، ومرتبطاً بالإمكانات المتاحة، لكن نسبة نجاح طلاب الشهادتين في المركز كانت 100 % رغم كل الصعوبات، كما أن بعض الطلاب حصلوا على معدل جيد جيداً. أما هذا العام فقد أصبح العمل أكثر تنظيماً، وحصل المركز من خلال حسن أدائه على حاضنة اجتماعية جيدة وأصبح يتلقى الدعم من الأهالي بشكل كبير، فتوسعنا حتى أصبح لدينا ثلاثة غرف بدوام كامل من 12 ظهراً حتى 8 مساء، وبشكل يومي يشمل أيام العطلة أيضاً).

 

ماذا يقول الطلاب الوافدون؟
خلال حديثنا مع الطفل أحمد الرفاعي ، 14 عاماً، من درعا ممن قضوا العام الدراسي الماضي في السويداء لاحظنا أن الطلاب يشعرون بأنهم في مكان أفضل من حيث الإحساس بالأمان، وهم أقدر على التفاعل مع زملائهم في الصفوف ولا يجدون مشاكل إلا مع البعض ، وهي مشاكل تتعلق بحقيقة ما يجري وبتشويه الحقائق واختلاف وجهات النظر والتوجه العام في المحيط.
يقول هذا الطالب: ” العام الماضي كنت أفضّل العودة إلى قريتي ، فقد تعرضنا لمضايقات من المعلمة والإدارة نتيجة للتحدث حول ما جرى في قريتي، أما هذه السنة فلم نتعرض بعد لأي مضايقات”.
أما الطالبة هدى محمد ، 20 عاماً من حمص، فقد قالت: ” إن عدداً من الناشطين زاروني في بيتي بعد علمهم بانقطاعي عن الدراسة، وقدموا لي نسخة من منهاج الثالث الثانوي الأدبي لأعود للدراسة، وأنا أرتاد المركز التعليمي، وأشعر برغبة شديدة بالدراسة نتيجة إخلاص المدرسين هناك، والذين يقومون بشرح الدروس وإعادتها مراراً وتكراراً حرصاً منهم على تحقيق أعلى مستوى من إيصال المعلومات لنا”.

واقع الطلاب النازحين في السويداء

فايس بوك

هناك مشاكل نفسية تواجه بعض الطلاب لا سيما الصغار منهم وفق ما أشارت إليه إحدى الناشطات في مجال الدعم النفسي، حيث ذكرت إن من الأطفال من بات يعاني حالات انفصال عن الواقع وازدواجية في المفاهيم سببه التنبيه الشديد من الأهل بالامتناع عن ذكر أي تفصيل يخص الأحداث في مدينته الأصل، وروايتها بطرق مختلفة عن الواقع في حال طلب منه ذلك، وتشير هذه الناشطة إلى أن الكثير من الأطفال يجيب سائليه من الأساتذة عن وجود عصابات مسلحة وإرهابيين في مدينته، وأن هؤلاء الأطفال يدخلون في متاهات ويجيبون بتناقض عندما يواجهون مثل هذه الأسئلة، التي يفرضها جو المحافظة التي مازلت تحت سيطرة النظام مما يسبب أزمات لهؤلاء الأطفال). وهذا يضع الطلاب أمام صعوبة التكيف الاجتماعي ويفرز حالة توتر انفعالي تعود سلباً على عملية التعلم، فالبيئة الغريبة وحالة الفقد التي عاشوها لها دور كبير في خلق تحدّ في اندماجهم في العملية التعليمية.
كما أن أهالي الطلاب يعانون صعوبة متابعة المنهاج بسبب انشغالهم بما يعتبرونه أكثر أهمية من تعليم أطفالهم؛ كبحثهم عن لقمة العيش والمسكن، هذا البحث الذي حول التعليم إلى تفصيل ثانوي في حياة مثل هذه الأسر، يضاف إلى ذلك تدني المستوى التعليمي للأهالي، فقسم كبير من العوائل الوافدة هو من الشريحة غير الحاصلة على شهادات والتي تعمل بالزراعة أو المهن الحرة.
وتجدر الإشارة إلى التزايد الهائل في أعداد الطلاب والذي يولد زيادة في حجم الصفوف ونقصاً في الوسائل التعليمية وخصوصاً الكتب، سيما وأن العديد من المطابع قد توقفت عن العمل منذ بداية الأزمة. وفي الوقت الذي عانى فيه الكثير من الطلاب الحرمان من فرصة العودة إلى المدرسة فإن قلة من المعلمين الوافدين هم الذين استعادوا وظائفهم بسبب صغر المحافظة، وعدم توفر شواغر للمعلمين من أبنائها حتى قبل بداية الثورة.

