(ضوضاء) تلتقي الملازم أول (فضل الله زين الدين) والمساعد (فارس البني)

في الذكرى السنوية الأولى لمعركة ظهر الجبل

عام مضى على معركة ظهر الجبل، التي خاضها مقاتلو كتيبة سلطان باشا الأطرش وعدد من كتائب درعا ضدّ قوات النظام، في منطقة ظهر الجبل بالسويداء، واستشهد خلالها الملازم أول خلدون زين الدين والمساعد سامر البني من أبناء محافظة السويداء، إضافة إلى ثلاثة عشر شهيداً من أبناء محافظة درعا.

معركة ظهر الجبل كانت نقطة تحول في الحراك الثوري لمحافظة السويداء، على الصعيد العسكري والمعنوي، وفي الذكرى السنوية الأولى، توجهت (ضوضاء) إلى الملازم أول فضل الله زين الدين، قائد كتيبة سلطان باشا الأطرش وتجمع كتائب أحرار السهل والجبل، وشقيق الشهيد الملازم أول خلدون زين الدين، واستعادت معه أهم الأحداث التي أدت إلى المعركة ونتائجها منذ انشقاق (خلدون)، حتى اليوم.

خاص ضوضاء/ قائد كتيبة سلطان باشا الأطرش الملازم أول فضل الله زين الدين

خاص ضوضاء/ قائد كتيبة سلطان باشا الأطرش الملازم أول فضل الله زين الدين

- متى فكر الملازم أول خلدون زين الدين بالانشقاق؟ وما الفكر الذي كان يحمله قبل الثورة؟

كان لدى خلدون توقفات وانتقادات كثيرة للمؤسسة العسكرية، ولتصرفات أشخاص كثر داخلها، منتصف آذار 2011 قدّم طلب تسريح من الجيش، إلى قائد اللواء 240 إشارة في دمشق، حيث كان يؤدي خدمته، إلاّ أنّ طلبه رفض، في تلك المرحلة كان معارضاً للظلم والخلل في المؤسسة العسكرية نفسها.

مع بداية الأحداث أُرسل خلدون في مهمة إلى حمص استمرت قرابة شهر، إلى محطة اتصال وليس إلى جبهة مواجهات، تبعاً لاختصاصه، بعد نهاية هذه المهمة عاد إلى قطعته العسكرية في دمشق، قبل أن يرسل في مهمة أخرى إلى إدلب.

في إدلب كان متواجداً في معسكر يضمّ إلى جانب ضباط وعناصر الجيش، عناصر من المخابرات الجوية والحرس الجمهوري والفرقة الرابعة، كان هذا بداية الهجوم على محافظة إدلب في أيلول 2011، وهناك شهد خلدون ما يحدث للمعتقلين والمعتقلات، والجرائم التي ارتكبت بحقهم من تعذيب واغتصاب، على أيدي عناصر الأمن والمخابرات، وفي تلك الفترة أيضاً بدأت الخلافات تنشأ بينه وبين المحيطين به من عناصر الجيش والمخابرات، نتيجة موقفه من الثورة واعتراضاته على بعض التصرفات والممارسات.

أثناء تواجده في إدلب لم يتمكن من التواصل مع ضباط منشقين، حيث كانت حركة انشقاق الضباط عن الجيش في بدايتها وكان الضباط المنشقون يعدون على أصابع اليدين، كذلك لم يتمكن من الهرب من المعسكر، الذي كان في منطقة غالبية سكانها من الموالين للنظام، فلم يجد أمامه خياراً إلاّ الانتظار حتى حصل على إجازة، فذهب إلى السويداء ومنها إلى الأردن، دون التنسيق مع أحد أو تلقي المساعدة من أحد، إذ لم يكن الجيش الحر تشكل حينها، حتى إنّه كان يعبر الطريق إلى الأردن للمرة الأولى في حياته، وتعرض لإطلاق نار من الهجانة السوريين، إلاّ أنّه تمكن من عبور الحدود أخيراً.