 

رأي الأهالي من سكان المحافظة:

يتراوح موقف أهالي مدينة السويداء بين قبولهم للعائلات النازحة واحتضانها ، أو رفض وجودها بالمطلق، بذريعة كونها مدينة صغيرة وأن العدد الكبير من الوافدين ضاعف عدد سكّانها وجعل الحياة صعبة فيها بسبب الازدحام، وفقد بعض المواد الأساسية، وأزمة الأفران والوقود وغيرها. ويرى آخرون أن طبيعة المجتمع في السويداء خاصة، ولا تحبذ الاختلاط، وغالباً ما تعكس مواقف أطفال السويداء من أقرانهم الوافدين مواقف أهاليهم نفسها، فقد نجد أطفالاً يرحّبون برفاقهم ويساعدونهم، بينما يرفض آخرون هذا القادم الغريب.
ورغم كل التحديات هناك إصرار على مساعدة الطلاب، تقول الناشطة غدير درويش: ” نحن مواطنون سوريون أولاً وأخيراً، نتصدى لمحاولة انتشار الأمية بين أطفالنا فهم الأمل القادم، وعلينا والاستمرار في محاولة إخراج الأطفال السوريون النازحين من أجواء الحرب، وإعادتهم إلى مقاعد الدراسة حيث مكانهم الصحيح”. وتقول” بعد ما كانت السويداء تلك المحافظة المنغلقة على ذاتها أصبحت تعج بالسوريين من كل المحافظات. ورغم مرارة الظروف لكن اندماج الناس مع بعضم وشعور أبناء السويداء بآلام اخوتهم من باقي المحافظات يزيد الأمل بسوريا الحرة الكريمة “.
والحق أن أهل السويداء يمتلكون من الكرم والشهامة ما يمكنهم من التعامل مع الضيوف بشكل أسري. وحسب الناشط صالح النبواني فإنه لا يوجد أي حساسية من وجود الطلاب في المدارس، “وأنا متابع لهذا الأمر، وهناك الكثير من المدرسين يهتمون بالطلاب الضيوف أكثر من اهتمامهم بطلاب السويداء ونحن نسعى لأن يتعامل الطلاب مع بعضهم بشكل طبيعي دون أن ينظر كل منهم إلى بيئة الآخر “.
أما الأستاذ جبر الشوفي فيقول في رسالة إلينا بخصوص القضية نفسها: “من الطبيعي أن يلقى أهلنا النازحون إلى السويداء تعاطفاً وتعاضداً كبيراً، سواء أكان ذلك من معظم أبناء المجتمع أو من هيئات الإغاثة، وهذا ليس غريباً على أهل السويداء . وإني أشدّ على يد كل العاملين على مساعدة أهلنا النازحين لإفسادهم على النظام محاولاته لجعل السويداء جزيرة معزولة عن الهم السوري والمواطنيين المهجّرين قسراً من بيوتهم، “. مضيفاً: ” أنتم في بيوتكم وبين أهلكم”.
الطلاب النازحون يحصلون في السويداء على فرصهم بقدر ما تساعد الظروف التي تعتبر أكثر من جيدة نسبة إلى المناطق الأخرى داخل سوريا والتي مازال اطلاب فيها يعانون الحرمان من التعلم، وينتظرون اليوم الذي يستطيعون فيه معاودة الجلوس على المقعد وحمل القلم لرسم مستقبل جديد يليق بهم وبأحلامهم.

ياسمين مرعي


  • ابن السويداء

    المقال فيه الكثير من المغالطات , أولا القادمون الى السويداء هم ليسوا نازحين بل ضيوف بين أخوتهم وأهلم الى أن تفرج حالهم وأمورهم , ثانيا الحالة العامة لا يتعرض ضيوف السويداء الى اي مضايقات الا في بعض الحالات الخاصة وهذا طبيعي جدا . ثالثا , أهالي السويداء قدموا الكثير وشاركوا ضيوفها بالكثير من الامور وهذا ليس معروفا بل واجب أخلاقي , رابعا أبناء المحافظات الاخرى هم أبناء السويداء وهم أبناء درعا وهم أبناء دمشق بلا داعي لزرع بعض الامور السلبية بعقول الاطفال .

    • نعم هم ضيوف والأهالي لم يبخلوا بالجهد والتحقيق يوضح أنّ الحكومة والجهات الرسمية هي من يضيق على الضيوف وليس الأهالي

أكتب تعليقك

اترك رداً على admin Cancel Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.