– ما الذي فعله بعيد انشقاقه وما الصعوبات التي واجهها؟

ظل (خلدون) حوالي شهر في الأردن، قدم خلالها طلباً للعودة إلى سوريا، وعندما حصل على الموافقة توجه إلى محافظة درعا، عبر درعا البلد ومخيم درعا، باتجاه الحراك، حيث أقام وقتاً طويلاً، واستقبله أهلها بحفاوة، إذ كان أول ضابط منشق يدخل المدينة، بعيد وصوله تشكلت كتيبة شهداء الحرية وكان ضمنها، بعد الحراك انتقل إلى بصر الحرير ثمّ إلى منطقة اللجاة.

download

في تشرين الثاني 2011، أعلن (خلدون) انشقاقه وانضمامه إلى لواء الضباط الأحرار، الذي تشكل حينها على يد المقدم المنشق حسين هرموش، وفي كانون الأول 2011، أعلن تشكيل كتيبة سلطان باشا الأطرش، وكان معه حينها مجموعة شباب مدنيين متطوعين من محافظة السويداء، إضافة إلى آخرين من شباب درعا، من الحراك وبصر الحرير واللجاة، وباشرت الكتيبة عملها منذ ذلك الحين، ولم تكن تضمّ عسكريين من أبناء السويداء حتى ذلك الوقت عدا خلدون.

وفي وقت لاحق انشق (أمير الجبر) وتبعته بعد فترة، انشقيت عن الجيش في تموز 2012، وحين وصلت إلى درعا حيث الكتيبة، كان خلدون مصاباً.

– كيف كان وضعك في الجيش خلال الفترة بين انشقاق خلدون وانشقاقك؟ هل تعرضت لمضايقات؟ وماذا كان اختصاصك؟

كنت أمضي خدمتي في كتيبة الإشارة الجوية 636 في حمص، لم أتعرض خلالها لأي مضايقات، إلاّ في الفترة الأخيرة التي سبقت انشقاقي، حيث تعرضت للمساءلة، خاصة بعد العملية التي نفّذها خلدون في القريا، واستهدف حاجزاً لقوات النظام.

– متى فكرت بالانشقاق وهل نسّقت الأمر مع شقيقك؟

كنت على اتصال شبه دائم بـ(خلدون)، حتى عندما ينقطع التواصل المباشر، كنا نتواصل من خلال أشخاص، وعندما تعرض للإصابة بعيد عملية القريا، قررت أن الوقت حان كي أنشق بدوري، جئت من حمص مكان خدمتي، إلى السويداء، ومن هناك توجهت إلى الحراك، حيث كان خلدون تلقى العلاج ويقيم بانتظار أن يشفى تماماً من إصابته.

COPY_11

– كيف تم التخطيط لمعركة ظهر الجبل وما الأهداف التي كان يجب أن تحققها؟

بعد الحادثة الشهيرة التي اشتبك خلالها مقاتلو جبهة النصرة مع شبيحة المجيمر في السويداء وشبيحة بصرى الشام في درعا، عند حاجز المجيمر، اختطف عناصر من جبهة النصرة 17 مدنياً من السويداء، ما تسبب بحالة من الشحن الطائفي، دفعت (خلدون) لأن يقرر نقل المعركة إلى أرض السويداء، منعاً لظهور النفس الطائفي في الثورة.

تقرر القيام بعمل عسكري يستهدف نقطتين في منطقة ظهر الجبل، هما كتيبة رادار وكتيبة دفاع جوي، بالتنسيق مع كتائب من درعا، إضافة إلى متطوعين أصروا على الذهاب معنا والمشاركة في المعركة.

بالتالي كان الهدف الأساسي إدخال محافظة السويداء في العمل العسكري أسوة ببقية المحافظات السورية الثائرة، وتطويق الفكر الطائفي والتعصب تجاه المحافظة والأقليات بشكل عام.

توجهنا إلى منطقة ظهر الجبل إلاّ أنّ حالة الطقس وتساقط الثلج أعاقنا وغيّر مخطط المعركة، واضطررنا للبقاء ثلاثة أيام هناك، نفذت خلالها مؤونتنا، ولم يكن لدينا وقود للتدفئة.

يوم الجمعة بتاريخ 11 كانون الثاني 2013، جاءت مجموعة من المخابرات الجوية، نتيجة “إخبارية” تفيد بتواجدنا في المنطقة جنوب سد الروم، كنا متمركزين في ثلاثة مقرات، داهمت مجموعة المخابرات المقر الأول وبدأ الاشتباك بيننا وبينهم.

استشهد في اليوم الأول من المعركة تسعة أشخاص، واستمرت الاشتباكات منذ الصباح حتى المساء، عند المساء انتقلنا إلى شمال السد، وكان التحرك صعباً للغاية نتيجة الثلج المتراكم، الذي وصل في بعض النقاط إلى ارتفاع متر أو مترين، إضافة إلى وعورة المسالك الجبلية بطبيعة الحال، ما جعل الطريق أمامنا صعباً للغاية، فجراً تمكنا من الوصول إلى ثلاثة منازل بقينا فيها حتى مساء اليوم التالي، ثم بدأنا التحرك وعبرنا الطريق بين قريتي قنوات ومفعلة متجهين إلى شرق اسليم، وفي صباح اليوم الثالث اكتشفت قوات النظام ومليشيات الشبيحة مكاننا شرق قرية اسليم، وتجددت الاشتباكات بيننا وبينهم، مساء اليوم الثالث استشهد خلدون، وبعد ساعة تقريباً انسحبنا باتجاه قرية (بريكة) ثم (صلاخد) فاللجاة، ومن اللجاة عدنا إلى مقراتنا في درعا.

– هل حققت هذه المعركة أهدافها سواء على الصعيد العسكري أو المعنوي؟

كنا نطمح إلى أكثر مما تحقق في هذه المعركة، لكن اللافت فيها كان المتطوعين المتحمسين الذين أصروا أن يكونوا معنا، كنا حينها 120 شخصاً، نعرف جميعاً أننا قد لا نعود أحياء، وهذا صمود يحسب لكل من شارك في المعركة، خاصة من صمدوا ثلاثة أيام في الثلج، دون طعام أو شراب وأحياناً دون أحذية.

خسارتنا كانت كبيرة، خسرنا 20 شهيداً ومعتقلاً، إلاّ أنّ المعركة حققت جزءاً من الأهداف المرجوة منها، إذ نجحنا في إقامة عمل عسكري على أرض السويداء، وكبدنا قوات النظام خسائر كبيرة، كما ساهمت المعركة في وأد النفس الطائفي والفتنة التي كانت على وشك الاشتعال حينها.

– ماذا تقول عن خلدون القائد والإنسان؟

“شهادتي فيه مجروحة”، كل من عمل مع خلدون من درعا أو السويداء يمكن أن يجيب أفضل مني على هذا السؤال، خلدون بطل بكل المقاييس، قائد وأخ ومقاتل في الصفوف الأولى بشكل دائم، يضاف إلى ذلك إحساسه بالمسؤولية تجاهي، عندما كنا نخرج في عملية معاً، كان همّ حمايتي يضاعف مسؤولياته، لذلك كان يحرص على أن يكون أمامي دائماً.
خلدون بالنسبة إلي أكثر من أخ، أكثر من قائد وأكثر من بطل.

– ما الذي تغير في وضع الكتيبة بعد معركة ظهر الجبل؟ وهل تأثرت باستشهاد خلدون؟

عندما عدنا من المعركة كنا قد وصلنا مرحلة من الضعف نتيجة خسارة كمية كبيرة من الذخيرة، حاولنا بعدها أن نعمل بأكثر من طريقة، إلاّ أن المعركة تزامنت مع تغير في الظرف العام المحيط بنا، لم نتلقّ أي دعم، رغم أننا تلقينا وعوداً بتعويض الذخيرة التي فقدناها في ظهر الجبل، للأسف لم يحدث هذا، وبقي سلاحنا على بساطته وقلته.

شاركنا في معارك مثل معركة علما، معركة حصار اللواء 52، معركة خربة غزالة، معركة الدويرة في السويداء، حاولنا مرتين بعد معركة ظهر الجبل الذهاب إلى السويداء، إلاّ أنّ العمليتين فشلتا.

(ضوضاء) التقت كذلك المساعد المنشق (فارس البني)، المقاتل في كتيبة سلطان باشا الأطرش، وشقيق الشهيد (سامر البني)، للحديث عن انشقاقهما عن قوات النظام، وذكرياته عن معركة ظهر الجبل.

خاص ضوضاء/ المساعد أول المنشق فارس البني

خاص ضوضاء/ المساعد أول المنشق فارس البني

– حدثنا عن وضعكما أنت وشقيقك في الجيش؟ وكيف قررتما الانشقاق؟

أنا و(سامر) كنا متطوعين في الجيش، نخدم برتبة صف ضابط منذ 2001 حتى نهاية 2012، خلال عشر سنوات بين دخولنا المؤسسة العسكرية وبداية الثورة السورية، شهدنا كثيراً من مظاهر الفساد، وانطلاق الثورة كان باب أمل بالنسبة لنا.
كنا متحمسين لتشكيل الجيش الحر، ومتفائلين بحركة انشقاق الضباط والمجندين، إلاّ أننا في تلك المرحلة لم نكن على صلة بأحد، أفراداً أو جهات، في الجيش الحر.

بعد أن شكل الملازم أول خلدون زين الدين كتيبة سلطان باشا الأطرش، رغبنا بالانضمام إليها، لكن عائق الضغوطات الأمنية وصعوبة التواصل مع الأشخاص المناسبين لتأمين الانشقاق أخرت الأمر نوعاً ما.

نهاية 2012 وبداية 2013، تحديداً الأول من كانون الثاني 2013، كنت مع سامر في المنزل واتخذنا قرار الانشقاق والالتحاق بالجيش الحر، وتواصلنا مع شخص أمّن إيصالنا إلى مقر للكتيبة، وكانت حينها في منطقة ظهر الجبل، حيث كانت التحضيرات للمعركة قائمة، فالتحقنا بهم مباشرة.

خلال الوقت القصير الذي فصل بين انشقاقنا مطلع كانون الثاني وبداية معركة ظهر الجبل، يوم الجمعة 11 كانون الثاني، انخرطنا ضمن عمل المجموعة، وكلف كل منا بمهمة.

سامر كان شديد الحماس، وسرعان ما توثقت علاقته بمجموعة شبان من الحراك، صار يعمل معهم ويلازمهم دائماً، حتى أنه أقام معهم في مقر آخر غير الذي كنت فيه، مقرهم كان الأقرب إلى الطريق العام، وكانوا مكلفين بنقطة الحراسة الأولى، وكان هذا المقر الأول الذي داهمته مجموعة من المخابرات الجوية، وقتلت الشباب المتواجدين فيه.

– ماذا فعلتم عندما وصلكم خبر انكشاف المقر؟ وكيف تصرفتم؟

تمكن أحد الشباب في المقر الأول (كان فيه تسعة أشخاص)، من الهرب ووصل إلينا ليخبرنا إنّ المقر تعرض لهجوم وسيطرت عليه مجموعة من المخابرات الجوية، كنا نأمل أن يكون الشباب أسرى، إلاّ أنّه أخبرنا إن عناصر المخابرات أعدموهم، حتى إنّ الشاب نفسه الذي تمكن من الهرب ووصل إلينا، وصل مصاباً واستشهد بعد نصف ساعة تقريباً من وصوله.

خاص ضوضاء

خاص ضوضاء

– كيف تلقيت نبأ استشهاد (سامر)؟

استشهاد (سامر) كان صدمةً كبيرة بالنسبة إلي، لم أستوعب ما حدث في البداية، إلاّ أنّنا كنا جميعاً هناك، وكنا نعرف أن كل واحد منا معرض للموت في أي لحظة، هذه الفكرة ساعدتني كثيراً على تجاوز صدمة خسارته، وفي النهاية رغم حزننا على فراق سامر وخلدون، نؤمن أنهما انطلقا من مبادئهما ومن قيمهما، وأنهما ضحيا في سبيل قضية يؤمنان بها، لا بدّ أنهما راضيين، ونحن راضون كذلك.

وعلق الملازم أول فضل الله زين الدين، مؤكداً على كلام المساعد (فارس)، “خلدون وسامر أخوان لكل الأحرار في سوريا، خسارتنا الشخصية كبيرة بالتأكيد، إلاّ أنهما اختارا السير في درب الكرامة، ومن يختار هذا الطريق معرّض في أي لحظة للخطر وللموت، نتمنى فقط أن نمتلك القوة والقدرة على متابعة مشوارهما، والسير على نفس الدرب التي اختاراها”.

هالة درويش/ فريق تحرير ضوضاء


أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.